لقد شغلت الرغبة في تعرف حقيقة الموت أذهان العلماء والفلاسفة منذ القديم، فكانت لهم تصورات عديدة مستملاة من مذاهبهم ومواقفهم الفكرية؛ فكان منهم من تمثل الموت تمثلاً مادياً فلم يَرَ فيه أكثر من توقف للجسم عن أداء وظائفه الفسيولوجية لسبب طبيعي، أو لسبب مفاجئ يختم العمر. وكان منهم آخرون تمثلوه تمثلاً روحيا يتم فيه فك الارتباط بين الروح والجسد ليكون ذلك مرحلة ضرورية للخلوص إلى مرحلة جديدة تتجلى فيها الحياة تجلياً آخر أرقى وأشرف.
لقد رأى بعضهم -ومنهم المعتزلة والطبيعيون- أن الموت إنما هو انطفاء بذرة الحياة الذي يعقب توقف الجسد عن أداء وظائفه الفسيولوجية. والموت على هذا حالة عدم “ينشئها انسحاب الحياة من الجسد”. ولكن على النقيض مما ذهب إليه المعتزلة والطبيعيون، فإن أهل السنة قد كونوا لهم مذهباً مستقى من إفادة القرآن وتنصيصه على كون الموت مخلوقاً، أي كونه شيئاً وُجوديّاً. وتعريفات هذا الفريق تلتقي عند هذا المعطى، ومن تلك التعريفات قولهم: “الموت صفة وجودية خُلقت ضد الحياة”(1)، أو هو “صفة وجودية مُضادةٌ للحياة”(2)، أو “هو كيفية مخلوقة في الحي”(3)، إلى غير ذلك من التعاريف التي تطفح بها كتب العقيدة، وهي تعاريف تشترك في اعتبار الموت وجوديّاً سواء كانت جوهراً أو عرضاً.
لكن الإشكال رغم هذه التعاريف لا يزول، ويظل العقل ينظر إلى الموت على أنه مجرد عدم ومجرد اضمِحْلال وتوقف، وهذه الأعراض لا يمكن أن تكون أشياء وجودية لأنها نقائض لأعراض أخرى وجودية ماثلة. وهذا ما يفرض تلمّس الجواب في تحليلات أخرى قادرة على تقريب المعنى القرآني للموت بعمق واستبعاد التكلف والتمحل؛ وهو الأمر الذي نجح فيه بديع الزمان سعيد النورسي، وهو يلامس بعبقرية نادرة وبعُمق قليل النظير قضيةَ كون الموت مخلوقاً رغم أن الظاهر يوحي بخلاف ذلك.

النورسي وفلسفة الموت

لقد أوضحت أنه على كثرة ما تناول المتناولون قضية الموت محاولين تصورها ضمن حدود العطاء القرآني، فإن المتتبع لا يجد من كل تلك الآراء شفاء لغليل ولا حلاٌّ لإشكال، وإنما يجد الموضوع منبهماً مظلماً في كثير من جوانبه، وبذلك تظل الحاجة قائمة إلى تحليل جديد.
لقد كان الإشكال قائماً ولا شك في أذهان بعض المشتغلين بمثل هذه القضايا الفكرية، فوَجّه إلى النورسي سؤالاً في الموضوع، فأجاب عنه بجوابه الذي أثبته في مجموعة المكتوبات من كليات رسائل النور(4) وصدَّر الإجابة بإيراد السؤال ونصه: “إنه يفهم من آيات القرآن الحكيم مثل قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الملك:2) أن الموت أيضاً مخلوق وأنه نعمة كالحياة، مع أن الموت في الظاهر انحلال وعدم وتفسّخ وانطفاء الحياة وهادم اللذات، فكيف يكون الموت مخلوقاً ونعمة؟”(5)
وبهذا السؤال الذي لا أراه صادراً إلا عن فكر مشغول بتعرف وجه الحق من هذا الإشكال، وهو سؤال محدَّد ينصبّ على فكرتين محدَّدتين هما كون الموت نعمة وكونه أمراً وجودياً؛ وهما فكرتان يصعب تمثلهما فضلا عن تقريبهما للغير والدفاع عنهما بقوة إقناعية. فأما عن كون الموت نعمة، فإن ذلك يتجلى في نظر النورسي في مظاهر أربعة:(6)
“أولها: الموت إنقاذ للإنسان من أعباء وظائف الحياة الدنيا ومن تكاليف المعيشة المثقلة. وهو باب وصال في الوقت نفسه مع تسعة وتسعين من الأحبة الأعزاء في عالم البرزخ، فهو إذن نعمة عظمى!
ثانيها: إنه خروج من قضبان سجن الدنيا المظلم الضيق المضطرب، ودخول في رعاية المحبوب الباقي وفي كنف رحمته الواسعة، وهو تنعم بحياة فسيحة خالدة مستنيرة لا يزعجها خوف، ولا يكدّرها حزن ولا همّ.
ثالثها: إن الشيخوخة وأمثالها من الأسباب الداعية لجعل الحياة صعبة ومرهقة، تبيّن مدى كون الموت نعمة تفوق نعمة الحياة. فلو تصورتَ أن أجدادك مع ما هم عليه من أحوال مؤلمة قابعون أمامك حالياً مع والديك اللذين بَلغا أَرذل العمر، لفهِمتَ مدى كون الحياة نقمة، والموت نعمة؛ بل يمكن إدراك مدى الرحمة في الموت ومدى الصعوبة في إدامة الحياة أيضاً بالتأمل في تلك الحشرات الجميلة العاشقة للأزاهير اللطيفة، عند اشتداد وطأة البرد القارس في الشتاء عليها.
رابعها: كما أن النوم راحة للإنسان ورحمة، ولاسيما للمبتلين والمرضى والجرحى، كذلك الموت -الذي هو أخو النوم- رحمة ونعمة عظمى للمبتلين ببلايا يائسة قد تدفعهم إلى الانتحار.”
أما الشق الثاني من السؤال وهو المتعلق ببيان كون الموت أمراً وجودياً فقد قال عنه النورسي ما نصه: “إن الموت في حقيقته تسريح وإنهاء لوظيفة الحياة الدنيا، وهو تبديل مكان وتحويل وجود، وهو دعوة إلى الحياة الباقية الخالدة ومقدمة لها؛ إذ كما أن مجيء الحياة إلى الدنيا هو بخلق وبتقدير إلهي، كذلك ذهابها من الدنيا هو أيضاً بخلق وتقدير وحكمة وتدبير إلهي؛ لأن موت أبسط الأحياء -وهو النبات- يُظهر لنا نظاماً دقيقاً وإبداعاً للخلق ما هو أعظم من الحياة نفسها وأنظم منها. فموت الأثمار والبذور والحبوب الذي يبدو ظاهراً تفسّخاً وتحللاً هو في الحقيقة عبارة عن عجن لتفاعلات كيمياوية متسلسلة في غاية الانتظام، وامتزاج لمقادير العناصر في غاية الدقة والميزان، وتركيب وتشكّل للذرات بعضها ببعض في غاية الحكمة والبصيرة، بحيث إن هذا الموت الذي لا يرى، وفيه هذا النظام الحكيم والدقة الرائعة، هو الذي يظهر بشكل حياة نامية للسنبل وللنبات الباسق المثمر. وهذا يعني أن موت البذرة هو مبدأ حياة النبات الجديدة، أزهاراً وأثماراً، بل هو بمثابة عين حياته الجديدة؛ فهذا الموت إذن مخلوق منتظم كالحياة.
وكذلك فإن ما يحدث في معدة الإنسان من موت لثمرات حية أو غذاء حيواني، هو في حقيقته بداية ومنشأ لصعود ذلك الغذاء في أجزاء الحياة الإنسانية الراقية. فذلك الموت إذن مخلوق أكثر انتظاماً من حياة تلك الأغذية.
فلئن كان موت النبات -وهو في أدنى طبقات الحياة- مخلوقاً منتظماً بحكمة، فكيف بالموت الذي يصيب الإنسان وهو في أرقى طبقات الحياة؟ فلا شك أن موته هذا سيثمر حياة دائمة في عالم البرزخ، تماماً كالبذرة الموضوعة تحت التراب والتي تصبح بموتها نباتاً رائعاً في الجمال والحكمة في عالم الهواء”.
لقد استطاع النورسي من خلال هذا النص أن يغوص بفكره الوقاد وبألمعيته النادرة خلال بواطن الأشياء ليستخلص منها تصوّراً منطقياً تستطيع العقول أن تدركه وتُجاوب معه، وقد اختار أن يشخص وجودية الموت انطلاقاً من مظاهر مادية لا يُخطِئُها النظر.
فالموت في نظر النورسي بداية رحلة جديدة من الحياة تأتي بعد أن يسلم المرء الروح ليبدأ مرحلة حياتية أشرف وأسمى من تلك الحياة المرئية المألوفة.
والموت بهذا هو قنطرة العبور وممر الخلوص إلى الحياة الأشـفّ. ومصيرُ الإنسان في هذا أشبه ما يكون بمصير حبة القمح أو النواة التي تُودع الأرضَ وتغمر بالماء فيؤدي ذلك إلى تحولات كميائية غير عشوائية تخضع لقانون صارم في التحول والتغير وهي مع ذلك تتبدى للناظرين مجرد حبة عفنة متفسخة، لكنها سرعان ما تنبثق عن فصيلة تحمل سنابل عديدة في كل سنبلة منها عشرات الحبات.
وهذا التجلي اليانع ليس في الحقيقة إلا حياة جديدة للحبة الواحدة الواهنة المتمزقة في أحشاء الأرض، ولولا ذلك التفسخ والاضمحلال لما وجدت الحبة إلى هذه الحياة الأوفر طريقاً أو سبيلاً. وتفسخها الذي يُرى اضمحلالاً وتحللاً إن هو في واقعه إلا إشراقة جديدة للحياة.
وإذا كان هذا الانتقال يتم بهذه الكيفية وبهذا الانضباط التام لقوانين كميائية صارمة، فمعنى ذلك أن هناك حركة قوية منضبطة يراها الناس اضمحلالاً وهي عمليات معقدة محكومة بسنة الله في الخلق؛ وحين تصير حبة القمح مئات الحبات، فإنها قد تصير غذاء للإنسان، فتخالط منه الدم والخلايا وتدخل في تركيبه وبنائه وتصير جزءاً من خلايا التفكير ومن الأعصاب فيه، فتنتقل إذن لتحيا مجدّداً في صورة أشرف بكثير من صورتها الأولى. وما كان لها أن تكون كذلك لولا ذلك الاضمحلال الظاهري الذي يُرى في أعين الناس فناءً وعدماً وهو في واقعه وجود جديد وتجلٍّ أبرز من الأول.
إن صورة استعادة الحبة للحياة ليست في واقعها إلا صورة مُقرِّبة لاستعادة الإنسان حياته بعد أن يموت فينتقل إلى وجود ليس الوجود الأول شيئاً بالنسبة إليه، ومفارقته الحياة الدنيا أمر ضروري ليُسَنْبِل حياة جديدة سالمة من كل منغصات الحياة الأولى.
وبهذا التصور البديع الرائع استطاع النورسي أن يبلغ الغاية من تقرير كون الموت أمراً وجودياً ما دام هذا الموت عبارة عن تفاعلات منضبطة منسقة يَنتُج عنها استعادة الإنسان لوجوده مرة أخرى. وهذه التفاعلات ليست ولا شك إلا أمراً وجودياً عبّر عنه القرآن الكريم بقوله: (اَلَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ) (الملك:2).
إن تحليل النورسي ذو أهمية بالغة بالنسبة لدارسي العقيدة وللمفسرين على حد سواء، وأهميته تكمن في ملاحظ عدة: منها أنه استطاع أن يقرب بجلاء ودون تأويلات بعيدة وجودية الموت، وهذا أمر طالما عسر على كثير ممن تناولوا الموضوع.
وتكمن أهمية التحليل أيضاً في أنه استطاع أن يعطي صورة غيرَ مُرعبة عن الموت، لأن الموت بهذا ليس فناء ولا اضمحلالاً ولا انسحاباً، وإنما هو مجرد تحول ونُقلة إلى الأكمل والأشرف.
وتحليل النورسي ينظر إلى قول أبي العلاء المعري:
خلق الناس للفناء فضَلّتْ أمة يحسبونهم للنفاد
إنما ينقلون من دار أعمال إلى دار شقوة أو رشاد
ولقد كان الخوف من الموت دائماً مرتبطاً بتصوره عدماً وفناء، فمن ثَم كان الإنسان أسير ذلك الخوف، يراه حرباً على الوجود الإنساني وهدماً لكينونته، فيكرهه ويتحاشى أسبابه حتى ولو كانت جهاداً من أجل الحق ودفاعاً عن العقيدة ومواجهة للباطل.
إن فلسفة الموت عند النورسي إعلان عن بقاء الإنسان واستمراره واتصال حياته الأخرى بالأولى، وهي رفض لفلسفة العدم والإلغاء والتشاؤم التي أشاعتها الفلسفات المادية التي حصرت حياة الإنسان في البعد الأول من رحلته، وأَوهَمَته أن الموت نهايته ودماره فتأزم لذلك.
إن تحليل النورسي إلى جانب كل ما سبق مفيد كل الإفادة على أكثر من مستوى؛ فهو مفيد على المستوى العقدي، لأنه ينصبّ على ظاهرة الموت التي هي عتبة اليوم الآخر، وهو جزء من الغيب الذي يؤمن به كل مؤمن.
كما أن تحليل النورسي مفيد على المستوى النفسي، لكونه يكسب المرء اطمئناناً وانسجاماً مع الذات وثقة بالحياة في بعدَيها الأول والثاني؛ كما أنه يهوّن من شأن الموت فلا يجعله ذلك الشبَح المرعب الذي يفني الإنسان ويدمره. ومثل هذا الإحساس لا يكسب الإنسان إلا شجاعة خاصة لمواجهة المشاق واقتحام الصعاب مادام الموت وهو أقصى ما يراد بالإنسان ليس في حقيقته إلا رحلة نحو حياة تقر النفس بها وتطمئن، لأن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون.
________________
المصادر
1. التوقيف على مهمات التعاريف لمحمد عبد الرؤوف المناوي (683 هـ)، تحقيق: محمد رضوان الداية، دار الفكر المعاصر؛ مفردات الراغب الاصفهاني، ص 497؛ التعريفات للجرجاني، ط حلبية، ص 211.
2. تفسير الفخر الرازي، 30/55؛ مشارق أنوار العقول للشيخ أحمد الخليلي، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، 2/88.
3. مشارق أنوار العقول، 2/88؛ ويقارن بشرح الجوهرة للبيجوري، تخريج: محمد أديب الكيلاني، ص 349.
4. المكتوبات لبديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان الصالحي، دار سوزلر، إسطنبول 1992.
5. المكتوبات لبديع الزمان سعيد النورسي، ص 8.
6. المكتوبات لبديع الزمان سعيد النورسي، ص 9.

About The Author

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.