مسببات الوباء واكتشاف الفيروس بلا مجهر وكيفية انتقاله وسبل حماية أوصت منظمة الصحة العالمية ببعضها وتحت هذا العنوان بحثت فى ابن سينا، الشيخ الرئيس، أبو على حسين بن عبد الله ت428هـ صاحب القانون فى الطب وهو من أهم موسوعات الطب العربي الإسلامي. ربط ابن سينا الطاعون بالوباء مقررًا أن الطواعين تكثر في الوباء وفي البلاد الوبئية. وبوصف أكثر توضيحًا يصف ابن سينا الطاعون بأنه ورم يكون في الأعضاء الغددية اللحم والخالية، إما الحساسة مثل اللحم الغددي في البيض (المبايض) والثدي وأصل اللسان، وإما التي لا حس لها كاللحم الغددي الذي في الإبط والأربية ونحوها. ثم قيل من بعد ذلك لما كان مع ذلك ورما حاراً، ثم قيل لما كان مع ذلك ورماً حاراً قتالاً، ثم قيل لكل ورم قتال لاستحالة مادته إلي جوهر سُمي يفسد العضو ويغير لون ما يليه. وربما رشح دماً وصديداً ونحوه. ويؤدي كيفية رديئة إلى القلب من طريق الشرايين، فيحدث القئ والخفقان والغشي. وإذا اشتدت أعراضه قتل. وميز ابن سينا بين ثلاثة أنواع من الطواعين ودرجة خطورتها، فأسلم الطواعين ما هو أحمر، ثم الأصفر، والذي إلى السواد لا يفلت منه أحد إذا أصيب به.

ويقدم ابن سينا طرقًا للوقاية من الطاعون، تبدأ بـعدم الخوف من المرض، والابتعاد عن التجمعات لأن الفيروس ينتقل عبر الهواء. ويجب إغلاق المساجد والأسواق مؤقتًا، ليصلي كل شخص في بيته، ويجب تعقيم النقود بالخل. ومن يعتني منكم بمريض فليعقم أنفه بقطن مبلل بالخل، وليمضغ في فمه أوراق الشيح.

وهذه النصائح التى قدمها ابن سينا منذ مايقرب من ألف سنة للوقاية من الموت الأسود أو الطاعون تدخل ضمن جملة النصائح المقدمة حاليا للوقاية من فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19). ولا غرابة فى ذلك إذا علمنا أن ابن سينا حدد بكل دقة سبب الوباء و كيفية انتقاله وطرق الحماية باستعمال الخلّ لتعقيم اليدين والثياب والنقود المتداولة، مع تطبيق اجراءات التباعد الاجتماعى والحجر الصحي.

هذه المعرفة العلمية المتقدمة ترجع إلى وتؤكد اكتشاف ابن سينا وغيره من علماء الحضارة الإسلامية للفيروسات أو الأحياء المجهرية قبل اختراع المجهر أو الميكروسكوب. وشكلت تلك المعرفة العلمية لدّى محاولة تأصيل علم الطفيليات والأحياء المجهرية فى الحضارة الإسلامية. فيذكر لنا تاريخ العلم الحديث أن العالم أجمع لم يسمع ولم يعرف الأحياء المجهرية والطفيليات إلا فى القرن الثامن عشر الميلادى، وذلك بفضل اختراع المجهر على يد العالم الدنماركى انتونى فإن ليفذهوك (1632-1723 م)، والذى يُنسب إليه فى تاريخ العلم أنه أول من نشر صور الأحياء المجهرية عام 1684، الأمر الذى أُعتبر ثورة علمية، وفتح علمى لا مثيل له. فتتابعت الأبحاث والدراسات، وتنافس العلماء وتسابقوا فى هذا المضمار طيلة قرنين من الزمان، حتى جاء عام 1876 ليسجل للعالم الألمانى “كوخ” السبق فى إعلان الحقيقة العلمية القائلة بأن الأحياء المجهرية تُعد من المسببات المرضية للإنسان، وذلك بفضل ما قام به من أبحاث فى “الجمرة الخبيثة”.

ومن الجمرة الخبيئة ، ومدعيها “الحديث” كوخ، نرجع إلى علماء الحضارة الإسلامية، لنرى وكأن ابن سينا يصرح فينا من أعماق القرن الرابع الهجرى/العاشر الميلادى ليقول فى كتابه “القانون” ولأول مرة فى تاريخ الطب أنه اكتشف وعرف ووصف الجمرة الخبيثة، بل والطفيل المسبب لها، وما ينتج عنها من حمى، أطلق عليها “الحمى الفارسية”، “..فالجمرة هى التى تطلق على كل بثرة أكال منغط محرق محدث خشكريشة”.

وهذا هو أول توصيف لمرض الجمرة الخبيثة فى تاريخ الطب. والعجيب أن المصطلح المعُبر عن الجمرة الخبيثة حالياً هو Anthrax يحمل ويُعبر حرفياً عن الاسم الذى أطلقه ابن سينا على هذه الجمرة ، وهو “الجمرة الفحمية” ولفظة Anthrax  لاتينية معناها الفحم.

فجميع الأمراض المعدية كما يقول الشيخ الرئيس تنشأ وتنتشر بواسطة مواد صغيرة جدا “فيروسات” وغير مرئية بالعين المجردة، أعدادها هائلة، وتلتصق بكل شيء “يديك ووجهك وشعرك وملابسك”، وهي تسبب الحمى والموت الأسود “الطاعون”.

 التلوث سببا للوباء

في تحديده لأسباب الأمراض الوافدة أو الوبائية نرى علي بن رضوان المصري376-460هـ/986-1067م، يحصرها في تلوث الهواء والماء والغذاء، ويضيف إليها العوامل النفسية، فمعنى المرض الوافد كما يقول: أن يعم كثيرًا في بلد واحد وزمان واحد، ومنه نوع يقال له: الموتان، وهو الذي يكثر معه المرض، وحدوث الأمراض الوافدة تكون عن أسباب كثيرة تجمع في الجملة في أربعة: تغير كيفية الهواء، وكيفية الماء، وكيفية الأغذية، وكيفية الأحداث النفسانية.

وينقسم تلوث الهواء إلى نوعين عند ابن رضوان، فالهواء تتغير كيفيته على ضربين، أحدهما تغيره الذي جرت به العادة، وهذا لا يُحدث مرضًا وافدًا ولست أسمِّيه تغيرًا ممرضًا، والثاني تغيره الخارج عن مجرى العادة، وهذا هو الذي يُحدث المرض الوافد، وكذلك الحال في الباقية فإنها إما أن تتغير على العادة فلا يحدث مرضًا، وإما أن يكون تغيرها تغيرًا خارجًا عن العادة فيحدث المرض الوافد.

أما سبب خروج تغير الهواء عن عادته فيكون، إما أن يسخن أكثر أو يبرد أكثر أو يرطب أو يجف أو يخالطه حال عفنية، والحال العفنية إما أن تكون قريبة وإما بعيدة.. وقد يتغير أيضًا مزاج الهواء عن العادة بأن يصل وفد كثير قد انهك أبدانهم طول السفر وساءت أخلاطهم، فتخالط الهواء منها شيء كثير، ويقع الوباء في الناس ويظهر المرض الوافد .

وفى الموجز في الطب، ربط ابن النفيس، الشيخ الطبيب علاء الدين على بن أبى الحزم القرشي الدمشقى المصري (ت687 هـ /1288م) حدوث الوباء ببعض المسببات الأرضية والسماوية، أما الأرضية فمنها كثرة وجود البرك والمستنقعات، أو ما سمّاه الماء الآسن في المدن مع انتشار الجيف. فالوباء، كما يقول: فساد يعرض لجوهر لأسباب سماوية أو أرضية كالماء الآسن والجيف الكثيرة كما في الملاحم، إذا لم تدفن القتلي، والتربة الكثيرة النز(الرطبة)، فإذا كثرت الشهب والرجوم في آخر الصيف وفي الخريف أنذر بالوباء.

وفى شرح كتاب أبقراط في الأوبئة قال: لا بد أن نعرف من أين أتي هذا الوباء وما مصدره ولا بد من معرفة طبيعة الأبدان والبلدان. فالأحوال الأربع التى وصفها أبقراط من أحوال الهواء هى التى تعرض أكثر مما يعرض سائر أصناف الوباء فيها كفاية لمن أراد أن يجعلها مثالاً. وينبغى متى حدثت فى الهواء حال ما أن تنظر فى أمر البلد والمزاج، فإنها تعين إذا اتفقت مع الهواء الحادث وتضاده إذا خالفت.

وانظر فى كل حادث للهواء فى حال الأبدان ثم ضاده بالغذاء والتدبير والرياضة. والأبدان الخارجة عن الاعتدال يمرضها الهواء الشبيه به أسرع، وأما المضاد لها فإنه كالدواء لها. فالهواء الشبيه بمزاج الأبدان الخارجة عن الاعتدال يضرها غاية المضرة، وذلك أن هذه الأبدان من ذاتها مشرفة على الوقوع فى مرض من جنس سوء المزاج الذى بها، فإذا أعانها على ذلك سوء مزاج الهواء استولى عليها سريعاً. فأما الأبدان التى مزاجها ضد مزاج الهواء الحادث فإنها تصير إلى حال أجود لأنها تمنعها مما هى مشرفة على الوقوع فيه، فلذلك ينبغى أن تعين هذه كل المعونة وتعالجها بضد المزاج والهواء.

النظرية الأولى في “علم الأوبئة” المعاصر عربية أصيلة

وتحت هذا العنوان بحثت فى اسهامات علماء الأندلس الإسلامية فى علم الأوبئة العربى، وخاصة الشقّوري  727- بعد 776هـ/1326- بعد 1374م محمد بن علي بن غالب اللخمي، والشقوري نسبة إلى شقورة Segura بالأندلس شمال غرب مرسية. طبيب ينتمي إلى عائلة من الأطباء، أخذ الطب عن جده لأمه أبو تمام غالب بن علي الشقوري الذي تعلم الطب في القاهرة وتوفي سنة741هـ ، وعن يحيى بن هذيل (ت 753هـ) وغيرهما. ألف الشقورى تآليف طبية كثيرة من أهمها: تحفة المتوسل وراحة المتأمل. مقالة في الطب: من رأس الإنسان إلى قدمه ولها نسخ مخطوطة في خزانة الرباط. مقالة في إصلاح الهواء والأبدان بالغذاء والدواء، مخطوط في خزانة الرباط. مجربات الشقوري، مخطوط في خزانة الرباط. رسالة عن وباء الطاعون بعنوان: تحقيق النبا في أمر الوبا، ولم يصلنا منها سوى مختصر الرسالة الذي سمّاه بـ “النصيحة”، وقدّم من خلالها حلولاً مهمة للوقاية والمعالجة من الأوبئة.

عاصر الشّقوري وباء الطاعون الذي اجتاح العديد من دول العالم ووصل إلى الأندلس عام1347م، وكان له انعكاسات جسيمة على المجتمعات بالنظر إلى عدد الأرواح التى حصدها ومن هنا جاء وصفه فى المصادر التأريخية بالطاعون الأسود أو الموت الأسود. وسجّل عدد من أطباء الأندلس -غير الشقورى- مؤلّفات ورسائل مهمة في تفسير هذا الوباء وأسبابه وآليات علاجه، ومنهم أحمد بن خاتمة الأنصاري 734-770ه/ (1333-1368م) في كتابه “تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد”، ولسان الدين ابن الخطيب 713-776ه/ (1313-1374م) في كتابه “مقنعة السائل عن المرض الهائل”. بعد أن درس الأمراض المعدية في أوروبا إبان انتشار أوبئة فتّاكة مثل الطاعون والكوليرا والجدري، و ترك لنا –كما يقول هوارد تيرنر في كتابه العلوم عند المسلمين- توصيفًا علميًّا دقيقًا وضافيا هو الأول من نوعه على مستوى العالم، للأوبئة التي ضربت أوروبا آنذاك، مؤكدًا أنه يمكن اعتبار هذا التوصيف – بجدارة- النظرية الأولى في “علم الأوبئة” المعاصر.

أما رسالة الشقوري فتكمن أهميتها في عرضها بأسلوب رائع التشخيص الدقيق لوباء الطاعون وأسبابه، وأوضّح الشقوري أنّ هذا الوباء ينتقل بالعدوى، ولذلك دعا إلى ضرورة عزل المصاب بالوباء درءًا لانتشار العدوى، بتأصيل وتطبيق أصول الحجر الصحي للحد من انتشار الوباء، تلك القاعدة التي يأخذ بها العالم أجمع حاليًّا فى مكافحة انتشار الأوبئة والأمراض المعدية. وإذا كان خبراء وعلماء الطب المعاصرين يرون فى الثياب مصدرا من مصادر انتفال العدوى، فإن الشقورى قد أوصى فى رسالته بوجوب التخلّص من الثياب الموبوءة لخطورتها في نقل العدوى، كما نصح بضرورة الالتزام بآراء أهل العلم والأطباء، دون الانسياق وراء دعوات غير المتخصصين كالعطارين.

وخصص الشقورى فصلاً فى رسالته للهواء باعتباره الناقل الرئيس للوباء؛ فتلوّث الهواء بالوباء ينقله من مكان لآخر ما يؤدي إلى انتشاره على نطاق واسع. وفى كيفية إصلاح الهواء ينصح الشقورى بضرورة تبخير الهواء باستمرار بمواد مختلفة حسب طبيعة جو وطقس كل منطقة، فبخور الصندل أو الكافور في المناطق الحارة، وبخور الكندر والسندروس في المناطق الباردة. والتعرض لأشعة الشمس مفيد للوقاية من الوباء.

ومن نتائج تطبيق دراسات وبحوث الشقورى وغيره من العلماء والأطباء العرب الأندلسيين أنه حينما تفشى وباء الطاعون للمرة الثانية في أصقاع أوروبا سنة1382م، نشر عالم فرنسي يدعى شاليه دي فيناريو كتابًا انتقد فيه بشدة الخرافات الطبية التي كانت سائدة في أرجاء القارة، والتي كانت تربط بين انتشار الأوبئة وحركة الأفلاك، مؤكدًا أن الأطباء العرب هم مؤسسو “علم العدوى”، وهم أول من لاحظ – على سبيل المثال- كيف يؤدي التزاحم في المناسبات الدينية أو الاجتماعية، إلى انتشار بعض الأمراض بشكل وبائي. واستعانت مدن الشمال الإيطالي التي انتشر فيها الطاعون آنذاك بعدد من الأطباء العرب الأندلسيين، ممن كانوا على دراية واسعة بكيفية معالجة المرضى بشكل جماعي، من خلال عزلهم طبيًا عن الأصحاء، بل ومنع الاختلاط بين المصابين أنفسهم، لضمان التحكم في كل حالة مرضية على حدة، وعدم حدوث انتكاسات للمتعافين منهم جراء مخالطتهم للحالات المرضية المتقدمة.

من كل ما سبق انتهيت إلى أن معظم الإجراءات الإحترازىة المطبقة حاليا على مستوى العالم ضد جائحة كورونا “كوفيد19” دشنها وطبقها العلماء العرب والسلمون منذ القرن الأول الهجرى/السابع الميلادى، وحتى القرن الثامن الهجرى/الرابع عشر الميلادى، كما أن معظم الأدوية المفردة الطبيعية التى استخدموها فى علاج الأوبئة مثل: (خل، عنبر، كندر، مصطكى، قرنفل، خولنجان، حبة سوداء، كافور، عسل، عود، صندل، يقطين، زعفران، زنجبيل، كركم، رمان، لبان، جزر، ليمون، زعتر، ثوم، بصل، زنجبيل، قرفة حارة، كزبرة يابسة .. وغيرها)، أثبتت الدراسات العلمية الحديثة احتواء بعضها على مواد فعالة تهاجم الفيروسات وتحفز جهاز المناعة. فهلا استعانت معامل الأبحاث العربية والعالمية بها فى بحوثهم الدؤوبة حاليا لاستحضار عقاقير مضادة لكورونا. خاصة وأنا لدينا فرضية علمية ملاحظة حاليا وهى أن نسبة الإصابة بكورونا فى كل الدول العربية تعد نسبة ضئيلة بالمقارنة بمثيلتها فى الدول الأوروبية والأمريكتين. وربما يرجع ذلك، بعد فضل الله، إلى أن هذه المفردات الطبيعية تُستعمل وتدخل فى أطعمة السواد الأعظم من العرب.