وجدت كثيرًا من المخلصين يدور في رؤوسهم وأحاديثهم، أن مفتاح النهضة والرقي يتلخص في كلمة واحدة هي “القوة”، وأن القوة تتلخص في كلمة واحدة هي “السلاح المادي”، فهو كلمة السر التي بها هزمنا وعلى وقع تحصيلها ننتصر.

وتغلّب عدونا علينا هو بهذا النمط الخاص من القوة، وأمجادنا التاريخية هي من هذا الباب، ومستقبلنا مرهون بامتلاكها.
وامتد هذا إلى لغتنا المجازية فصارت كلمة “جيش” و”سلاح” و”قتال” تتردد على ألسنتنا، فأمضى “سلاح” هو الكلمة، ونحن “جيش” من المنهزمين، وقد أصبحت “أقاتل” من أجل هذا الموضوع.

ونسينا أن “القوة الناعمة” أخطر وأبعد أثرًا، وأنها تنخر في عظام الأجيال وتتخلل عقولهم وأخلاقهم وسلوكهم ببطء، وتأثيرها أكيد وبدون مقاومة.

ونسينا “قوة المعرفة” التي أصبحت هي ميزان الثقل اليوم، فأثمن سلعة وأعظم ثروة هي “سلعة المعرفة” التي يرجع إليها نحو 50% من ثروات الدول المتقدمة.

إن قوة الإعلام تُحدث تأثيرًا تراكميًّا في العقل والوجدان، يتحول إلى سلوك عن قناعة وحب، وهو أخطر من الدبابة والصاروخ والقنبلة حتى لو كانت القنبلة النووية.

قد تنهزم عسكريًّا وتنتصر بقيمك وأخلاقك وإصرارك على مبدئك، وقد تنتصر عسكريًّا ولكنك لا تحسن توظيف هذا الانتصار.

وجدت في القرآن الكريم الامتنان على الناس بتحصينهم من آثار السلاح المدمر الذي هو “بأس” الإنسان ضد أخيه: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾(الأنبياء:80)، فهذا نبي الله داود عليه السلام يعلمه ربه صنعة الدروع السابغات والخوذات وغيرها، مما يتحصن به الإنسان ضد السلاح الفتاك: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾(سبأ:11)، وفي موضع آخر: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾(النحل:81)، وحين يذكر الله الحديد يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾(الحديد:25) وليس في ذلك مدح، لأنه يوظف غالبًا في البغي والظلم والاعتداء.

بينما عقب بقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾(الحديد:25)، فكأن ما قبله ليس فيه منافع للناس، كما في الآية الأخرى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾(النحل:67)، فالسياق يشي بأن السكر ليس من الرزق الحسن.

حتى سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اختصرناها في المغازي، وبعضنا سمّاها “المغازي” وكأنها كانت قتالاً فحسب. أو ليس النبي صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاث عشرة سنة محظورًا عليه وعلى أتباعه المؤمنين حتى الدفاع عن النفس، ليتجردوا من حظ النفس والانتصار لها نفسيًّا، وليتمكنوا من تحصيل الشروط الموضوعية والذاتية، وليستنفدوا الوسائل السلمية الممكنة، ثم كانت حياة المدينة مليئة بالمناشط الحيوية في البناء والتجارة والمؤاخاة والتعليم والدعوة والمصالحات الواسعة والعلاقات الإنسانية مع المجاورين حتى اضمحلت الوثنية دون قتال ومات النفاق؟!

حتى أول مواجهة مع الشرك لم يكن المسلمون يحبونها ولا يتطلعون إليها، ولكنها كانت قدرًا مقدورًا: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾(الأنفال:7).

فيا سبحان الله! هذا الانحياز لعسكرة الحياة، أصبح أسلوبًا في التفاعل مع أولادنا وأزواجنا في الأوامر و”الفرمانات” التي لا تقبل المراجعة، وفي مدارسنا التي غلب عليها طابع التشديد والتهديد، وتلاشت عنها علاقة الحميمية والعلاقة الودية بين الطالب والمبنى الذي يشهد عدوانًا مستديمًا، والمعلم الذي قد يجد نفسه منساقًا بحكم تأثير البيئة التعليمية للغة الأمر الصارم والرقابة ويفقده بعض صوابه، والمدير الذي تعيّن عليه في نهاية المطاف أن يكون قائد ثكنة..

والأسرة التي لا تلتقي إلا لمامًا، وحتى اللقاء نتيجة أوامر صريحة وصراخ مستمر من الأبوين للتخلي مؤقتًا عن اللابتوب أو الشاشة وقتًا وجيزًا ليرى بعضنا بعضًا..

والسياسة التي ظللتنا بالروح الأبوية المهيمنة وكأن الإنسان غير قادر على معرفة مصالحه إلا بواسطة من يفكر عنه ويكون وصيًّا عليه، وهو يدري من أبعاد الأمور وخفاياها ما لا يدري سواه… وأصبح المرء لا يتنفس إلا وفق أطر محددة، لقد صارت الحرية “هامشًا” وصار الاستحواذ هو “المتن”، بينما المنطق أن يكون المتن هو الحرية، ويكون الهامش هو الضابط والشرط الذي لابد منه لتصبح الحرية قيمة اجتماعية وشرعية صحيحة.

حين نفكر في إصلاح أحوال الأمة عبر التاريخ، يتبادر إلى ذهننا القواد العسكريون، والانتصارات العسكرية وكأنها هي التي صنعت الأمة. أما القواد العلميون والتربويون والإصلاحيون فكأنه لا وجود لهم في عقولنا ولا تاريخنا حين نفكر بمعالجة الإخفاقات… ولذا فكل فتى منا مهموم بآلام الأمة يفكر أن يكون “صلاح الدين”، ولا يفكر أن يكون هو الشافعي أو مالك أو أحمد أو ابن تيمية أو ابن حجر أو النووي أو ابن النفيس أو ابن الهيثم أو المبدع أو العالم المتخصص… ألسنا نفكر بطريقة انتقائية ونتعامل مع الحياة على أنها معركة عسكرية الذي يفوز فيها يحصل على كل ما يريد؟

حين نتحدث عن التأثيرات الأجنبية، نشير إلى قادة الحروب والمعارك ضدنا أو الحروب والمعارك العالمية، وننسى صانعي السيارة وتأثيرهم الهائل في الحياة الفردية والمدنية والعمارة والعلاقات والعبادات، وننسى صانعي الهاتف وتأثيرهم الضخم في حياة الإنسانية، وننسى صانعي المطبعة أو التلفاز… وهلمّ جرًّا.

هذا جعل الكثير منا يتخلون عن أدوارهم الإصلاحية بانتظار مفاجأة عسكرية، وتُسبِّب في انخراط الدول الإسلامية والعربية في حقبة مضت في انقلابات عسكرية زادتها تخلفًا وثبورًا. وربما العقلاء الذين لا يؤمنون بجدوى المغامرات المرتجلة، قاموا إلى العزلة والانكفاء، وتمنوا في داخلهم “ظهور العادل المتغلب”.

أما ذلك المجهود السهل المنسجم مع فطرتي وقدرتي والذي لا ألمس أثره المباشر الآن، ولكن يقال لي: إنه مجهود مؤثر، وإن السيل من نقطة، ومعظم النار من مستصغر الشرر، فالكثيرون يشككون في مصداقيته ويحاولون إقناعي بأنه يذهب أدراج الرياح.

وهكذا أصبحنا أغلبيةً ساكنة ساكتة غير فاعلة ولا مؤثرة بملء إرادتنا وقناعتنا، فهل إلى رجوع من سبيل!؟

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.