ماذا كان يحدث لو لم يكن القمر موجوداً؟ وما التأثير المتوقع لغياب القمر وعدم وجوده على الأرض وعلى المناخ وعلى ملايين أنواع المخلوقات التي تعيش على سطح الأرض؟ وماذا كان يحدث لو أن كتلة القمر كانت أكثر أو أقل من كتلته الحالية؟ وهل هو مجرد كتلة من الصخر وضع عشوائيا في مدار حول الأرض؟
من الممكن طرح المزيد من الأسئلة في هذا الصدد. لذا قام الباحث الفلكي “نايل كومنس” (Neil Comins) من جامعة (Main) في الولايات المتحدة الأمريكية بوضع كتابٍ شرح فيه مصير الإنسان لو لم يكن القمر موجوداً! وهذا الفلكي يرى أن من بين ملايين العوامل التي ساعدت على ظهور وإدامة الحياة في هذا الكوكب الفريد الذي يبدو حتى الآن أنه الوسط والبيئة الوحيدة التي ظهرت فيها الحياة هو وجود توازن دقيق بين الأرض والقمر. وكما لا تقع أي حادثة في الكون نتيجة مصادفات عشوائية، كذلك فإن القمر خلق كعنصر توازن دقيق إلى درجة أنه يمكن القول بأنه لو لم يكن موجوداً لاستحال ظهور الحياة في الأرض. وجاء في القرآن: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾(الرحمن:5).
والقمر الذي ليس له جو غازي عبارة عن كرة من الصخر يعلوها التراب وفوهات البراكين، وهو التابع الوحيد للأرض. ويبلغ نصف قطره ربع نصف قطرها تقريباً، وحجمه 50/1 من حجمها تقريباً، وكتلته 80/1 من كتلتها تقريباً ويبعد عن مركزها مسافة 385 ألف كم. ويتم دورة كاملة حولها في 29.5 يوماً. ومع أن الغموض يكتنف وجوده وخلقه فإن النظرية المقبولة حوله هو أن كوكباً سماه الفلكيون كوكب “ثيا” (Theia) تبلغ كثافته عُشر كثافة الأرض اصطدم بها. ونتيجة لهذا الاصطدام انفصل جزء من ذلك الكوكب وانقذف إلى الفضاء. وعادت هذه الكتلة المنقذفة التي استطالت وتغير شكلها بعد الاصطدام واصطدمت بالأرض مرة أخرى بعد أن دارت حول الأرض. في هذا الاصطدام الأخير ترسب لب كوكب “ثيا” الذي كان عبارة عن عنصر الحديد إلى مركز الأرض، أما غلافه الخفيف الذي كان عبارة عن صخور خفيفة فقد انقذف إلى الفضاء. وبمرور الوقت اجتمعت هذه القطع الصخرية وكونت القمر. كان القمر في بادئ الأمر على محور يبعد عن الأرض 22 ألف كم فقط. وبمرور الوقت ابتعد هذا المحور حتى وصل إلى بعده الحالي الذي هو في المتوسط 385 ألف كم.

المد والجزر

إن أهم تأثير يجريه القمر على الأرض هو في مسألة “المد والجزر”. وحسب قانون الجاذبية العام فإن كل كتلتين تتجاذبان بقوة طردية مع مقدار حاصل ضرب الكتلتين وعكسيا مع مربع المسافة بينهما. وتؤدي قوة الجاذبية الموجودة بين الأرض والقمر إلى مد في مياه البحار والمحيطات ثم في انخفاضها، وذلك لأن قوة التلاصق الموجودة بين البحر والبر ضعيفة (قوة التلاصق الموجودة مثلا بين القدح والماء الموجود فيه هي التي تؤدي إلى بقاء مقدار قليل من الماء في القدح بعد سكب الماء منه). ويحدث هذا المد والجزر حسب موضع القمر. ويعود ثلث المد والجزر إلى تأثير جاذبية الشمس، والباقي إلى تأثير جاذبية القمر.
نتيجة لحادثة المد والجزر يبتعد القمر عن الأرض كل عام بمقدار 4 سم تقريباً. ولكي يتم الحفاظ على نفس مقدار العزم الزاوي (Angular Momentum) في نظام (الأرض- القمر) تزداد فترة دوران الأرض حول نفسها بمقدار 0.02 ثانية كل عام. وتبين الحسابات العلمية أن الفترة الحالية لإكمال الأرض دورة واحدة حول نفسها تساوي 24 ساعة تقريباً، بينما كانت هذه الفترة عند بداية خلق القمر 8 ساعات فقط، ثم استطالت هذه الفترة بمرور الزمن حتى وصلت إلى قيمتها الحالية. ولولا القمر لبقيت فترة الدوران 8 ساعات بسبب عدم وجود المد والجزر. وهذا يعني دوران الأرض حول محورها بسرعة تبلغ ثلاثة أضعاف سرعتها الحالية.

القمر وقوة تأثيره

إن دوران أي كوكب بسرعة حول محوره يؤدي إلى شدة هبوب الرياح على سطحه. مثلا نرى أن كوكب المشتري وكوكب زحل يكملان دورة واحدة حول نفسيهما في مدة 10 ساعات تقريباً، لذا تتولد هناك عواصف قوية تبلغ سرعة هبوبها 500 كم/ساعة في الاتجاه “الشرقي – الغربي”. ومن شدة هذه العواصف فإننا نستطيع مشاهدة
غيوم الغبار المثار في جوهما نتيجة هذه العواصف الشديدة بالمنظار المقرب (التلسكوب).
النقطة السوداء التي نشاهدها في الصورة أعلاه التي أخذت لكوكب المشتري من التلسكوب الفضائي “هوبل” هي ظل أقرب تابع له وهو تابع “إيو”. وعندما يدور المشتري حول نفسه ويتم دورة كاملة في 10 ساعات فإنه يسحب غلافه الجوي معه. ونتيجة هذا السحب تتولد عواصف في اتجاه الخط الموصل بين الشرق والغرب. أما الحُزم الداكنة والحزمة البيضاء الظاهرة في الصورة فهي تبين اتجاه الرياح في كوكب المشتري.
لو لم يكن القمر موجوداً لزادت سرعة دوران الأرض حول محورها وزاد بالتالي مقدار الفروق في درجة الحرارة بين البحر واليابسة، ولزادت نتيجة لهذا سرعة الأعاصير التي ستهب في اتجاه الخط الموصل بين الشرق والغرب حتى تصل إلى 160 كم/ساعة. وهذا يعني ظهور ظروف غير مواتية للإنسان وللحيوانات التي تملك تركيباً معقداً.
فمثلاً ستتعذر نشاطات إنسانية مهمة مثل المحادثة. ونظراً لأن اليوم سيتقلص إلى 8 ساعات فقط فإن الساعة البيولوجية للإنسان وللعديد من الأحياء ستتشوش وتتعقد نتيجة الفرق بين هذه الساعة وساعات اليوم آنذاك، ويظهر العديد من الاضطرابات شيئاً فشيئاً. ونظراً لعدم وجود القمر يصبح المد والجزر ضعيفاً جداً، وتنعدم بالتالي الظروف الملائمة والضرورية للعديد من الأحياء المائية.
يساهم القمر أيضاً في كون دوران الأرض حول محورها بزاوية قدرها 23.5 درجة مئوية. وكما هو معلوم فإن هذا الميل هو الذي يساعد على ظهور المواسم الأربعة، وعلى استلام المنطقة الاستوائية والمنطقتين القطبيتين مقادير متوازنة من أشعة الشمس. وهكذا يساهم القمر في تأمين الشروط المناخية الملائمة للأرض ولاستمرار الحياة.

وظائف أخرى للقمر

التأثير الآخر للقمر على الأرض هو قيامه بعكس الضوء الآتي إليه من الشمس إلى الأرض. وهذا يؤدي إلى زيادة حرارة الأرض بمقدار 0.2 درجة مئوية. كما يقوم القمر بوظيفة درع واقٍ للأرض من النيازك والشهب. فلو لم يكن موجوداً لزاد عدد النيازك والشهب التي تقع على الأرض.
يقوم المجال المغناطيسي الذي يحيط بالأرض برد معظم الأشعة الكونية القاتلة المنهمرة نحو الأرض. أما الجزء القليل الذي يصل إلى الأرض فيساعد في لعب دور مهم في التفاعلات الكيميائية الجارية على الأرض وفي الغلاف الجوي.
ولولا القمر لزادت سرعة دوران الأرض كما ذكرنا ولزادت سرعة دوران الكرة السائلة الموجودة في مركز الأرض بالنسبة للغلاف الخارجي للأرض ولتغيرت بنية الغلاف الجوي وقوة المجال المغناطيسي له. وهذا يؤدي إلى نتائج سلبية بالنسبة للعديد من المخلوقات التي تستخدم هذا المجال المغناطيسي مثل بعض البكتريات والطيور والأسماك المهاجرة وسلاحف البحر وأسماك السلمون، أي لاختلف العديد من النظم المناخية والحياتية.

القمر تقويم زماني وحسابي

وكما هو معلوم فقد لعب القمر والشمس دور التقويم في التاريخ الإنساني، وقد ورد في القرآن الكريم ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾(الإسراء:12)، أي إن الله تعالى يلفت أنظارنا إلى هذه الوظيفة التي يقوم بها القمر والشمس.
يعد القمر أكبر تابع معروف للكواكب في المنظومة الشمسية، إذ تبلغ كتلته 1.23% من كتلة الأرض، فهو يلعب دوراً مهماً في تحقيق التوازنات الدقيقة الموجودة للأرض وفي تأمين ظروف ملائمة لظهور الحياة ودوامها. وإذا دققنا النظر في دوره وتأثيره على الأرض ظهر لنا أنه خلق خصيصاً لحياتنا على الأرض.
والحاصل أن القمر قد كلف بمهام ووظائف مهمة نتيجة حسابات دقيقة من قِبل من قال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾(الرحمن:7).
__________________
* الترجمة عن التركية: أورخان محمد علي.
المصادر
(1) Neil Comins, “What If the Moon Didn’t Exist? Voyages to Earths That Might Have Been”, New York, Harper Collins, 1993.
(2) Marcus Chown, “The Planet That Stalked the Earth”, New Scientist 14 Augst 2004.
(3) Paul D. Spudis, “Moon”, World Book Online Reference Center, NASA, 2004.
(4) Tony Phillips, “What Neil & Buzz Left on the Moon”, Science, NASA, 2004.
(5) Richard Ray, “Ocean Tides and the Earth’s Rotation”, IERS, 2001.
(6) John Gribin, “A Mysterious Monthly Temperature Cycle”, New Scientist, 28 January 1995.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.