قد وجه الإسلام الناس إلى وحدة أصلهم، وأن تعدديتهم ضرورة لتعارفهم وتكاملهم، فقال تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات:13)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع: “يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟” (رواه الإمام أحمد).

التعدد والاختلاف سنة إلهية

إن “صحيفة المدينة” أو “وثيقة المدينة” التي وضعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد حرص على تسطيرها وكتابتها، قد أسست للعيش المشترك بين مواطني “دولة المدينة” الناشئة التي أقامها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتولّى إدارة شؤونها وقيادتها. بعد هجرته -صلى الله عليه وسلم- إلى يثرب، غيّر اسمها إلى “المدينة” وآخى بين المهاجرين والأنصار على اختلاف قبائلهم وتعدد عشائرهم، ثم أقام دولة مستقلة.
في المدينة دولة، لها إقليم جغرافي معلوم محدد، ويتكون مواطنو هذه الدولة من المسلمين، ومن اليهود، ومن بعض المشركين، مما يعني أن أديان وعقائد هؤلاء المواطنين في الدولة الوليدة متعددة، وأن قبائلهم (أعراقهم) متنوعة، وأن ثقافاتهم متفاوتة.
ومن هنا فقد جاءت وثيقة المدينة الدستورية لتعلن أسس ومبادئ حكم الدولة، وواجبات مواطنيها، والعلاقة بينهم وبين رئاسة الدولة -متمثلة في الرسول -صلى الله عليه وسلم– وكل ما لهم وما عليهم من حقوق وواجبات دستورية.
والاطلاع على هذه الوثيقة يوقفنا على نص دستوري لا نعرف في تاريخ الفكر الإنساني قبله نصًّا يشبهه في التأسيس للعيش المشترك بين مواطني دولة ناشئة يحملون كل أشكال الاختلاف وصنوف التعدد. ومن هذه القيم الإقرارُ بمبدأ التعددية -بكل تجلياتها- والقبول بالآخر المختلف دينيًّا وعرقيًّا وثقافيًّا، أي القبول بحق كل منّا في الوجود.
أقرّت الوثيقة أن “يهود بني عوف أمة مع المؤمنين”، وهذا ليس حقًّا ليهود بني عوف وحدهم، ولكنه حق كذلك ليهود بني النجار، ويهود بني الحارث، ويهود بني ساعدة، ويهود بني جشم، ويهود بني ثعلبة، ويهود بني الأوس، ويهود جفنة، ويهود بني الشُّطيبة، بل هو حق لبطانة اليهود فضلاً عن بطونهم ومواليهم.
ولقد حرصت الوثيقة على تأسيس هذا المبدأ المهم وتوضيحه لجميع المواطنين، وهو أن المسلمين واليهود في المدينة دولة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمّة واحدة: “وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (أي لا يهلك) إلا نفسه وأهل بيته”.
ولقد جاء تأكيد إقرار الإسلام بالتعددية الدينية في الوثيقة: “لليهود دينهم وللمسلمين دينهم”، ومع ذلك هم أمة واحدة سياسيًّا ودستوريًّا وإن كان لكلٍّ دينه الذي يختص به. وهذا يذكّر بما جاء في كتاب الله -عز وجل-: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)(الكافرون:6)، وبقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)(الحج:17).
لقد أوردت الآية أصحاب العقائد والأديان من المسلمين (المؤمنين)، واليهود والنصارى والصابئين، والمجوس والمشركين جنبًا إلى جنب، ثم بيّنت بأن سلطة الفصل بين أتباع الأديان بيد الله تعالى وحده، وأن هذا الفصل الإلهي بين أتباع الأديان موعده يوم القيامة وليس في هذه الحياة الدنيا، وعلى أتباع الأديان أن يتعايشوا بسلام وتعاون في هذه الحياة الدنيا، وأن يقبلوا بعضهم بعضًا وأن يقرّوا بحق الجميع في الوجود، وليس لأحد منهم سلطة الفصل في شأن عقائد الآخرين.
وكلمة “أمّة” في لغة العرب تحمل معاني متداخلة بدءًا من الجماعة المتميزة عن غيرها بخصائص، ومنها قول الله تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا)(الأعراف:168)؛ أي جماعات لها خصائص ليست في غيرها. وعليه فهناك “الأمّة” على مستوى الدين والعقيدة، وقد أشارت الوثيقة إلى ذلك عندما تحدثت عن المؤمنين من المهاجرين والأنصار، قالت عنهم: “إنهم أمة واحدة من دون الناس”.
أمة واحدة بالوصف الديني العقدي (أمة واحدة من دون الناس)، أما بالمعنى السياسي الدستوري فهُم مع غيرهم من المواطنين -الذين يختلفون معهم في الدين والاعتقاد- أمة واحدة.

الوثيقة والمقاصد العليا

لا تتحدث الوثيقة وهي تضع الأسس الدستورية للحكم في دولة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، إلا عن المبادئ الكلية والمقاصد العليا للشريعة الإسلامية، ولا تتوقف الصحيفة عند الفروع والجزئيات والظنيات والأحكام التفصيلية الاجتهادية التي ستتغير مع تغير الزمان والأحوال والمواقف.
الصحيفة تقرر مبدأ حرية الاعتقاد والتدين: “لليهود دينهم وللمسلمين دينهم”، فلا إكراه ولا سيطرة للرسول -صلى الله عليه وسلم- -وهو الحاكم الشرعي للدولة- عليهم، فحرية الاعتقاد مكفولة بنص الصحيفة لجميع المواطنين في دولة المدينة.
لقد ضمن الإسلام للناس حرياتهم، أي حقهم في الاختيار، لأنها فطرة أصيلة فطرهم الله عليها، أي هي عطية إلهية للناس لا يحق لأحد مصادرتها.
وقد أكد القرآن الكريم في آيات عديدة حق الناس في اختيار عقائدهم بحرية تامة، يقول تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)(البقرة:256)، (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ)(الغاشية:22)، (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(يونس:99).
ولابد أن نذكر هنا أن هذه التوجيهات القرآنية والنبوية بشأن إقرار حق الناس في الاختيار بحرية تامة، كان أمرًا جديدًا وغريبًا في تاريخ الإنسانية، وكان فتحًا جديدًا أمام الإنسان ليتسامى في تحقيق كمالاته.
لقد كفلت الشريعة الإسلامية حرية التفكير وحرية الرأي وحرية الاعتقاد، فالقرآن كله من أول سُوَره إلى آخرها، لا يقيم غير برهان العقل برهانًا على اختصاص الله وحده بالألوهية، ولا يدين العاقلون لأحد بها سواه(1). فحكم الإسلام في حرية الاعتقاد، هو منع أي إنسان من مضايقة أحد بسبب اعتناقه لعقيدة معينة ومحاولة فرض عقيدته وقناعاته عليه، ففرض العقيدة أمر مستحيل، وتأنيب الآخرين بسبب عقائدهم أمر مرفوض تمامًا(2).
ومن أسس العيش المشترك كما تحدثت الوثيقة “العدل”. لقد أسست الصحيفة للعدل كمبدأ دستوري للحكم، وكمبدأ للتعايش بين مواطني دولة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المدينة. يلفت الانتباه تكرار كلمة “القِسْط” -وهي المعبَّر بها عن العدل- ثماني مرات في نص الوثيقة، وقد جُمعت إليه “المعروف” فتحدثت عن “القسط” و”المعروف” معًا. وقد اتضح العدل في كل التصرفات بين مكونات مجتمع الصحيفة، مثل “على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم”، هذا في وقت السلم، أما في وقت الحرب “وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين”، وقد تكرر هذا في الفقرة 24.
وأن العدالة التامة الشاملة مقررة للجميع: “وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم”، وأن حق الانتقال مكفول لجميع المواطنين بـ”القسط: “وأنه مَن خَرَج آمِنٌ، ومَن قَعَد آمِنٌ بالمدينة إلا مَن ظلم أو أَثِم” بغض النظر عن عقيدته أو قبيلته. وما أجمل ختام هذه الصحيفة: “وأن الله جارٌ لمن برّ واتقى، ومحمد رسول الله”.
والعدل (القسط) بين المواطنين، وبين الحاكمين والمحكومين، يُعتبر بحقٍّ أولَ المبادئ الدستورية للحكم في الشريعة الإسلامية، ولقد أمر الله تعالى به في كتابه وأوجبه بآيات قطعية الدلالة: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، ولقد حرم الله تعالى الظلم فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)(النساء:135)، (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(الأنعام152)، (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحديد:25).
وبيّن ابن القيم في “الطرق الحكيمة” أن إقامة العدل بين الناس على تعدد أديانهم وأعراقهم هو المقصود من إنزال الكتب وإرسال الرسل، وأن السياسة العادلة جزء من الدين، فإذا ظهرت آمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان “فثمّ شرع الله ودينه”.
وقد أوضحت وثيقة المدينة أن العدل في باب القضاء أساسٌ عظيم لضمان تعايش المواطنين في الدولة، “وأنه من اعتبط مؤمنًا قتْلاً عن بينة (أي من قتل بغير جرم)، فإنه قود به (أي يقتل القاتل قصاصًا) إلا أن يرضى وليُّ المقتول (بالعقل)، (أي بالدية)”. وتفرض الوثيقة على الجميع أن يكونوا ضد الظالم يدًا واحدة، وأنه لا يحل لهم إلا أن ينصروا المظلومين ضد الظالمين “وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا القيام عليه”.
ومنه أن الوثيقة قد شرّعت لمبدأ قضائي مهمٍّ، وهو عدم نصرة المجرمين الآثمين وعدم إيوائهم والتستر عليهم، لأن في ذلك منعًا أو تعطيلاً للعدالة أن تأخذ مجراها “وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدِثًا (أي مرتكب جريمة) أو يُؤويه”، وتتوعد الصحيفة من يفعل ذلك “وأن مَن نصَرَه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه عدل (أي فداء) ولا صرف (أي توبة).
كما تقرر الصحيفة لمبدأ قضائي عدليّ حكيم، وهو أن المسؤولية الجنائية فرديةٌ، وبالتالي فإن العقوبة عليها لابد وأن تكون شخصية خاصة بمن ارتكب الجريمة، ولا يسد أحد مسده في تحمل العقوبة بدلاً منه، قررت الوثيقة ذلك في أكثر من فقرة منها: “إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (أي يهلك) إلا نفسه وأهل بيته”، “وأنه من فتك فبنفسه فتك وبأهل بيته”، “وأنه لا يأثم امرءٌ بحليفه”؛ أي إنْ ارتكب حليفه جرمًا يستوجب عقوبة قضائية.
“لا يكسب كاسب إلا على نفسه”؛ وهذا هو التغيير الهائل الذي أحدثه الإسلام عمومًا وهذه الوثيقة خصوصًا في تقرير مبدأ “المسؤولية الفردية”، وقد وضح القرآن هذا في آيات عدة منها: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(فاطر:18)، (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)(الطور:21).
ومن أخلاقيات التعايش المشترك التي حضّت عليها الوثيقة، ودفعت المواطنين في الدولة “المدنية” دفعًا لممارستها واعتبارها خُلُق التناصر والتناصح والبر دون الإثم. وأسست الصحيفة لمبدأ وجوبيةِ نصرةِ المظلوم على الجميع: “وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وأن النّصر للمظلوم”.
ولقد حرصت الوثيقة على أن التعامل بالمعروف والفضل، يساعد على العيش المشترك، وأكدت عليه في غير ما فقرة “وأن البرّ دون الإثم”، “بالمعروف والقسط”، “إلا على سواء وعدل بينهم”.
وتجعل الوثيقة حق الجار من حق النفس: “وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم”، “وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها”، حق الجار أن يستأذن جاره أو أن يتشاور معه في ما له علاقة بجوارهم المشترك، “وأنه من يتبعنا من يهود، فإن له النصرة والأسوة (أي المساواة في حقوق المواطنة) غير مظلومين ولا متناصرين”.
ومن مبادئ العيش المشترك التي أسست لها هذه الوثيقة الدستورية، أن الشعب الواحد في الدولة يمكن أن يتكون من مجموعات دينية وعرقية وثقافية متعددة، ويتشارك الجميع -والحالُ هذه- في المواطنة ويتساوون في حقوقها وتحمّل واجباتها المالية والدفاعية، وتسودهم قوانين عدلية واحدة، وتكون المسؤولية الجنائية فردية وعليه فالعقوبة تكون شخصية، ويتشاركون في ممارسة مكارم الأخلاق من البر والمعروف وحسن الجوار ورعاية واجباته، أي إن هناك حقوقًا وواجبات دستوريةً سياسية واقتصادية وعسكرية وسلوكية… يستوي فيها جميع المواطنين مهما تعددت مجموعاتهم واختلفت عقائدهم.
وتعطي الصحيفة الحق لكل جماعة بأن تنفرد ببعض الممارسات الخاصة التي تتعلق بالجماعة ولا تتعارض مع الحقوق والواجبات العامة لجميع المواطنين.

نلاحظ أن الصحيفة تحدثت عن جماعة المؤمنين المسلمين من المهاجرين والأنصار، وتحدثت عن اليهود على تعدد قبائلهم وبطونهم وحلفائهم، وأشارت إلى بعض المشركين، وتحدثت عن العام والخاص، بحيث لا يتعارض ما هو للفرد بحسبانه مواطنًا في دولة مع ما هو له بحسبانه فردًا في جماعة (دينية أو عرقية) داخل هذه الدولة، بينت الوثيقة ذلك بيانًا مهمًّا يحترم الهوية الخاصة بكل جماعة داخل الهوية العامة للدولة ككل، فقد خصت الوثيقة المسلمين بأشياء، وخصت اليهود بأشياء، وألزمت الجميع بأشياء دونما تعارض أو تناقض. وقد رأينا في الصحيفة أن العدل، والمساواة، والحرية، والبر والمعروف، والحماية والنصيحة، حقٌّ لكل مواطنٍ فردٍ في “دولة المدينة” بقطع النظر عن انتمائه لهذه الجماعة أو تلك، وبقطع النظر عن الاعتقاد بهذا الدين أو ذلك.
ولقد فتحت الصحيفة الباب واسعًا أمام مواطنيها من اليهود، لكي يستجيبوا إذا ما دعوا إلى الصلح، وإذا دعا المواطنون اليهود إلى صلح مع آخرين، فإنه يتوجب على المواطنين المسلمين أن يلتزموا بهذا الصلح ما لم يكن مع قوم يحاربون الدين: “وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه (يشاركون فيه)، فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك، فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين”.
وحين نقرأ هذه الوثيقة يستدعي الذهن “العهد النبوي إلى نصارى نجران” وقد جاء فيه: “ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملّتهم وغائبهم وشاهدهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهبٌ من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقًّا بينهم النصف (القسط والعدل) غير ظالمين ولا مظلومين”(3).
إن مثل صحيفة المدينة والعهد النبوي لنجران وملحقاتهما، والعهود العمرية من بعد، قد حفظت للمواطنين من أهل الكتاب وضعًا دستوريًّا متميزًا في الدولة الإسلامية، فقد حصّن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حقوقهم بكونهم في جوار الله وفي ذمة محمد النبي رسول الله، وقد ختمت صحفية المدينة بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: “وأن الله جارٌ لمن برّ واتقى، ومحمدٌ رسول الله”.
ولا ننسى أن هذه الصحيفة الدستورية قد كُتبت في زمان لم تكن فيه حقوق للمواطنين مرعية في الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية فضلاً عن قبائل العرب في شبه جزيرتهم، ولو نظرنا إلى محاولات كل من أفلاطون وأرسطو لصياغة نظرية سياسية للمجتمع اليوناني، لأدركنا الفروق الهائلة بين “صحيفة المدينة” ونظريات فلاسفة السياسة التي صاغها كل من أفلاطون في (جمهوريته) وأرسطو في كتابه عن السياسة.
ولا ريب أن الأحكام والأسس التي تضمنتها هذه الوثيقة، وكذلك العهد النبوي لأهل نجران، والعهود العمرية من بعدُ، ينبغي أن تكون ضابطة لمذاهب الفقهاء ولممارسات الحكام المسلمين مع مواطنيهم.

(*) كلية دار العلوم، جامعة القاهرة / مصر.
الهوامش
(1) في النظام السياسي للدولة الإسلامية، لسليم العوا، دار الشروق 2008، ص:214.
(2) حقوق الإنسان في الإسلام، جواد المصطفوي، نقلاً عن المرجع السابق، ص:216.
(3) كتاب الخراج، لـ”أبو يوسف”، ص:155-159، (نقلاً عن سليم العوا، ص:250).

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.