لماذا أحبه وهو يُلزمني بطاعته ويريد مني الخضوع له؟ تخيل رجلاً أخذك من ملجأ الأيتام وأنت في أسبوعك الأول، وأنت رضيع، فقام على تربيتك أحسن تربية؛ غذاك بكل غذاء يقيم أودك ويقوّي جسدك، وحماك من كل ما يؤذيك، عاملك خيرًا مما يعامل الآباء أبناءهم حبًّا وعطفًا وعطاء ماديًّا.. وهذا الرجل الذي تفضل عليك بكل هذا الإفضال لا يريد منك نفعًا، لا الآن ولا في المستقبل، بل هو مستغن عنك كل الغناء، فقد وهبه الله ذرية صالحة تغنيه عنك، حتى إنك لا تستطيع نفعه بشيء حتى لو أردت ذلك، لعظيم ثرائه، وواسع جاهه، وكثرة خدمه والمحيطين به. ومع ذلك هو لا ينفك ينفعك نفع الوالدين لولدهما المدلّل، لكن بحكمة وحسن تدبير.


وهذا الرجل بلغ من حفاوته بك أن علمك أحسن تعليم، وأرسل إليك أفضل الأساتذة وأعظمهم حكمة ليعلموك من علومهم ومن حكمتهم، لتكون قادرًا على نفع نفسك، والسمو بعقلك وفكرك إلى مصاف العلماء والمبدعين.ثم هو من واسع جاهه، وانتشار علاقاته، وعظيم خبرته بمؤسسات الدولة والشركات الخاصة والعامة، وبالمشاريع القائمة، لم يبق لك طمعًا بأن تكون أعرف منه بمصلحة نفسك، فأنت أول من يعترف له بأنه أفضل منك في معرفة الجهات التي يمكنك أن تنجح فيها، وأنت تعلم أنه لا يمكنك أن تنافسه في ذلك؛ فمثله يطير الناس فرحًا لو تمكنوا من أخذ مشورته في شؤون أعمالهم؛ لعلمهم أن علمه وخبرته تقوده دائمًا إلى أفضل المتاح.


وهو مع عطائه هذا، وبذله الكبير غير المنقطع، يتصف بصفات جليلة جميلة في أخلاقه وخلقته:
• فهو كريم رحيم يتودد إلى الناس، عادل لا يقبل الظلم منه ولا من أحد تحت إدارة ممتلكاته.
• وهو حكيم ثاقب الرأي، يكاد يرى الغيب من شدة ذكائه وعظيم فراسته ودقة تحليله للحوادث والشخصيات، حتى إنك لم تعرفه مرة جزم لك بشيء وتبين فيه غلطه، بل ربما اعترضت عليه مرات، وزعمت أنك عرفت ما لم يعرف، فإذا بهذا الرجل يتضح أنه هو الذي كان على صواب وكنت أنت المخطئ.


• وهو فوق هذا كله من أجمل الناس، تكاد تشرق الشمس في وجهه نورًا، كأنما مسحه ملكٌ من الملائكة جمالاً، فإذا تكلم تساقط الكلام من فيه كأنه حبات اللؤلؤ بلاغة وفصاحة ودقة.. وإذا ابتسم أغضيتَ من هيبة الجمال، وهيبة الجمال أعظم هيبةٍ، أعظم من هيبة القوة والخوف والبطش.
لقد أسرك هذا الرجل بإحسانه، أسرك بجماله، أسرك بعلمه، أسرك بحكمته، أسرك بحبه لك وسعيه في صلاحك. ثم بعد هذا تقول لماذا أحبه وهو يُلزمني بطاعته ويريد مني الخضوع له؟
أنسيت أن حبه لك يوجب عليك مبادلته الحب؟ أنسيت أنه أعطاك حبه دون استحقاق لك منه حبًّا ولا التفاتًا؟ وإنما أعطاك حبه لكرمه وطيب طبعه. أنسيت أنه بذل لك ما لا يبذله الأبوان؟ أنسيت أنك مأسور لعلمه وحكمته وسلطاته وجاهه إذا كنت تريد لنفسك الصلاح والسعادة؟ أنسيت أنه لا يأمرك لمصلحته وإنما يأمرك لمصلحتك؟ أنسيت أن معصيتك لا تضرّه في شيء وإنما تضرك أنت وحدك؟


لقد كان الأولى بك أن تقول كيف لا أحبه؟ كيف لا أفرح بطاعته؟ كيف لا أُقـبِّـل قدميه إجلالاً واعترافًا بالفضل، كما يخفض الأبناء جناح الذل من الرحمة لوالديهم؟ فإن صح هذا في مخلوق فكيف بالخالق الله سبحانه وتعالى؟!
فهو الذي جعلك شيئًا بعد أن كنتَ لا شيء: (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا)(الإنسان:1).
واختار لك أجمل صورة: (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)(الانفطار:6-8)، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)(التين:4).
وكرّم جنسك على باقي المخلوقات: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)(الإسراء:70).
وسخّر لك جميع خلقه: (خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)(النحل:4-5).
حتى ملائكته جعلهم الله تعالى حفظةً لك: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ)(الرعد:11)، ويستغفرون لأهل الأرض: (وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ)(الشورى:5).
وجعلك أهلاً للتعلُّم وعلّمك: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)(العلق:3-7).
أنسيت أنه كان قادرًا أن يجعلك غير مؤهل للتعلم؟ (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(النحل:78)، فمن جعلك مؤهلاً للسمع والبصر والتعقّل؟ أنسيتَ أن القدرة على الاعتراض هي جزء من قدرتك على الإبانة عن نفسك؟ فمن وهبك هذه القدرة التي عُدت بها على خالقك ورجعتَ بها على واهبك إياها بالاعتراض؟ (خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)(الرحمن:3-4).
ثم إنه تعالى اختار من البشر أفضلهم وأذكاهم وأزكاهم لتعليم البشر ما يسعدهم، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)(آل عمران:33)، (اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ)(الحج:75).
وجعل الله تعاليم شرائعه من أجل سعادتهم لا من أجل شقاوتهم، ومن أجل التيسير عليهم من مشاق الحياة، ومن أجل أن يخفف عنهم من أعباء الدنيا، قال تعالى (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(البقرة:185)، (يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا)(النساء:28)، (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(المائدة:6).


هل تعلم أن الله تعالى يصلّي عليك حبًّا لك هو وملائكته: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)(الأحزاب:43)، ومعنى صلاته عليك لا مجرّد الرحمة والمغفرة -كما هو مشهور- على جلالة رحمته بك وغفرانه لخطاياك وشقاوتك، ولا هي إضافة إلى ذلك ثناؤه عليك وإشاعة ذكرك الجميل -كما قيل أيضًا في تفسيرها- وإنما هي ذلك كله انطلاقًا من تمام الحب وكمال الرأفة، حتى بلغ من حبه تعالى ورأفته بك أن كانت رحمته ومغفرته وثناؤه هي شأنه معك؛ إذ جاء في تفسير النسفي “لما كان من شأن المصلّي أن ينعطف في ركوعه وسجوده، استعير لمن ينعطف على غيره حنوًّا عليه وتَـرَؤفًا. كعائد المريض في انعطافه عليه، والمرأة في حُنُـوِّها على ولدها، ثم كثر حتى استُعمل في الرحمة والتَّـرَؤف”.


أنسيتَ أن طاعتك لا تنفعه ومعصيتك لا تضره: “يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا” (رواه مسلم)، وقال تعالى عن الهدي الذي يُذبح ليأكل منه الفقراء والمحتاجون: (لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ)(الحج:37)؛ أي الذي يرفعه لكم وينفعكم عنده هو مقدار إخلاصكم لله تعالى عند تقديمكم لتلك الذبائح، فلا تكون ذبائحكم ذبائحَ عُجْبٍ وتكبّر، ولا رياء وسمعة ولا مَنٍّ وأذى.


فمن لا تنفعه طاعتك ولا تضره معصيتك والذي لا يمكنك أن تنال من هيبة سلطانه بعصيانك؛ لأنك تعصيه بعلمه وبنعمه عليك وبتمكينه لك من ذلك، ولو أراد منعك من معصيته لما قدرتَ على شيء منها طرفة عين. ما الذي يجعله يغضب عليك إن عصيته؟ لماذا يغضب وهو أعلى وأجلّ من أن تضره بمعصيتك؟ لن يُفسِّر غضبَه عليك من معصيته مع عدم وصولك بشيء من الضرر إلى جنابه، إلا إذا ما كان يغضب عليك لك؛ لأنه يحبك ويريد سعادتك وفي عصيانه شقاوتك! فهو لا يأمرك بطاعته لأجله هو، وإنما لأجلك أنت. فإذا عصيته أضررت بنفسك، وهو يحبك، وما ترك لك عذرًا في عصيانه ببلاغه شرعه على أحسن صور البلاغ.


أيها الإنسان، ألا تحب المبدعين؟ فكيف بمن أبدعهم.. ألا تحب المتقنين؟ فكيف بمن خلق هذا الكون بكل هذا الإتقان.. ألا تحب الجميلين؟ فكيف بمن خلق هذا الجمال.. فكيف بأجمل موجود صلى الله عليه وسلم؟ والحمد لله تعالى أن حديث “إن الله جميل يحب الجمال” حديث صحيح في صحيح مسلم، وإلا لا تهمنا الجفاة بأننا إذا وصفنا الله تعالى بهذه الصفة أسأنا إلى جلاله. لا أشك أن صفة الجمال الإلهي وحدها لو استغرق فيها ابن آدم، لكفته غرقًا في حب الله، بل نجاة وسعادة في هذا الحب.


ألا تطيع الحكماء؟ ألا تسلّم لمن تعلم أنه يعلم أضعاف ما تعلم؟ فكيف بمن خلق علمك وكونك وعالمك الذي تتعلم منه؟ (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(الملك:14)، (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(الحجرات:16)، ولا تعلم علمًا إلا بما أذن لك أن تتعلمه: (وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ)(البقرة:255).
إن حبك الله وطاعتك إياه وخضوعك له، مما يوجبه عليك حبه لك وإحسانه عليك وكمال صفاته جمالاً وكمالاً مطلقًا، وتوجبه حكمته وعلمه، ويوجبه خلقه لك من العدم، وأنك مملوك لربك، ولكنك مملوك محبوبٌ لمالكك، ولذلك ميزك بالعقل والتكليف الذي يجعلك أهلاً للتكريم.


فكان الواجب لا أن تقول: لماذا أحبه؟ بل أن تقول: كيف لا أحبه؟ وكان الحق يلزمك لا أن تقول: كيف أحبه وهو يُلزمني بطاعته؟ بل أن تقول: كيف لا ألتزم طاعته وهي طاعة لا ينتفع بها غيري ولا تضر معصيته سواي؟ وكان العقل سيرفض أن تقول: كيف يريد مني أن أحبه وهو يريد مني الخضوع له؟ لأن خضوعك له حاصل في طاعتك ومعصيتك، فما خرجت من خضوعك له في كلتا الحالتين: فلا أطعته إلا بإنعامه، ولا عصيته إلا تحت تمكينه وسلطانه، وبعد علمه وإذنه. كل الذي خرجتَ منه بالعصيان أن خرجتَ بنكران الجميل وكفران الإفضال، وسوء أخلاق المتنمّر على سيدك، وغباء المتطاول على من بيده إهلاكك وإصلاح حالك.
إن من لم يعلم لماذا يحب الله، أهل بأن لا يعلم لماذا يحب أحدًا من خلق الله، فما أحببتَ إلا بحبه تعالى. أرأيت حبك والديك، ألم يكن عطاؤهما ورحمتهما إلا جزءًا من عطاء ربك ورحمته؟ أريت جمال الحسناء الذي ذهبتَ في حبها كل مذهب، هل هي إلا هبة جمال الجميل سبحانه وتعالى وقطعة من إبداعه؟ أوليس حبك لها نفسه نعمة من نعمه عليك، فما لحبك وحبها ليكون في ملك الله إلا بعد إذنه تعالى.
من لا يعرف لماذا يحب الله، فهو أهل أن يكون مخلوق الكراهية بكل ظلماتها وبجميع وحشتها وبعصارة آلامها، فلا تنتظر منه أن يحب إله المحبة.

(*) كلية الدعوة وأصول الدين، جامعة أم القرى/ المملكة العربية السعودية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.