إذا كانت التربية تخريجًا لطراز من الناس وفق تصور ومنهج ورؤية، فإن موقع التربية من الإسلام، في المكانة السامقة، حيث يشار إليها من جوانب عدة. إن بقاء المنهج ودوام نوره ليستضاء به -مع إمكان غياب الطراز- لهو المفتاح الأكبر لحد التربية في الإسلام وبيان جذورها وحدودها وجدواها. جاءت آية كريمة في سورة الفتح تتحدث عن نوع من الناس وطراز خاص منهم، يمثله قمة التمثيل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كانوا معه، ذلك قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)(الفتح:29).

فالآية أعطت صورة ناصعة عن هؤلاء جميعًا، وأوردت وصفهم ومثالهم في التوراة؛ أنهم أشداء على الكفار، رحماء بينهم، ركّع سُجّد، يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، وأثر ذلك ظاهر عليهم؛ سيماهم في وجوههم، كأنهم لا شغل لهم إلا هذا، ولا عمل لهم إلا إياه، ولا همَّ لهم سواه، فلا يظهر ما سواه إلا به ولا يستوي إلا معه.

إنها صورة جماعة مؤمنة خلصت منهم القلوب وصدقت النيات، فاستخلص التوجه والقصد. وكان نتاج ذلك ثمار يانعة من خير عمل فردي ينشق من واقع عام جماعي؛ إنه وصف فردي ينشق من صورة جماعية، وهنا مكمن الدقة والتدقيق. هذا النموذج ساقت الآية كذلك وصفه ومثاله في الإنجيل: (وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ)(الفتح:29)، هو وصف جماعي ينشق من صورة فردية، ومثال تغلب عليه “الجماعية” لكن باعتبار أثر الفرد داخل الجمع، مثل الزرع وهو حب وبذر يحمل الحياة، ومن البذر والحب يخرج الشَّطْء، ثم ينمو ويطلب الاستخلاص فيأتي الغِلظ. إنه نموذج قمة في الكمال والجمال، فهو بذلك مثال ونوع -إن غاب بقي لنا الوصف والصفة- وهما من أقوى الأسباب لاتخاذ وسائل الارتقاء نحو المثال اقتداءً واحتذاء واهتداء.

وعلى هذا الأساس ووفق هذا الأصل، ينظر إلى قوة ومتانة التربية بالمثال وعلى المثال، وهو منزع داخلي يلح على النفس خصوصًا في زمن البحث عن الذات ومحاولة بنائها وصياغتها، فيسهل ذلك بوجود المثال، وحضور النموذج الذي يدفع بقوة نحو بناء جسد متراصّ اللبنات، مترابط الحلقات، متفاعل الأجزاء. وإذا عُرف هذا، لم تعد هنا حاجة قائمة للسؤال عن مشروعية “التربية” في التصور الإسلامي، وإنما يقوم إزاءنا سؤال ملامح المشروع التربوي الباني، وهو مربط الفرس وموئل الباحث عن أساليب العلاج وأسباب النهوض.

التربية والاستعداد

التربية إنشاء وإحداث وإعداد بمقوم التفاعل والتجاوب، وعلى هذا الأساس لا تتأتى آثار التربية ونتائجها، إلا على مرتكز الاستعداد الذي منه فردي وجماعي.

الاستعداد الفردي

التربية قائمة على الاستعداد.. الاستعداد الفردي أولاً، حيث يكون الفرد مثل البذرة الصالحة للإنبات في البيئة المهيأة للإنبات، فإذا لم يكن هذا الصلاح وهذا الاستعداد، لا يكون ما بعده. إنه استعداد للتفاعل والنمو ليخرج الشَّطْء وينمو ويكبر في الحقل والميدان.. لا بد من كيان مستقبل قابل ثم يأتي الإيمان ليٌفعَل الكيان.

إنه في إزاء تربية الأفراد لا بد من حضور القبول، وهو أمر ملاحظ في التوجيهات والإشارات النبوية الدقيقة العابرة للمجال: الأرض التي تقبل الماء “منها طائفة قبلت الماء”، والأرض التي تمسك الماء “منها طائفة أمسكت الماء”(1). وهكذا ومع هذا فالقبول غير الإمساك، القبول استعداد للانتفاع والشروع في التطور والنمو، أما الإمساك دون القبول فهو دون ذلك، لأنه قد لا يكون له قيمة في الذات، مع أنه قد يقع به مجرد الانتفاع “الآلي”، مثل الإناء يمسك ما يمسك ويشرب منه الشارب فينتهي دور الإناء في الإمساك.

إن ملامح النجاح التربوي تبدأ بملاحظة مخايل الاستعداد الفردي استخلاصًا لمكامن النجابة والقوة والأمانة، قصد دعم البنيان ورص صفه باللبنات الجياد.

وليس من العسير ملاحظة ذلك في “البناء المثال”؛ البناءِ النبوي التربوي، وهو يلتمس في ظروف البدايات الأولى -وما أصعبها من ظروف وما أحسنها لنا من مثال- بناءَ قاعدة الانطلاق الدعوي الحقيقي من خلال الاتصال الفردي الانتقائي، وذلك بمعرفة قابلية الأفراد للتجاوب على أمل الانخراط في موكب التربية الدعوية. وعلى هذا كان النبي يدعو من يثق في رجاحة عقله، لأنه إما أن يقبل الدعوة فيتحقق له القصد وينال المراد، وإما أن يسكت عنه فيحقق معه المطلوب ويحافظ على سرية دعوته وأمنها. جاء في السيرة: “وجعل رسول يذكر جميع ما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوة، سرًّا إلى من يطمئن إليه من أهله”(2).

ووفق هذا المنهج انتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم للدعوة، واصطفى “رواحل” صدقت فيهم فراسة قابليتهم واستعدادهم للتأهيل التربوي والدعوي، حيث تفاعلوا وتأهلوا في إطار عملية تربوية، فصاروا بُعيد مدة أفرادًا فاعلين، حاملين للدعوة، سائرين بها نحو آفاق أرحب.. فنمت دعوة الناس وتطورت في “متتالية هندسية” أتاحت فشو خير هذه الدعوة، وسرعة وصولها إلى محتضنيها، والعاملين عليها والقائمين على خدمة أمرها تثبيتًا وتبليغًا، وهو ما ينبغي في ظروف البناء لا ما سواه. وهو كذلك ما ينبغي في ظروف إعادة البناء، ذلك لأنه نموذج صالح ثابت الصلاحية لكل وقت وحين، ولكل حيز ومكان.

ولعله يكون من الأفيد ألا ننصرف عن الفكرة قبل أن نضرب مثالاً على هذا، وهو مثال أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي دعاه النبي صلى الله عليه وسلم -وكان أعرف الناس به لصداقة بينهما- فأجابه لدعوته وأسلم. وهو أول من آمن من الرجال، ثم قام بعد ما تلقى ما تلقى نشطًا للدعوة، متشربًا قواعدها وضوابطها المحتاج إليها في حينها، ودعا أفرادًا من علية القوم، أمثال عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله.. فأصبحوا هم الذين يشكلون -مع من سبقهم في الإسلام- الصفوة المؤمنة في فترة التخلق، وكانوا “النواة الصلبة” التي أسست على قاعدتها مادة الانطلاق. لا شك أن هذا وما في حكمه، يظهر تصريف لوازم الإعداد الفردي وقف الاستعداد المؤهل للطاقات والمفجر للإمكانات، الموصل إلى النتائج والغايات.

الاستعداد الجماعي

إن الفرد يصل بمستوى التأهيل والإعداد إلى شعور نفسي عارم دافع للسير ضمن ذات أكبر وأوسع وأجمع. إنه شعور نفسي للسير باجتماع، ذلك هو أصل الاستعداد الجماعي الذي هو أصل الانطلاق في الاتجاه الصحيح الموسوم في صورة المثال في الإنجيل: “الزرع وإخراج الشَّطْء”. والأمر يكون وفق التكامل وإحداث الانسجام، بحيث يصبح كل فرد -بما يحمل وما يعمل- عمدة ليس هناك فضلة. إذن هناك ملمح التكامل الأساس في البناء الجماعي، وهو يقف على ثوابت راسخة، ولعل أقواها وأصلبها التراص والتلاحم الذي يحيل على شدة الترابط وقوة الآصرة المؤثرة في شد البنيان المرصوص. إنه أمر ملح لا بد من تحققه تحققًا فعليًّا، فلا بد من التراص من خلال التكامل والتناسب بين اللبنات؛ بحيث يثبت هذا الرص رصًّا لا يترك مجالاً لظهور التشققات، رغم ما قد يحصل من اهتزازات أو رجّات.

إن الجماعة بالرص تحمل ما فيها وتتحمله، وإن حصل لأفراد منها تأخُّر أو تراخ أو محنة أو امتحان، فلا يؤثر ذلك في بناء الذات الجماعية المستوعبة لذوات الأفراد، في تكتل مرتبط بعلاقة وطيدة بالواقع، ألا وهي علاقة “تحضير التيار” العام و”صناعة البيئة” العامة المؤثرة والمتحكمة.

إن صناعة البيئة الجماعية وصياغتها، تتيسر بالتزام مبادئ الخطاب التربوي الباني المبني على التضام والتلاحم الذي تؤسسه قاعدة: “أنا من المسلمين”. حينذاك يصير الخطاب خطابًا عامًّا، ويصير المنهج منهجًا عامًّا.

وهذا هو الذي صيغت به الجماعة المسلمة في بدايات تشكل أمرها نواة للأمة وبذرة للدولة، فناسبها منهج “التربية المنبرية” تثبيتًا للأقدام وتوطيدًا للنفوس توجيهًا نحو النماء والعطاء، ثم منهج “التربية العلمية”، أي التربية بالعلم تحقيقًا لشرط الكينونة الإنسانية الإسلامية؛ وهو ما تكامل ترابطًا وتشكلاً في “التربية النموذج” أو “التربية المثال”.

ولا شك أن هذا الوضع يستدعي تفريعًا وتنويعًا حسب مجالات التفاعل العام وفق معطيات الزمان والمكان. وعلى ذلك تنشأ علاقة بالواقع من خلال التوجيه والترشيد والاشتغال بالإستراتيجي العام.

والاشتغال بالإستراتيجي العام ينحصر في بابين خادمين لسائر القضايا ألا وهما “العلم” و”الخلُق”، وذلك بالمفهوم الواسع للعلم والخلق.

العلم: اشتغال بأمر عام ينتج عنه -بمرور الوقت- نتائج واسعة الأثر قد لا تكون متوقعة أصلاً. فيكون هذا الاشتغال من مشمولات “التربية”، أيْ التربية البانية للذات الجماعية، والمحصنة لمقوماتها. ووفق ذلك سارت حضارتنا لا ينفصل فيها التعليم عن التربية، بل تأتي التربية في المقام الأول.

الخلُق: انشغال بصفة تنحصر في التدين. والخلُق الحسَن هو التدين، ذلك لأن الدين كله خلق حسن. ولا بد أن يتفجر الأمر ينابيع خير وعطاء بين الناس، خدمة لهم وسيرًا في حاجاتهم، مما يقوي عوامل التراص والترابط الضامنة لنمو جسد الأمة، بعيدًا عن الأدواء والعلل، قريبًا من الدواء في حالة الإصابة والعدوى.

التوجيه والترشيد وهو أمر متعين بقصد إحداث تأثير عام يحدد توجّه المتوجّهين، ويضبط مسارهم نحو الوجهة الطبيعية الصحيحة. فالتوجه الطبيعي يتم بحسب التوجيه، التوجيه العام نحو التدين الذي لا تملك “التربية العامة” سواه.

إلى هنا يصل بنا المطاف إلى نهاية القصد من هذه اللمحات، التي هي عبارة عن رؤوس مسائل تنفتح على آفاق للبحث والدرس الموسع لكل مسألة على حده.

 

(*) أستاذ باحث بكلية الآداب، جامعة محمد الأول، وجدة / المغرب.

الهوامش

(1) الإشارة إلى حديث: “إن مثل ما آتاني الله من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طائفة طيبة قبلت ذلك فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وأمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعمل، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به” (أخرجه ابن حبان في صحيحه).

(2) انظر: سيرة ابن هشام 1/259.

About The Author

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.