توجد منذ عقود بعض التغييرات المقلقة في الأنظمة الغذائية الحديثة، حيث شهدت كثير من البلدان -وبخاصة البلدان المتقدمة- ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة حدوث أمراض المناعة الذاتية، وذلك وفق بحث منشور في المجلة العلمية العالمية عام 2015م تحت عنوان: “أمراض المناعة الذاتية في تزايد”. وتدفع أمراض المناعة الذاتية جهاز المناعة لمهاجمة أنسجة الجسم نفسها وقد تؤدي للوفاة، ومن هذه الأمراض التهاب المفاصل الروماتويدي، والذئبة، والتهاب الأوعية الدموية (فاسكولايتيس)، ومرض السكري (النوع الأول)، والسيلياك وهو مرض مناعي ذاتي مكتسب يصيب الأمعاء الدقيقة لدى الذين يتمتعون بقابلية جينية للإصابة به.
تبدأ أمراض المناعة الذاتية بأمراض الحساسية بجميع أنواعها التي ارتفعت بشكل ملحوظ، بما في ذلك “الربو”، و”التهاب الجلد التأتبي”، و”التهاب الأنف التحسسي”، ويتم تشخيص مرض تحسس لدى طفل، من بين خمسة أطفال. وقد نشرت البروفيسورة “إينز آشار” من جامعة أوكلاند بحثًا في مجلة الحساسية السريرية والتجريبية عام 1998م، واعتبرت أمراض الحساسية نوعًا من “الأوبئة”، لتزايد معدلاتها بشكل ملحوظ.
ويشير البروفيسور الألماني الشهير “توماس بيبر” في قسم الأمراض الجلدية والحساسية بجامعة “بون” في بحثه المنشور في مجلة “نيو إنجلاند” للطب عامَ 2008م، إلى وجود ما بين 15-30% من الأطفال، يعانون من مرض “التهاب الجلد التأتبي”. وقد تضاعف هذا الرقم ثلاث مرات خلال ثلاثة عقود ماضية.
أما الدكتورة “فيلما مهجتسالو” في مركز فالك لأبحاث الصحة في “فنلندا”، فكتبت عام 2008م تقريرًا في مجلة “ذي لانست” الشهيرة، تفيد بأن مرض السكري (النوع الأول) أصبح مشكلة خطيرة ويصيب الأطفال -وبخاصة في أوربا- في سن أصغر بكثير مما كان يحدث من قبل. كما ترتفع أيضًا أمراض “كرون”، و”التهاب القولون التقرحي”، و”تليف الكبد الصفراوي الأولي” بشكل يـُنذر بالخطر. ويتنامى حدوث كل هذه الأمراض في الوقت الذي ظهر فيه انخفاض نوعي في نسب الإصابة بالأمراض المعدية (الفيروسية والبكتيرية)، وذلك نظرًا لتطور اللقاحات والمضادات الحيوية وعادات النظافة.
منذ تسعينيات القرن الفائت، نشرت الدكتورة “أرتيميس سيموبولس” (رئيسة مركز التغذية والصحة الوراثية في واشنطن) أبحاثًا عدة حول علاقة الأحماض الدهنية بالأمراض الالتهابية والمناعة الذاتية، وتبين أن زيادة نسبة الأحماض الدهنية أوميجا 6 بما في ذلك حمض اللينوليك وحمض الأراكيدونيك في الطعام، ضارة؛ فهي تنبه وتدفع الجسم نحو حالات الالتهاب العام، وأمراض المناعة الذاتية وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان والسمنة.. وذلك بالمقارنة بأوميجا 3 الذي يقي الجسم شر هذه الأمراض. لذا ثمة ضرورة لضبط نسبة أوميجا 3 إلى أوميجا 6؛ لتكون النسبة المثالية بينهما (1:1)، وبحد أقصى نسبة (1:4) (واحد دهون أوميجا 3 إلى أربعة دهون أوميجا 6). لكن الواقع يشير إلى أن الطعام الغربي ومن سار على منواله، تصل النسبة فيه؛ واحد دهون أوميجا 3 إلى ما بين 14-16 دهون أوميجا 6. وهو ما يفسر تزايد معدلات أمراض المناعة الذاتية، والسمنة والسرطان والقلب والأوعية الدموية.
ونشر الدكتور “عمر عبد الهادي” من جامعة كوردوفان بالسودان، دراسة في مجلة العلوم الزراعية بالسعودية، العدد 16 لسنة 2017م، بجامعة الملك سعود أوضح فيها أن “نسبة دهون أوميجا 3 إلى أوميجا 6 في لحم الإبل، هي 3:1، بينما في دراسة للدكتور “مايكل أينسر” من جامعة برستول بانجلترا، منشورة عام 1996م في العدد 42 من مجلة “ميت ساينس”، “أن لحم الخنزير ممتلئ بدهون أوميجا 6، فيوجد في كل 100 جرام أحماض دهنية حوالي 14,2 جرام أوميجا 6، أما لحم الخراف والبقر فتبلغ كميته ما بين 2,4-2,7 جرامًا، وفسر ذلك بأن البقر يحول أوميجا 6 إلى أحماض دهنية أخرى، فلا تدخل في أنسجته غير 10% من أوميجا 6، فضلاً عن طول عملية الهضم في كرش البقر حيث تصل لنحو 24 ساعة، بخلاف الخنزير حيث مدة الهضم لديه نحو أربع ساعات فقط. وتشير الدراسات إلى أن أغلب النظام الغذائي الأمريكي توجد فيه نسبة عالية من أوميجا 6 جراء تغذية الماشية والخنازير والدواجن على وجبات دسمة من حبوب غنية بأوميجا 6. كما أن السلمون الذي تم تربيته في المزارع غني أيضًا بأوميجا 6 عن مثيله في الطبيعة.
وذكر كلٌّ من د. باول جامينت وزوجته د.شاو شينج، صاحبا موقع وسلسلة كتب “النظام الغذائي الصحي الممتاز”، أن لحم الخنزير هو المصدر الرئيس الأول لـ “أوميجا 6” في معظم الدول، والثاني بعض الزيوت النباتية، مثل زيت الذرة، الصويا، الكانولا، دوار الشمس، بذور القطن التي تمثل أغذية رئيسية في الغذاء الأمريكي، ويدعوان إلى التزود بالمصادر الغنية بأوميجا 3 كالمأكولات البحرية، وبخاصة “الأسماك الصدفية” مثل الكابوريا، والجمبري، وجراد البحر، والاستاكوزا، وبلح البحر. وقد أظهرت الأبحاث أنها جميعها تتمتع بنسبة صحية ومتفردة بين أوميجا 3 إلى أوميجا 6، ما يعني أنها اختيار جيد للوقاية من أمراض المناعة والقلب والأوعية الدموية.
وفي دراسة نشرتها د.سيلفي كومبس في مجلة “أنرا” للإنتاج الحيواني، جاء فيها بعد مراجعة خمسين ورقة بحثية، أن لحم الأرانب لا بد أن يكون اختيارك الأول في قائمة الطعام، لما يتميز به من نسبة جذابة وصحية ومتفردة من دهون أوميجا 3 إلى أوميجا 6، وهو ما يشكل وقاية من أمراض المناعة والقلب والأوعية الدموية والسمنة والسرطان.
الأحماض الدهنية في نقاط
تضم الأحماض الدهنية عدة عائلات مفيدة لنمو الجسم والدماغ، ومن ضمنها عائلة الأحماض المتعددة غير المشبعة، أوميجا 3 وعائلة أوميجا 6. فهي ضرورية لتغذية الإنسان ولدعم أجهزة الجسم، وتحديدًا في مراحل الحياة الأولى، وخلال فترة الحمل والرضاعة، وهي تساعد في تطوير ونمو وتقوية الدماغ في مرحلة الطفولة، ومفيدة للرضع.
من أعراض نقص الأوميجا 3 الاكتئاب وهشاشة الشعر والأظافر، والتعب والجفاف والإمساك، ونزلات البرد والأنفلونزا المتكررة، وضعف التركيز وعدم التحمل البدني، وكذلك آلام المفاصل وضعف بنية الجسم.
توصي منظمات الصحة بتناول ما لا يقلّ عن 50-250 مليغرام من الأحماض الدهنية أوميجا 3 في اليوم، ويمكن الحصول عليها من السمك الذي يحتوي على الزيت كالسردين والسلمون والماكريل والتونة وزيت كبد الحوت، وأيضًا من الزيوت كزيت الزيتون وزيت اللوز وبذور الكتان وزيت الكانولا وزيت الجوز وزيت بذرة القمح وفول الصويا، وفي البقوليات مثل الفاصوليا والبازلاء. ومن الفاكهة كالبطيخ والحمضيات والكرز.
الأوميجا 6 حمض أساس لا يمكن للجسم تصنيعه كالأوميجا 3، وله دور أساس في وظائف المخ ونمو الجسم وعناصر ومصادر الأوميجا 6 في الخضروات الورقية والمكسرات والحبوب والزيوت النباتية كزيت السمسم ودوار الشمس.
الفرق بين الأوميجا 3 والأوميجا 6
يحتاج الجسم لكل من الأوميجا 3 والأوميجا 6 لعمل أنسجته بشكل طبيعي. ويجب الحصول على مصادر لهما بشكل يومي، لكن الفرق بينهما أن الإكثار من تناول الأوميجا 6 يتسبب في التهابات الجسم، وخطورة على القلب، واحتمالية الإصابة بالسرطان، والروماتيزم، لذلك ينبغي الإقلال قدر الإمكان من تناول الأوميجا 6 إلا في حالات الضرورة. وينصح خبراء التغذية بخفض نسبة الأوميجا 6 واستبدالها بالأوميجا 3، لذا يفضل الخبراء استخدام زيوت فقيرة بأوميجا 6 مثل زيت الزيتون، زيت اللوز.
الأوميجا 9 أكثر وفرة في الطبيعة، وهي الزيت الرئيس الذي تنتجه الغدد الجلدية، ومن الأحماض غير الأساسية التي تنتج بشكل طبيعي في الجسم عندما يوجد نقص في الأوميجا 3 والأوميجا 6، فيحاول الجسم تعويض هذا الفقد بإنتاج الأوميجا 9.

(*) كاتب وأكاديمي / مصر.