منذ أيام استوقفتني “استغاثة” من ابنة أستاذي الراحل، الذي أشرف علي أطروحتي لنيل درجة الدكتوراه، وهي تطلب عبر صفحة خصصتها تخليدًا لفكره وإنتاجه فتقول: “كيف يمكن الحفاظ على المكتبة الأدبية للشاعر والكاتب والمفكر…؟. وتحتوي المكتبة على كتب وموسوعات ومجلات في مجالات الأدب العربي والعالمي، وخاصة الألماني منه، والمسرح العالمي، وتراجم أدبية عديدة، وموسوعات أدبية، وفنون تشكيلية وشعبية، وتراث شعبي عربي وعالمي، وعلم نفس وفلسفة. بجانب كل ما كتبه في مشوار إبداعه. هل من مساعد؟ أرجو التواصل معي إن أمكن.

قرأت سطورها مرة ومرة فنكأت جرحًا عميقًا لم يندمل بعد. فمنذ عدة أشهر طلب مني أحد جيراني وقد تعافى من أحزان فقد أخته الكبرى أن أتولي التصرف في كتبها الدراسية، ومجلاتها الثقافية، ومعاجم للغة الروسية (كانت مجال اختصاصها وعملها). وصعد بيته، وعاد بعد فترة، يحمل صندوقًا كبيرًا، وألحّ عليّ أن “يوهب لمن يستفيد منه من الطلاب، أو المترجمين، أو الاختصاصيين في اللغة الروسية طلبة كليات الألسن واللغات والترجمة”، ولم أكن لأخيب رجائه، أو أن أبدد “تركة أخته”: “فخير ميراث ورّث كتبٌ وعلم، وخير المورّثين من أورث ما يجمع ولا يفرِّق، ويبصِّر ولا يُعمي، ويُعطي ولا يأخذ، ويجود بالكلِّ دون البعض، ويدع لك الكنزَ الذي ليس للسلطان فيه حقّ، والرِّكازَ الذي ليس للفقراء فيه نصيب، والنِّعمةَ التي ليس للحاسد فيها حيلة، ولا للُّصُوصِ فيها رغبة، وليس للخصم عليك فيه حجَّة، ولا على الجار فيه مَؤونة”.

أقرأ “استغاثة” ابنة أستاذي الراحل، واستحضر مناشدة جاري هذا، واسترجع وقائع عدة دورات لمعرض القاهرة الدولي للكتاب حيث يوجد جناح خاص بالكتب القديمة (سور الأزبكية). وكم من مرة أجد رسائل علمية شائقة، ممهورة بيد أصحابها ومهداة إلى مشرفيهم بعد الانتهاء من تقييمها وإجازتها وتجاور كتبًا من مكتباتهم القيمة. أسرع فأنقد البائع عشرين جنيهاً (نحو دولار واحد ونيف)، فأحمل “كنزًا” من عشر رسائل علمية، وعشر كتب قيمة. وأعود إلى بيتي.. أطير فرحًا متناسيًّا عناء حمل هذه التركة الباهرة. فرح لا يعكره سوي توارد بعض الخواطر: لعل هذه الرسائل العلمية، والكتب المستعملة، مات عنها أصحابها فما كان من ورثتهم إلا أن تخلصوا منها على هذا النحو الذي تباع فيه رسالة علمية بجنيهًا واحدًا. أو لعلهم انتقلوا لمسكن جديد، لم يجدوا فيه مكانًا للكتب والرسائل “القديمة”. أو لم يعد للرسالة والكتاب الورقي قيمة في ظل تنامي النشر الإلكتروني وحصولك على كل ما ترغب بكبسة زر. وهذا ما ذكره بعض زملاء العمل كلما أردنا تحديث كتب القسم قائلا: “المحاضرات والمعلومات باتت منشورة الكترونيا فلا داع لبذل الجهد والوقت في تحديث الكتب والمذكرات الورقية.

ويلح السؤال “وقد اشتعل الرأس شيبًا وبلغت من الكبر عتيًّا”: ترى هل سيـُفعل بي وبكتبي ورسائلي (ثروتي الوحيدة) مثلما فعل هؤلاء بإرث أبيهم وأقربائهم؟ فكثير ما نرى أنه لا يكاد يمر شهور على وفاة الزوج / أو الزوجة، أو طلاقهما حتى نشاهد ما حرصا على اقتنائه، وبخاصة الكتب والدوريات العلمية والثقافية والمتعلقات الشخصية، وهي تحمل لتباع بأبخس الأثمان، وإلى حيث لا رجعة، ولا إبقاءً لشيء يحمل عبق الذكري، وبرد الذكريات لهذا الذي كان/ كانت ملء السمع والبصر حينًا من الدهر. وكان الأولى والأجدر أن تهدي أو يُتبرع بها لمن يعرف قيمتها فينتفع بها كصدقة جارية، مصداقًا لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: “إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ”(رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه). وأفيق من نشوة الفرح، وتوارد الخواطر، وإلحاح الأسئلة، وشجونها.. عندمّا تقابلني أم الأولاد، بامتعاض شديد. فلا تسعى فرحة لتحمل عني ما أحمل، شأنها عندما أحضر المستلزمات والعاديات والحاجيات والتحسينيات. بل أجدها غاضبة قاطبة الجبين تحمل “همّ التوسع والتمدد الطبيعي، وكثير غير الطبيعي” للكتب في بيتنا. فلم تعد الكتب قابعة على أرفف مكتبة بعينها، أو في غرفة واحدة، بل تعدتها إلى أخري. لكن مساحة غرف البيت محدودة، والرغبة في الاقتناء والاطلاع غير محدودة. فتنشب المنازعات والخلافات بين الزوجة و”ضرتها الكتب، والدوريات”. بينما يلتزم الأولاد الحياد منتهجين سياسة “عدم الانحياز، وضبط النفس” لعدم خسارة أي من الطرفين.

ولعل السطور القادمة التي أوردها “الجاحظ” في كتابه الأشهر “الحيوان” تكون بمثابة “وصية” تذكر من “يقطب الجبين ويثير المنازعات”، ومن “يلتزم الحياد، وضبط النفس” بإحسان الصنيع في “تركة الكتب”، فيقول: “الكتب الشريفة والأَبواب الرفيعة، ووراثتها منبهة للمورِّث، وكنز عند الوارث، إلا أنه كنز لا تجب فيه الزكاة، ولا حقُّ فيه للسلطان. وإذا كانت الكنوز جامدة ينقصها ما أخذ منها، كان ذلك الكنز مائعًا يزيده ما أخذ منه، ولا يزال بها المورِّث مذكورًا في الحكماء، ومنوّهًا باسمه في الأسماء، وإمامًا متبوعًا وعَلمًا منصوبًا، فلا يزال الوارث محفوظًا، ومن أجله محبوبًا ممنوعًا، ولا تزال تلك المحبَّة ناميةً ما كانت تلك الفوائد قائمة، ولن تزال فوائدها موجودةً ما كانت الدار دار حاجة، ولن يزال من تعظيمها في القلوب أثر ما كان من فوائدها على الناس أثر. وقالوا: من ورَّثته كتابًا وأودعته علمًا، فقد ورثته ما يُغِل ولا يَستَغِلّ، وقد ورثته الضيعة التي لا تحتاج إلى إثارة، ولا إلى سقي، ولا إلى إسجال بإيغار، ولا إلى شرط، ولا تحتاج إلى أكّار، ولا إلى أن تُثار، وليس عليها عُشر، ولا للسلطان عليها خَرْج. فكتُب الآباء تحبيب للأحياء، ومحي لذكر الموتى. وقالوا: ومتى كان الأديب جامعًا بارعًا، وكانت مواريثه كتبًا بارعة وآدابًا جامعة، كان الولد أجدر أن يرى التعلُّم حظاً، وأجدر أن يسرع التعليمُ إليه، ويرى تركه خطأ، وأجدرَ أن يجري من الأدب على طريق قد أنهج له، ومنهاج قد وطئ له، وأجدرَ أن يسري إليه عِرقْ مَن نَجله، وسقي من غرسه، وأجدر أن يجعل بدل الطلب للكسْب النظر في الكتب، فلا يأتي عليه من الأيَّام مقدارُ الشغل بجمع الكتب، والاختلاف في سماع العلم، إلا وقد بلغ بالكفاية وغاية الحاجة”.