لا شك أن القراءة تزود الأطفال بالقدرة على التوافق الشخصي والاجتماعي، حيث تزودهم باتجاهات إيجابية وخبرات تفيدهم في التغلب على مشكلاتهم الشخصية، وتنمي لديهم الشعور بالذات وفهمها الفهم الأمثل. والقراءة ضرورة أساسية لإعداد الطفل الإعداد العلمي السليم، فمن خلالها يكتسب ويتعلم صنوف المعرفة التي نرغب في تعليمها له، أو التي ينبغي عليه أن يتعلمها. ومن خلال القراءة تتوفر للطفل أسباب التسلية والترفيه والاستمتاع؛ من خلال قصص أو كتب جيدة الفكرة سهلة الأسلوب، جميلة السرد تصور شخصياتها بدقة وأمانة شديدة.

حينما نقدم للطفل ما نريد أن يقرأه، ينبغي أن نعنى بزيادة الثروة اللفظية لديه، فنثري جوانب حصيلته اللغوية بكلمات جديدة ومعاني متعددة، مع ابتعادنا عن الغريب من الألفاظ، أو الإكثار المبالغ فيه من المترادفات من الكلمات. وينبغي أن نهتم بتدريب الطفل على استنباط الأفكار والمعلومات، فنسأله بعد أن يقرأ شيئًا عن الموضوع الذي قرأ فيه، وماذا فهم منه، وأن يقسم الموضوع إلى أفكار أو أحداث مرحلية.. فنغرس فيه بذلك الدقة والعمق في فهم المادة المقروءة. وعلينا أيضًا أن نعوِّد الطفل على القراءة الصامتة بعد أن كان يقرأ قراءة جهرية، فنوفر عليه الجهد والوقت ونساعده على زيادة فهم ما قرأه.

وأيضًا حين نشرع في تعليم الطفل القراءة، علينا أن نعطي من أنفسنا القدرة والمثل في حب القراءة والمعرفة؛ فيتعين أن نهتم بالزاد القرائي للطفل اهتمامًا موازيًا بمأكله وملبسه، فنوفر له القصة والكتاب والمجلة.. ونشجعه على القراءة في أوقات معلومة، فينشأ الطفل محبًّا للقراءة والمعرفة، ويجتهد دائمًا في البحث عن المعرفة أينما كانت.

متى يستعد الطفل للقراءة؟

بيّنتْ دراسات في علم النفس، أن استعداد الطفل للقراءة يطلب ثلاثة أنواع من النمو:

1- النمو العقلي: يعتمد هذا النوع من النمو على عاملين أساسيين، هما النضج الداخلي، والتدريب والخبرة. ونعني بالنضج الذاتي، تلك العوامل الأساسية التي تدخل ضمن مظاهر النمو العقلي ولها تأثيرها على الاستعداد للقراءة، وهي الوصول إلى عمر عقلي معين يسمح بالقراءة، وغالبًا لا يكون قبل سن السادسة إلا في حالات بعينها، وكذلك القدرة على تذكر أشكال الكلمات، ومدى تذكر المقروء والقدرة على التفكير المجرد، ثم القدرة على الربط بين المعاني، وكلها عمليات عقلية معرفية تتضمن نضجًا ذهنيًّا معيّنًا.

أما التدريب والخبرة، فهما حصيلة عملية التنشئة الاجتماعية، والتربية الهادفة داخل الأسرة؛ حيث تربي الطفل في ضوء الخبرات المختلفة التي يمكنه الحصول عليها، والمدرسة هي التربية المقصودة والموجهة؛ ويبدو أثر المدرسة واضحًا على الاستعداد القرائي للطفل في زيادة الحصيلة اللغوية، وصحة النطق، والقدرة على تركيب الجمل، واستنباط المعاني المختلفة، بالإضافة إلى اتساع مدارك الطفل، والقدرة على التفكير في حل المشكلات، ثم القدرة على الاحتفاظ بسلسلة من الحوادث في العقل.

2- النمو الجسمي: ويقصد به الصحة العامة للجسم، وسلامة الحواس الضرورية لتعلم القراءة كالسمع والبصر، وسلامة أعضاء النطق، ونمو العضلات المتحكمة في أطراف الأنامل في اليد اليمنى أو اليسرى في حالة الطفل الأعسر الذي يكتب بيده اليسرى.

3- النمو الذاتي الاجتماعي: ويقصد به نمو المهارات الشخصية والاجتماعية لدى الطفل، وذلك من خلال مدى مقدرته على التوافق الاجتماعي والشخصي مع ذاته أولاً، ثم المحيطين به ثانيًا، مع وجود الاستعداد العاطفي الذي يلائم بين الطفل والموقف المدرسي، ويساعده على الاستجابة للعمل ما لم يكن متزنًا عاطفيًّا ومتوافقًا توافقًا نفسيًّا سليمًا.

مراحل تطور القراءة عند الطفل

في مرحلة ما قبل الدراسة ينبغي أن يتعلم الطفل علاقة اللغة المكتوبة باللغة المنطوقة، وأن يفهم أن الكلمة المكتوبة تقابل الكلمة المنطوقة؛ فإذا قلنا له “أسد” مثلاً، فينبغي أن يرى صورته، ثم ندلُّه على كتابة اسمه والحروف التي يتكون منها الاسم.. ومن الضروري أن تكون الكلمات التي نعلّم الطفل القراءة من خلالها، من الألفاظ الشائعة على لسانه، المألوفة بالنسبة له.

وفي هذه المرحلة ينمو لدى الطفل بشكل تدريجي حصيلة لغوية من المفردات المتداولة، وبمرور الوقت يستطيع أن يفهم الجمل ويستخدمها الاستخدام الصحيح، ومن ثم تنمو لديه المقدرة على الاستماع والاستيعاب للقصص، ويستطيع كذلك أن يستخدم اللغة ويفهمها بدرجة تتناسب ونضجه العقلي.

ومن المعروف أن هناك فروقًا واضحة بين الأطفال في الاستعداد للقراءة، فهو الأساس في نمو القدرة على القراءة في مختلف مراحلها. كما توجد فروق فردية واضحة بين الأطفال في سن السادسة من العمر في عملية القراءة؛ ففي نهاية العام يكون الطفل العادي قد اكتسب حصيلة لغوية معينة يستطيع أن يتعرف عليها بالنظر.. ويكون قد وصل إلى درجة من الاستقلال في استخدام أساليب التعرف على الكلمات، ووصل إلى درجة من المهارة في القراءة الصامتة أو الجهرية للكلمات، وقد يستطيع أن يستقل بذاته في عملية القراءة.

وفي نهاية العام الثامن من العمر، يكون الطفل قد مشى في طريق القراءة من أجل الدرس والتحصيل واكتساب المعرفة خطوات واسعة، ويتكون لديه عنصر السرعة في القراءة الصامتة بدرجة أكبر من القراءة الجهرية، ويتكون لديه اتجاه إيجابي نحو الكتب والقراءة بوجه عام.. ويستطيع كذلك أن يقوم بعملية القراءة بمفرده التي أعجبته وأسعدته في ثوب من لغته البسيطة ومعانيه القليلة، ثم يتعلم القراءة. وليس ثمة شيء يستحوذ على اهتمام الطفل سوى قراءة القصة والاستماع إليها والاسترشاد بمعانيها وآدابها.

والقصة من الفنون الأدبية المؤثرة على السلوك القيمي للأطفال في المواقف اليومية، وهي أكثر فنون أدب الأطفال انتشارًا وجاذبية للأطفال، ومن أقدرها على إمتاعهم واستثارة مشاعرهم، وهي تنمي لديهم القدرة على الإبداع والابتكار.

وفي الأعوام التالية من عمر الطفل التاسع والعاشر والحادي عشر، تصبح القراءة لدى الطفل أداة لتحقيق الاستمتاع وتحصيل المعلومات بأنواعها المختلفة، ثم يصبح قارئًا مستقلاًّ، وبعد ذلك يسير نموه بخطى مطردة في طريق القراءة حتى يصل إلى مرحلة النضج القرائي في سن الشباب.

ماذا يقرأ الأطفال؟

في البدء كانت الحكاية، أو الحدوتة التي ترويها الأم أو المربية على مسمع الطفل حتى يتعلم القيم الفاضلة، أو يكفّ عن بكائه ويهدأ ويستريح، أو لتشجعه على تقديم الحكايات وتحلق به في أجواء الخيال؛ لتثري خياله وترضي ذوقه.. وتوجد أنواع كثيرة من قصص الأطفال منها:

أ- القصص الخيالية: وهي تدور حول الحيوانات أو الطيور أو المخلوقات الغريبة أو عالم السحر.. وتبرز من خيال القصص الأسطوري خصائص الشعوب والأمم، ويقوم البطل بخوارق العادات ويهدف لتكوين القيم الرفيعة.

وهي تقوم على مخاطبة عقل الطفل وخياله وعواطفه، وتتنوع فيها المشاعر بين الفرح والحزن والرضا والغضب والحيل البارعة والشجاعة والمغامرة التي يكون أبطالها من الحيوانات والطيور أو الأطفال الصغار.. وهي تغمر دنيا الطفل بالبهجة والسرور بما فيها من مغامرات مضحكة طريفة فيها العبرة، وأسلوبها قصصي، ومفرداتها مألوفة، وجملها قصيرة.

بـ- القصص الدينية: وتتناول موضوعات دينية هي العبادات والعقائد والمعاملات، وسير الأنبياء والرسل، وقصص القرآن الكريم والكتب السماوية، والبطولات والأخلاق الدينية، وما أعده الله لعباده من ثواب أو عقاب، وأحوال الأمم السابقة وعلاقتها بقضية الإيمان بالله تعالى وموقفها من الخير والشر.. وكلها حكايات تدعو إلى الفضائل وتنفر من الرذائل، وتجمع بين المتعة والتشويق، وفيها حقائق دينية مفيدة، وفيها مواقف للعظة والاعتبار.

جـ- قصص المغامرات: وهي نوع تعرف بالقصص البوليسية، تدور حول انتصار الخير على الشر، وأن المنحرفين مصيرهم السجن، والجريمة لا تفيد.. وهي تبين كيف يمكن أن يكون الأطفال عنصرًا مفيدًا في المجتمع بذكائهم وشجاعتهم.. وهي تؤكد القيم التربوية المنشودة في المجتمع.

د- القصص العلمية: وتدور حول حدث علمي أو اكتشاف أو اختراع وقع في عصر من العصور، وتتناول قدرة المخترع على اجتياز العقبات التي تقف في طريقه وكيف يتغلب عليها، وصولاً إلى اختراعه أو اكتشافه العلمي.. إن الهدف الأساسي من القصة واستخدامها كأسلوب للتعليم، هو تنمية الخيال والسلوك والقيم المرغوبة، وتزويد الأطفال بالثقافة العلمية وأسلوب التفكير العلمي.

هـ- القصص التاريخية: وهي تعتمد على الأحداث التاريخية والغزوات. وقد يتضمن هذا النوع قصص الرحالة بما فيها من معلومات عن البلدان والقارات والمحيطات. وهو يتضمن عادة طرائف من الشرق والغرب ترمي إلى تنمية الخيال والإلمام بثقافة الناس وطبائعهم، وعاداتهم وحضارتهم.. وبها قصص طريفة حوادثها أخاذة وأسلوبها مشوق تبهج الطفل القارئ وتطلعه على ألوان مشوقة من الحياة، وتدفع عنه السأم وتعوده حسن التفكير.

و- قصص الرسوم: وهي القصص القصيرة التي تستخدم الرسوم والصور للتعبير عن حكاية بسيطة، تهدف إلى تنمية الخيال والسلوك السليم، والقيم المرغوبة، والاستعداد للقراءة لدى الأطفال الصغار الذين لم يلتحقوا بالمدرسة، أو الذين هُمْ بالصفوف الأولى منها.

(*) كاتبة وباحثة مصرية.