ثمة مواسم في الحياة ومراحل تصبغ الأحداثَ بصبغتها. فقد أثبت بعض العلماء أن الأسماك في البحر تزداد كثافة كل أربع عشرة سنة، وكمية الحبوب تزداد كل سبع سنوات.

فلو أجريت بحوث علمية حول دورة المواسم هذه بدقة، فقد نصل إلى حل كثير من المسائل الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها الإنسان، وقد تضمّن القرآن الكريم إشارات إلى تداول المواسم وخصوصًا في سورة يوسف.

إن دوران المواسم الصغيرة بنظام وانتظام، إثبات وإشارة إلى أن الحياة الدنيا كذلك حلقة من سلسة هذه الدورات، وهي أيضًا ستنتهي، ثم تبدأ بعدها دورة أخرى. فمن عاش غافلًا عن الله في هذه الدنيا مستمتعًا برغد الحياة ورخائها، سوف يعيش في القبر وتيرة موسومة بمعاني الضيق والفقر، ثم تأتي بعدها دورة البعث والحشر، حيث يعيش فيها حياة ملؤها الخوف والحساب والمعاناة، ثم تأتي مرحلة اجتياز الصراط، فمن اجتازه بلغ جنة الخلد وشرُف برؤية جمال الله سبحانه.

إن فصول دار الدنيا تنتهي مثل قصيدة بلا قافية، وإن عالم الخلد قافية تلك القصيدة، وسيكمل الله نظمها من دون شكّ.

إن الإنسان هناك -سواء تقلّب في النعيم الخالد أو العذاب الأليم- لن يتعرض لداء الألفة، وسوف يواصل مسيرته وفق مواسم ودورات متعاقبة من النعيم إن كان من أهل الجنة، ومن العذاب إن كان من أهل جهنم.

إننا نعيش في عالم قسّمه الخالق الحكيم إلى مراحل ومواسم متعاقبة، ولكن مواسم دار الدنيا تنتهي مثل قصيدة بلا قافية، وإن عالم الخلد قافية تلك القصيدة، وسيكمل الله سبحانه وتعالى نظمها من دون شكّ.

ما إن يولد الإنسان حتى تبدأ دورة الحياة والموت، فكل ولادة تنبئ بموت، وكل موت ينبئ بولادة جديدة. فإنْ لم تكن هناك ولادة أبدية، يصبح الإنسان أتعس مخلوق على وجه الأرض، ولا سيما الأنبياءُ ومن بينهم سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، كيف، وهو صلى الله عليه وسلم علّة خلق الوجود، بل إن شجرة الإنسانية ما غُرِست إلا ليكون هو -فداه روحي- ثمرتَها المثلى صلى الله عليه وسلم.

فبدءًا من هبوط الإنسان على هذه الأرض، إلى ظهور الأنبياء عليهم السلام، إلى كل حادثة وكل كائن في دورة الحياة هذه، كل شيء دليل وشاهد على دار الآخرة.

باختصار، إن كل دليل يثبت أن رب العالمين هو الله، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو رسول الله، وأن القرآن كلام الله، دليل في الوقت نفسه على وجود الآخرة، لأن الإيمان بنيان متكامل لا يقبل التجزّؤ والانقسام أبدًا.

المصدر: نفخة البعث، شواهد الحياة بعد الموت، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠١٥، ص: ٨٧-٩٠

ملاحظة: عنوان المقال من تصرف المحرر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.