إقبال ومسيرته الشعرية

إن رسالة إقبال الأدبية رسالة عالمية ومدرسة حديثة في توجيه الأدب لخير الإنسانية، وقد أثر إقبال بفكره في الجيل المثقف في شبه القارة الهندية بدور فريد لا يعرف له مثيل لأحد من أقطاب الفكر في هذا العصر الحديث، فلقد جمع إقبال بين الفكر والعقل والعاطفة والقلب والعلم. فكان هائمًا بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وبسير أصحابه البررة وأبطال الإسلام فألهب الضمائر بالدعوة إلى الاقتداء بهم وبعث روح الاعتزاز بنعمة الإسلام في قلوب المسلمين. وكان لحديثه عن كل ذلك في الشعر لون جديد لا يوجد له نظير في اللغة الأردية وفي بعض اللغات المعاصرة،‏ وكان إقبال معتزاً بتراث الإسلام وحضارته وتاريخه وما خلده أعلام الإسلام من علوم وروائع الفكر. أمَّا شعر إقبال فإنه يتميَّز بذوبانه وراء شعلة الإسلام التي ملأت العالم نورًا، فشِعره يوقظ العقول، ويهزُّ النفوس ويُربي الآمال في الصدور. ولا عجب إذا كان شعره يملأ القلوب حماسة وإيمانًا.

حب الرسول صلى الله عليه وسلم كما يتجلى في شعر إقبال

محمد إقبال هو أفضل مثال نستطيع تقديمه نموذجًا للشاعر الذي أبرز في أشعاره شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم بكل صفاتها وفضائلها، ولم يكن هذا إلا لأن قلب إقبال يعشق رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتمنى لو استطاع المسلمون استلهام الروح المحمدية بداخلهم فتصبغ حياتهم بصبغة الإسلام. صور إقبال شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال إبراز شخصية الرجل المؤمن وصفاته وأخلاقه في أشعاره، وقرر أن العشق مكون من مكونات شخصية الرجل المؤمن؛ فشخصية الرجل المؤمن ما هي إلا انعكاس لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم المستقرة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم جامع لمكارم الإخلاق، والرجل المؤمن عليه أن يتحلى بمحاسن الأخلاق مستمدًا ذلك من حب الرسول صلى الله عليه وسلم.

لقد كان حب إقبال لرسول الله صلى الله عليه وسلم محور حياته ومرتكز شعره. وظل هذا الحب يسيره حتى لاقى ربه، وهو يرى أن حب الرسول صلى الله عليه وسلم هو أساس الدين وخلاصته.

  وإن كنت وفيا مع محمد(صلى الله عليه وسلم)

فنحن لك واللوح والقلم لك وليس العالم فقط

صل نفسك بالمصطفى، فالدين هو ذلك

وإن لم تفعل فأنت أبو لهب

فهو يريد أن يرى المسلمين في مكانتهم كأمة لخير البشر ويذكرهم بأمجادهم العظيمة ودورهم القيادي في هذا الوجود لخير الإنسانية، ويؤمن أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المثال الكامل لكل مسلم، وأن اتباعه يجب أن يتم على أكمل وجه. يعتقد محمد اقبال أن المسلم حي خالد لأنه يحمل رسالة خالدة ويحتضن أمانة خالدة ويعيش لغاية خالدة فهو صاحب الرسالة وصاحب العلم واليقين وهو الصورة الكاملة للإنسانية.

تظهر شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم فى أشعار إقبال الأردية بطريقين:

 الطريق الأول

 من خلال الأشعار التي كتبها إقبال في مدح النبى صلى الله عليه وسلم فأشعاره هذه تمثل قمة فن المديح النبوى فى الشعر الأردى حيث لم تكن نمطية خالية من الروح والحركة، وإنما كانت تمتلئ إخلاصًا وحبًا يشعر به القارئ ويحسه فى أعماق قلبه، استطاع إقبال أن يهيئ لفن المديح النبوى فى اللغة الأردية سعة فكرية وفنية على السواء فوفق بين مديح النبى صلى الله عليه وسلم وبين الحياة السياسية والحضارية للأمة الإسلامية، وفى نفس الوقت نظم أشعار المديح فى هيئات وقوالب شعرية جديدة تختلف عن القوالب التى اعتاد عليها من سبقه من الشعراء،  وخير مثال ذلك قصيدته ” جواب شكوه “التي تدل على تصور إقبال لشخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يمدحه. يقول:

ارفع بقوة العشق كل وضيع

وانر العالم باسم محمد 

فلولا هذه الزهرة  أي”محمد “

لما كان ترنم البلبل

ولما كان فى الدنيا مجلس للتوحيد 

ولما كان لك وجود

اسمه فى الصحراء

وفى أحضان الجبال والوديان

فى البحار وفى أحضان الموج وفى الطوفان

الطريق الثاني

من أشعار إقبال الأردية والتى تظهر فيها شخصية النبى صلى الله عليه وسلم فهو القسم الأعظم والذى يضم عددا من المنظومات على مدار دواوينه الأردية كلها وفيها يجعل إقبال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعليماته ومعجزاته وخصاله رمزًا تدور حوله فلسفته ويطوف حولها فكره حيث قدم إقبال ضمن ما قدم من نظريات نظرية الرجل المؤمن نموذجًا للمؤمن الحق الذى يشكل شخصيته حب الرسول صلى الله عليه وسلم والإقتداء به، ومن هنا كانت شخصية الرسول صلى عليه وسلم دائمًا ماثلة أمام ناظري إقبال حين يتحدث عن الرجل المؤمن ويبرزه فى شعره.

ولقد أبرز شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال النظريات والأفكار التى عالجها على مدار أشعاره كلها سواء أكانت فارسية أم أردية.

 العشق نفس جبريل

والعشق قلب المصطفى

والعشق رسول الله

والعشق كلام الله

هو القوي الذي يثلج قلوب الشقائق

وهو الفيضان الذي يرتعد منه قلب النهر

ومن بين الموضوعات التي تناولها كثير من الشعراء من خلال مدائحهم النبوية “المدينة المنورة” وقد وصفوها فأحسنوا وأجادوا ولكنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه شاعرنا هذا حين وصف المدينة بأنها مكان التجلي لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل جبل الطور الذي تجلى عليه سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام. ففي قصيدة له بعنوان “بلال” رضي الله عنه يتحدث عن المدينة المنورة قائلاً: “فهي كالطور لبلال رضي الله عنه حيث أتيح له رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة. فهذه المدينة التي اخرجت الإنسان من ضيق الدنيا إلى سعتها. وهي التي مثلت اروع رواية وأعظمها تأثيرًا على تاريخ الإنسانية”.

أحب إقبال الحجاز لأنه وجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولأنه رأى فيها نورًا انبعث، وفيها رسالة خالدة،  وله قصيدة اسمها “ناقتي في الحجاز” وصف نفسه وهو يبكي ويقول: “يا ليتني أعتمر مرَّة ثانية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.