إن المسلمين في كثير من الأقطار يعانون اليوم أزمة غياب التدوال الاجتماعي للقرآن الكريم! ومعنى “التداول” هنا: الانخراط العلمي في تصريف آيات الكتاب في السلوك البشري العام، تلاوةً وتزكيةً وتعلمًا، وتعريض تربة النفس لأمطار القرآن، وفتح حدائقها المشعثة لمقارضه ومقاصِّه حتى يستقيم المجتمع كله على موازين القرآن.

إن ثمة أزمة منهاجية في التعامل مع القرآن وبياناته النبوية في الصف الإسلامي المعاصر…

إن مشكلتنا أننا نشتغل حول القرآن وليس بالقرآن وفي القرآن! وبينهما فرق كبير كما بيناه في كتاب “الفطرية”. إن الذي يشتغل بالعمل حول النص الشرعي ، معناه إنما هو يتخذه شعارًا فقط، ربما من حيث لا يدري! لأنما هو في الواقع يشتغل بمجموعة من الأفكار المجردة، والآراء الشخصانية، أو الجماعية، ولذلك فإنك تجد عملية تداول القرآن  ومكابدته في مثل هذا الصف ضعيفة جدًّا إن لم تكن منعدمة! لأن التحقق برسالات القرآن، وبحقائق الوحي –لدى هؤلاء-، ليس مقصودًا لذاته في حركة ذلك العمل. وفي ذلك ما فيه من مثالم ومخارم!

أما الاشتغال بالقرآن وفي القرآن، فهو عملٌ يتخذ كتاب الله أساس مشروعه، وصُلْبَ عمله ومنهاجه، تلاوة وتزكية وتعلمًا لآياته، وخضوعًا لحركته التربوية في النفس، ومكابدةً لحقائقه الإيمانية، واستيعابًا لأحكامه وحِكَمِه، في طريق حمل النفس، على  التحقق بمنازلها والتخلق بأخلاقها!

إن السير العملي في ميدان الدعوة والتربية على هذا المنهاج هو عين الالتزام بمنهاج النبوة في إصلاح النفس والمجتمع. إنه تمثيلٌ حقيقي بحياة الصحابة الكرام، واتباع للطريقة العلمية الحقة في تجديد الدين، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.

إن اتخاذ القرآن أساس العمل الدعوي، ليس معناه إلغاء وسائل العمل الإسلامي الاجتهادية، سواء  كانت اجتماعية، أو سياسية، أو اقتصادية، أو اعلامية، أو ثقافية… إلخ. وإنما هذا المنهاج يحكم عليها جميعًا بالانضواء تحت هيمنة القرآن والخضوع لتوجيهه وأولوياته! وكذلك بَنَى محمد صلى الله عليه وسلم مجتمع الإسلام الأول، تحت عين الوحي وتوجيهه. ودونك سيرته العظمى فانظر!

إن حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب مُهم جدًّا، لكنه لا يمثل بمفرده حقيقة ما نحن فيه! رغم أن تعميم الحفظ  والاستظهار لكتاب الله، أو لبعضه، من أهم خطوات السير فيه! إن الحفظ المطلوب في هذا المنهاج إنما هو الحفظ الذي مارسه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا يتلقون خمس آيات أو عشرًا، فيدخلون في مكابدة حقائقها الإيمانية ما شاء الله، فلا ينتقلون إلى غيرها إلا بعد نجاحهم في ابتلاءاتها! ومن ثم يصير حفـظ القرآن بهذا المسلك  مشروع حياة، وليس مجرد هدف لسنة أو سنتين، أو لبضع سنوات!

إن الذي لا يكابد منزلة الإخلاص، ولا يجاهد نفسه على حصنها المنيع، ولا يتخلق بمقام توحيد الله في كل شيء رغبًا ورهبًا، لا يمكن أن يُعتَبر حافظًا لسورة الإخلاص! وإن الذي لا يذوق طعم الأمان عند الدخول في حمى “المعوذتين”، لا يكون قد اكتسب سورتي الفلق والناس! ثم إن الذي لا تلتهب مواجيده بأشواق التهجد لا يكون من أهل سورة المزمل! كما أن الذي لا تحترق نفسه بجمر الدعوة والنذارة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليس من المتحققين بسورة المدثر! ثم إن المستظهر لسورة البقرة، إذا لم يسلم  وجهه في كل شيء، ولم يسلك بها إلى ربه، متحققًا بأركان الإسلام  وأصول الإيمان، متخلقًا بمقام الجهاد في سبيل الله، صابرًا في البأساء والضراء وحين البأس، متنزِّهًا عن المحرمات في المطعومات والمشروبات.. الخ، واضعًا عنقه تحت رِبْقِ أحكام الشريعة، في دينه ونفسه وماله، متحققًا بخلق السمع والطاعة لله على كل حال، من غير تردد ولا استدراك، لا يكون حافظًا لسورة البقرة! وإنما الحافظ للشيء هو الحافظ لأمانته، المتحقق بحكمته، العامل بمقتضاه، المكابد لما تلقَّى  عنه من حقوق الله.

مقال لفريد الانصاري: هذه رسالات القرآن (دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة).

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.