ما من شيء أكثر خطورة على حياة أمتنا ومستقبلها الحضاري مثل نضوب فكرها الإيماني، وانحسار خيالها الروحي، وجفاف وجدانها الأخلاقي، الأمر الذي يضطرها إلى أن تعتاش على خليط فوضوي من الأفكار حيثما وجَدَتْها، وأنّى التقتها، من دون أخذها بالحسبان توافقها مع أصالتنا الروحية، أو تناغمها مع ذاتيتنا التي تشكل الأصل الأعظم لوجودنا، كأمّة لها خصوصيتها وتميزها بين الأمم. لذلك فقد بات في غاية الجدّية أن تنشأ في الأمة مدارس فكرية وإيمانية، لتكون مرجعية للفرد والمجتمع يعود إليها ويستمد منها ويأخذ عنها.

وليس من باب المغالاة القول بأن مجلة “حراء” -بأبحاثها ومقالاتها- غدت اليوم مثابة فكرية، ومرجعية إيمانية للأفراد والمجتمعات؛ فقد استطاعت هذه المجلة بخطها الفكري والثقافي، المتزن والمتوازن، أن ترسي قواعد مدرسة فكرية راسخة القدم في حياتنا الثقافية والفكرية، ولا سيما بتلك المقالات ذات العمق الفكري والإيماني، والذي اعتاد فضيلة الأستاذ “فتح الله كولن” أن يفتتح بها كل عدد من أعداد هذه المجلة.

فمقالات “كولن” هي بمثابة العمود الفقري لجسمانية مدرسة “حراء” الفكرية، بما تحدثه من انقلاب وتغيير في الأفكار والأنفس، حتى إنها لتدفع المؤمن وتنهضه من رقدته ليشقّ طريقه إلى ممارسة جلائل الأعمال، وعظائم المهمات، تمهيدًا لمجيء اليوم الحضاري المنتظر لهذه الأمة.

فـ”كولن” رائد مدرسة “حراء” الفكرية يعوّل على القلم الحصيف الذي يستمد مداده من نزيف الأمة وجراحات روحها.. فصريف الأقلام عنده أوقع في الآذان من صليل السيوف، والمداد الذي تكتب به الأقلام سيوزن غدًا بدم الشهداء المراق في معارك الإيمان كما جاء في الحديث الشريف.. فالحضارات تبنيها العقول، وتمهد لها الأقلام.. لذا فالمؤمن كما -يرغب أن يراه- ينبغي أن يكون امتداديًّا إلى كل الجهات ولا سيما امتداده في شعاب الكون ومقاربة عقله، واستكناه قوانينه ونواميسه، المكتشف منها وغير المكتشف بعد.. وبهذا الامتداد وهذه السعة يغدو المؤمن كوني النظر، وكوني الفهم والإدراك، وهذه السعة هي التي تؤهله لممارسة الفعل الحضاري عن علم ودراية.

كما أن قلَّة حركة المؤمن في مجالات الخدمة الإيمانية، وإخلاده إلى الجمودية والسكونية، تصيب روحه بالتعفن، وتكاد تصيب ذكاءه الابتكاري بالخمود والشلل، كما أنها تعمل على انتزاع خاصية الرهافة الاندهاشية عنه، فلا يعود تثير اهتمامه أية ظواهر كونية وطبيعية أو إنسانية، وسيبقى يكرر نفسه كما ألفها وتآلف معها، دون أدنى رغبة منه في اختراق العادي والمكرور منها، أو الارتقاء بها في سلّم الإيمان إلى درجة أعلى فوق درجتها الماكثة فيها.

فـ”حراء المدرسة”، تسعى عن طريق ما ينشر على صفحاتها ابتعاث خاصية الرهافة الاندهاشية في المؤمن بالفعل الإلهي وبآثاره في الظواهر الكونية والحياتية الصغيرة منها والكبيرة.

ومن أجل إدامة زخم الفاعلية الحركية في المؤمن، كان “الجهاد الأكبر” الذي يعني -كما جاء في الحديث الشريف- مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء، فهذه المجاهدة المستمرة إنما هي عملية تحريكية لجمودية الروح وجمودية العقل، وإنقاذ للمؤمن من السكونية المميتة.

فالمؤمن إذا عاش حركيًّا –كما يصوره كولن- شعرت وأنت تقترب منه بحرارة ما في دمه من شعلة إيمانية متوقدة، وقابلتْك وَمَضَاتُ الذكاء المنبعثة كالسهام من عينيه المتألقتين، وأحسست أنه يعطيك قلبه لكي تستودع فيه كل آمالك وآلامك وخفايا أسرارك، وأنه يحنو عليك ويكاد يضمّك إلى صدره، ويسقيك من نبع رحيقه الإلهي الذي تركه مشاعًا للعطاش والظامئين من إخوانه بني البشر.. إنه يشتري آلامك وحيرتك وترددك بمدامع قلبه.. وبالمزيد من الحنو والإشفاق لعلك تجد الطمأنينة، وتعود إلى صف المؤمنين.

ومن الضروري أن أشير هنا إلى أن فكرة الاعتدال والوسطية التي غدت معلمًا من معالم “مدرسة حراء الفكرية” لا تعني السلبية، ولا تعني -كذلك- الأخذ بقول “مَن ضربك على خدّك الأيمن فأدر له خدّك الأيسر”، كما أنها هنا في “مدرسة حراء” لا تعني المساومة على أي ثابت من ثوابت الدين بالضرورة، ولا هي ناجمة عن ردود أفعال استفزازية عالمية من هنا وهناك، وليست تنمُّ عن ضعف أو انهزامية كما يريد البعض أن يفسر ذلك.. فإذا كان القرآن يعيب على أهل الكتاب غلوّهم في دينهم: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا)(المائدة:77)، فإنه يعنينا كذلك نحن المسلمين، ويطلب منا عدم الغلو والشطط والذهاب بعيدًا في التفسير والتأويل وإخسار الميزان: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ)(الرحمن:7-8).

فالميزان المختل والمتأرجح بين الإفراط والتفريط، هو ما تنأى عنه “مدرسة حراء الفكرية”.. فهي تريد ميزانًا يزن بالقسط كما يأمر به الله تعالى، فلا يُخْسِر إلى حد الوقوع في المحذور، ولا يَثْقُل إلى حد اعتبار “اللَّمَمَ” من الذنوب كفرًا وردة.

صحيح أن الأمة قد دبَّ فيها الفساد، ولكنها لم تتفسخ بعد، فهي لا زالت تمتلك من أصول الإيمان ما يعينها على النهوض والقيام ومعاودة مسيرتها الإيمانية من جديد إذا ما وجدت من يستنهضها ويأخذ بيدها ويعينها على تجاوز ضمورها الفكري والإيماني، وهذه المهمة الصعبة هي التي ينبغي على المدارس الفكرية القيام بها والاضطلاع بمسؤولياتها.

وإنه لمن ناقلة القول أن نذكر أن بين “حراء اقرأ”، أعظم وأقدس ما نزل من السماء على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، “وحراء المجلة والمدرسة” أواصرَ ونسبًا ووشائج متينة لا تنقطع.. وإذا ما قدر لشمس الأمة أن تشرق من جديد، فإن “اقرأ” هي الأفق الأسمى الذي ستشرق منه.. فـ”اقرأ الغار” شرط أساسي لامتلاء وجودنا الأرضي بالمعاني العالية والمفاهيم السامية، فأي مؤمن لا يستطيع ويجب ألا يستطيع قبول وجوده ووجود أمته، من غير أن ينحني لقدسية هذه الكلمة الإلهية التي بها تقوم الحضارات، وتنشأ دول الروح.

فـ”اقرأ” هي مفتاح الفهم عن عالمنا المشاهد والملموس، وهي كذلك مفتاح الفهم عن العوالم الأخرى التي تتوهج بالحياة وراء ضبابيات الأرض.. فـ”اقرأ” هذه هي التي تؤهل مدارك المؤمن وتمده بكثير من الفهم ليصبح قادرًا على استيعاب مسؤوليته الكبرى عن الحياة وعن أبناء الحياة، وبذلك يصبح عاملاً مساعدًا في الكشف عن حقيقة الوجود الإلهي الذي لا زال محاطًا بكثير من الريبة والغموض عند كثير من الناس.

ولكي يحافظ المؤمن على المستوى العالي من الإيمان، عليه أن يواصل التحنث في “حراء قلبه”، ويجعل منه مثابة للتفكر والتأمل في ملكوت السموات والأرض.. ومن هناك يخاطب سرَّ الوجود، وغوامض المقدرات، وسوامق الناشئات، والمنشئات من الخواطر والأفكار العاليات الساميات الرافضات للهابطات من العقول الدانيات، والسلوكيات المعوجات المانعات للإنسان من التقدم إلى أمام.

 

(*) كاتب وأديب عراقي.

About The Author

كاتب ومفكر عراقي

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.