يعتقد البعض منا أن الكلمات والجمل تمثل الجزء الأكبر والأساسي من طرق تواصل الأفراد فيما بينهم، بينما العديد من الدراسات والأبحاث تشير إلى أن الكلمات والجمل لا تمثل سوى 7% من طرق توصلنا مع العالم المحيط بنا، ويذهب الجزء الأكبر إلى حركتنا وإيماءاتنا التي تترجم في عقول المتلقين دون وعي منهم. يعد التواصل المرئي غير المنطوق بأنواعه المختلفة وصنوفه المتعددة، أداة هامة في إحداث التأثير والاستجابة في نفوس الآخرين.. فإذا كان الاتصال اللغوي واللفظي يؤدي دورًا هامًّا في مواقف اجتماعية متعددة لإيصال المعرفة بشكلها الصحيح، فإن نمط الاتصال المرئي لا يقل هو الآخر أهمية في توصيل الرسالة التي نريدها للآخرين بكل يسر وسهولة.

التواصل المرئي

التواصل المرئي لغة لا تستخدم فيها الكلمات، وإنما تشمل الحركات والإيماءات التي يقوم بها المرء في أثناء حواره مع شخص آخر، حيث يقوم هذا الشخص من خلال هذا النمط من التواصل باستقاء معنى محدد منه. ولهذا التواصل المرئي صور وأشكال متعددة، فهو يشمل البصر، ودلالاته والهمز واللمز والغمز، ولغة الوجوه، ولغة الإشارات وحركات الأعضاء، التي تعتمد على تحريك الجسد، مثل حركات اليد والأصابع والرأس والأرجل.. كما أنها تشمل الهيئة والنوم والمشي والسير والحركة، وغيرها من الحركات والإيماءات والرموز، ليفهم المخاطب بشكل أفضل الرسالة التي يُراد أن تصل إليه، الأمر الذي يسهم مساهمة فاعلة في تحقيق نوع من التقارب في العلاقات مع الآخرين.

أهمية التواصل المرئي

لقد اهتم علماء النفس والتربية والاجتماع والاتصال بهذا الموضوع المحوري، الذي يحقق الكثير من طرق التواصل والتجاوب بين الناس. وترى الدراسات أن للتواصل المرئي أهمية كبيرة، تتمثل فيما يلي:

أولاً: أن وجود العديد من اللغات والثقافات حول العالم، ينشئ أحيانًا فجوة في تحقيق التفاهم والتواصل السليم، ومن هنا يلعب التواصل المرئي -من خلال حركات الجسم- دورًا مهمًّا في بناء لغة مشتركة تجمع بين شعوب العالم كلها، قد تعجز اللغة الناطقة في توصيل الهدف المراد بنفس الدقة والقوة والدلالة.

ثانيًا: أن التواصل المرئي له أهمية في تنظيم وربط الاتصال بين المشاركين، ومثال ذلك حركة الرأس والعينين أو تغيير المكان إلى مكان آخر، أو إعطاء إشارة لشخص ليكمل حديثه أو يتوقف عنه.. وكلها تعد وظائف تنظيمية يقوم بها الاتصال المرئي، وتلعب دورًا حيويًّا في توصيل ما نريد للآخرين في يسر وسهولة.

ثالثًا: رسائل لغة التواصل المرئي تتميز بصدقها، حيث إن الإنسان عادة ما يحتاج إلى نماذج كثيرة للسلوك غير اللفظي من قبل الآخرين حتى يثق بهم، ومن هنا يتضح لنا أن لغة التواصل المرئي، ذات أهمية كبيرة في عملية التواصل، إذ بها تكتمل العملية التواصلية لما تؤديه من دور فعال في الإفهام والإفصاح والإيضاح والمصداقية والتأثير.

رابعًا: أن استخدام قناة ثانية للتواصل إلى جانب اللغة أمر ضروري ومفيد، خاصة إذا ما كانت هذه القناة التواصلية تحمل قدرًا كبيرًا من المعلومات التي تدعم اللغة، كما أن التعبير عنها بالألفاظ اللغوية أحيانًا يكون أمرًا مربكًا وغير ملائم. ومن هنا تكون لغة التواصل المرئي أكثر قوة للتعبير بها في بعض المواقف، لأن إدراكنا يتم مباشرة، وتكون الاستجابات غير اللفظية أكثر فورية، فتمدنا بأدوات جديدة لتفسير الكلمات التي نسمعها، الأمر الذي يسهم في فهم طبيعة العلاقة والأطراف المشتركة في عملية الاتصال.

خامسًا: يمكن الاستفادة من لغة التواصل المرئي بما تحمل من دلالات متعددة، من قبل الدعاة والتربويين ومراكز البحوث والتعليم، كمقوم تربوي ناجح ومهم في مناحي الحياة، لإيصال الأفكار للآخرين بطريقة أسهل وأيسر، وعاطفة أكثر.

عوامل تساعد في تقريب اللغة المرئية

ولكي تكون اللغة المرئية مفهومة لدى الآخر، وتأتي بالنتائج المرجوة منها في تحقيق أكبر قدر من التواصل الناجح مع الآخر، فمن المهم معرفة طبيعة الآخر الذي يتم التواصل معه، والسلوكيات اللفظية والعوامل الاجتماعية والوضع الثقافي المحيط به، حتى يتم استخدام الوسيلة الملائمة، التي تنسجم مع الموقف وتحدث أثرها المطلوب في نفسه.

التواصل المرئي والسبق القرآني

يرى البعض أن لغة الجسد أو فن التواصل المرئي، بدأ الالتفات إليه كلغة تحقق التواصل الإنساني في عصر النهضة الأوروبية، حيث شهدت ثورة في استخدام لغة الجسد من خلال بعض علماء الفسيولوجيا، الذين بينوا بعض دلالات تعبيرات الوجه وانعكاساتها على الجانب العاطفي أو الشخصي لدى الإنسان، الأمر الذي أسفر بعد ذلك عن ظهور كتاب “التعبير عن العواطف لدى الإنسان” سنة 1872م، حيث كان هذا الكتاب بداية الطريق لظهور العديد من الدراسات الحديثة، التي تناولت تعبيرات الوجه واللغة الجسدية، كان من أهمها نشر “دجوليوس فاست” كتابه ” لغة الجسد عام 1970″، ثم توالت بعد ذلك الدراسات والأبحاث التي أكدت على أهمية هذه اللغة في تحقيق التواصل الإنساني. وإذا نظرنا إلى بذور هذا العلم، نجد له دلالات واضحة في القرآن الكريم. يقول دكتور “مهدي عرار” في كتابه “البيان بلا لسان”: “يلقى القارئ في التنزيل العزيز آيات كريمات على أوصاف من الحركات الجسدية المؤدية إلى معان، وقد تكون تلك الحركات سبيلاً من سبل وصف المعنى وتشكيله ويكون سببها الكناية، كتقليب الكفين في مقام الندم، أو تقديم رجل وتأخير أخرى في مقام الحيرة والتردد في كلامنا اليومي”. ومن الآيات القرآنية الكريمة التي أشارت إلى هذا العلم قوله تعالى: فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا(مريم:29)، يقول المفسرون، في ذلك إشارة السيدة مريم عليها السلام على ما يؤديه الكلام من معان، لذلك فهم قومها منها أنها تطلب منهم أن يكلموا عيسى ، لذلك قالوا لها متعجبين: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا.

إذن فقد مثلت الإشارة نوعًا من الاتصال عن طريق لغة الجسد، وهذا دليل على وجود التواصل دون كلام، كما حرص القرآن الكريم على تنويع طرق إيصال المعاني للسامع حسب لغة الجسد غير المنطوقة، وذلك لأهمية هذا العلم وقدرته المدهشة على توصيل الرسالة الربانية بأقصر الطرق، والوصول إلى عموم البشر في كل الأصقاع ومختلف الأزمان.

(*) كاتب وباحث مصري.

المراجع

(1) لغة الجسد، بيتر كلينتون، نسخة الإلكترونية.

(2) أدب الإسلام وعلم الاتصال، د. حسن رجب، كتاب الأمة، العدد 28.

(3) لغة الجسد في القرآن الكريم، أسامة جميل عبد الغني ربايعه، الناشر جامعة النجاح الوطنية، فلسطين.

(4) لغة الجسد في القرآن الكريم، صلاح حسن رشيد، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 591.