السلطان عبد الحميد الثاني هو السلطان الرابع والثلاثون في دولة آل عثمان. جاء إلى الحكم في ظروف صعبة جدًّا؛ فالدولة كانت على حافة الانهيار جراء ضعفها الداخلي اقتصاديا وعسكريا وعلميا، ومن جراء الخطر الخارجي الذي كان يتمثل في اجتماع الدول القوية (مثل إنكلترة وروسيا وفرنسا والنمسا) عليها، ومحاولة كل منها ابتلاع قطع من أراضيها الواسعة الممتدة على ثلاث قارات. في مثل هذه الظروف القاسية استطاع هذا السلطان المحافظةَ على الدولة العثمانية ثلاثا وثلاثين سنة (1876-1909م) بأقل الخسائر، وحال دون انهيارها، وقام بحملة كبيرة في ساحة التعليم وبناء المدارس والكليات. ولكن من جاء بعده من الاتحاديين فتّتوا الدولة العثمانية وبعْثروا أشلاءها في عشر سنوات فقط.
كان عبقريا في السياسة وفي إدارة الدولة حتى قال جمال الدين الأفغاني وهو يصف سياسة السلطان عبد الحميد: “إن السلطان عبد الحميد لو وزن مع أربعة من نوابغ رجال العصر لرجحهم ذكاء ودهاء وسياسة، خصوصا في تسخير جليسه. ولا عجب، إذ رأيناه يذلل ما يقوم لملكه من الصعاب من دول الغرب ويخرج المناوئ له من حضرته راضيا عنه وعن سيرته وسيره، مقتنعا بحجته”، و”رأيته يعلم من دقائق الأمور السياسية ومرامي الدول الغربية وهو معدّ لكل هوة تطرأ على الملك مخرجا وسلّما. وأعظم ما أدهشني ما أعد من خفي الوسائل وأمضى العوامل كي لا تتفق أوروبا على عمل خطير في الممالك العثمانية، ويريها عيانا محسوسا أن تجزئة السلطنة العثمانية لا يمكن إلا بخراب الممالك الأوروبية بأسرها”.
تعرض هذا السلطان العظيم إلى العديد من الافتراءات الظالمة من قبل أعدائه؛ من أهمها أنه “كان سلطانا ظالما قتل العديد من خصومه”، و”كان كثير الوساوس وعلى خوف دائم على حياته وعلى عرشه، لذا قام ببث العيون والجواسيس في طول البلاد وعرضها”. وسنتناول في مقالنا هذا تهمة الجبن. أما أنه بث العيون والجواسيس، فنقول لمن لم يدقق التاريخ العثماني ولا سيما في أدواره الأخيرة إن إسطنبول عاصمةَ الدولة العثمانية كانت تعجّ آنذاك بجواسيس الدول الكبرى، وقد نجحت هذه الدول في تدبير المؤامرات والانقلابات حتى في القصر السلطاني. مثلا استطاعت إنكلترة وفرنسا تدبير انقلاب على السلطان عبد العزيز (عمّ السلطان عبد الحميد). لذا كان من الطبيعي قيام السلطان عبد الحميد بتشكيل مؤسسة استخبارية تقاوم وتناضل ضد الألاعيب والمؤامرات التي كانت هذه الدول الكبرى تدبرها ضد الدولة العثمانية. هل كان المتوقع من هذا السلطان أن يترك دولته في مهب الريح طعمة للمؤامرات؟!
المدقق لحياة السلطان عبد الحميد يتوصل إلى أن هذا السلطان كان شجاعا رابط الجأش أمام المخاطر التي كانت تطير بألباب الرجال. أي يتوصل إلى عكس تهمة الجبن التي حاول أعداؤه إلصاقها به..
ويكفي أن نورد هنا حادثتين تاريخيتين في هذا الصدد:

1- حادثة الزلزال الكبير

لنَنْقل وصفًا لهذا الزلزال الذي سجّل في التاريخ التركي تحت اسم “الزلزال الكبير” (6 محرم 1312هـ – 10/7/1893م) من المؤرخ التركي حامي دانشماند، يقول: “إن هذا الزلزال الهائل الذي كان متوجهًا من الجنوب إلى الشمال والذي استمر دقيقة واحدة تقريبًا –كما ذكرت جريدة “ترجمان الحقيقة” في نسختها الصادرة في اليوم الثاني للزلزال- قد أدّى إلى تلف وتخريبات كبيرة، فقد تهدم كثير من الجوامع والمنائر والمدارس ومراكز الشرطة وأرصفة الموانئ والمباني الرسمية والخانات(1) والدكاكين والبيوت، كما أصبحت بنايات كثيرة معرضة للسقوط وخطرة على الناس، لذلك فقد هدمت من قِبل الحكومة. وكان معظم الذين ماتوا في هذه الحادثة هم الذين بقوا تحت الأنقاض؛ فمثلا في منطقة الـ”سراجخانة” قُتل خمسة أطفال من طلاب مدرسة ابتدائية، كما مات بعض المارة عندما سقط عليهم جدار. وكان عدد الجرحى أكثر من عدد القتلى، وقد نُقلوا مباشرة إلى المستشفيات للعلاج. وكلّف السلطان فورًا –بوساطة ياوَرِِِه- وزارةَ الداخلية ورئاسة البلدية ورئاسة الصحّة بإبداء المعونة والمساعدة الفورية، وبفتح سجل بجمع التبرعات حيث بلغ مجموع ما جمع من التبرّعات في خمسة أشهر وتسعة عشر يومًا (أي حتى 29 من جمادى الآخر المصادف ليوم الجمعة 28/12) 82874 ليرة ذهبية عثمانية، علمًا بأن القسم الأعظم من هذا المبلغ دفع من قِبل السلطان عبد الحميد”.(2)
ويصف شاهد آخر هذا الزلزال، وهو الشاعر التركي المعروف عبد الحق حامد، فيقول: “كنت آنذاك على باخرة “الشركة الخيرية”، وبعد أن اجتازت الباخرة “بشكتاش”(3) واقتربتْ من الجسر، رأينا فجأة منظرًا غريبًا كاد يفقدنا عقولنا!.. كانت البيوت تتهدم والسقوف تنهار والمنائر تهوى وتتحطم… لم نكن ندري ما الأمر، وأخيرًا صاح أحدهم: إنه الزلزال. عند ذلك توضّحت لنا المسألة؛ كان الزلزال عنيفًا إلى درجةٍ حسبنا أن القيامة قد قامت”.(4)
في ذلك اليوم كان السلطان عبد الحميد في قصر “يِلْدِز” جالسًا في صالون استقبال المهنّئين بالعيد تحت “ثريا” تزن عدة أطنان، يستقبل المهنئين من السفراء وحوله كبار الضبّاط والوزراء ورجال الدولة… وفجأة وقع الزلزال العنيف وبدأ الناس يتراكضون وعمت الفوضى كل مكان. حتى إن الضبّاط تراكضوا إلى النوافذ القريبة يكسرون الزجاج بأعقاب أحذيتهم العسكرية لكي يُلقوا بأنفسهم إلى الحديقة، وبدأت الثريّا الكبيرة المعلقة في السقف تتأرجح بقوة وعنف كبندول الساعة.
كان السلطان الشخص الوحيد المتمالك لأعصابه، إذ لم يقم ولم يتحرك من مكانه بل بقي هادئًا وقورًا الوقار اللائق بخليفة المسلمين، تتحرك شفتاه بتلاوة بعض آيات من القرآن الكريم.
هذا المشهد الهائل الذي لم يتمالك معه الضباط –الذين خاضوا الحروب وواجهوا الموت فيها- من ضبط أنفسهم فاستسلموا للهرب للنجاة بأنفسهم.. لم يهتزّ السلطان ولم يفقد أعصابه أمام هذا المشهد، بل واجهه بأعصاب ثابتة وبرباطة جأش عجيب.

2- حادثة القنبلة

في 21/7/1905م حدثت محاولة لاغتيال السلطان، وذلك بوضع 80 كغم من المتفجرات مع 20 كغم من قطع الحديد في مركبة أُوقفتْ في فناء الجامع الذي كان يصلي فيه السلطان أيام الجمع، ووقّتت القنبلة بحيث تنفجر في الوقت الذي يخرج فيه السلطان من الجامع. وقد تأخر السلطان في الخروج قليلًا، فانفجرت القنبلة –والسلطان بعدُ في المسجد- مُحْدثة دويًّا هائلًا تردد صداه من أقصى إسطنبول إلى أقصاها. قُتل في هذا الانفجار 26 شخصًا وجُرح 58 ونفقت ما يقارب العشرين من الخيول. في هذا الموقف الرهيب الذي ساد فيه الهَرْج والمرْج وتراكض الضبّاط والجنود والناس خوفًا وهلعًا يريدون النجاة بأنفسهم، بقي السلطان هادئًا وساكنًا، ثم مشى –بعد أن أصدر بعض الأوامر- إلى عربته حيث قادَها بنفسه بين هتاف الناس له.
جرَتْ هذه المحاولة بعدما أيقن الأرْمن بأن السلطان عبد الحميد لن يطبّق البند الوارد في معاهدة “برلين” –التي اضطر السلطان على التوقيع عليها- حول الامتيازات والمؤسسات الضرورية التي طلبتها الدول الأوروبية الكبرى من الدولة العثمانية لتأسيس حكم ذاتي مستقل للأرمن مع أنهم كانوا أقلّية في الدولة العثمانية.
كانت خطة الأرمن هي اغتيال السلطان أولاً ثم نسف مقر الحكومة العثمانية، أي نسف الباب العالي وجسْر غَلَطَة والبنك العثماني وسفارات بعض الدول الأوروبية في إسطنبول لإشاعة فوضى كبيرة فيها لفسح المجال لتدخل الدول الأوروبية.
كان القائم بهذه المحاولة –التي وضعت تفاصيلها في مدينة “صوفيا”- أرمنيًا من منظمة “طشناق” من باكو اسمه “كريستوفر ميكاليان”، حيث قام كريستوفر لتنفيذ العملية بالاتصال مع فوضوي بلجيكي مختص بصنع القنابل الموقوتة اسمه “أدوارد جوريس”. وقد صنعت العربة التي وضعت فيها المتفجرات في الخارج، وأدخلت أجزاؤها إلى إسطنبول قطعة قطعة ومن أماكن متفرقة.
وبعد الحادثة تم القبض على أدوارد جوريس وعلى بعض أعوانه، وقد اعترف في المحكمة التي حضرها السفير البلجيكي أيضا بأنه قام بهذه العملية، وحكم عليه بالإعدام. ومع أنه حاول الانتحار في سجنه إلا أنه لم يفلح. أما السلطان “الظالم!” فقد عفا عنه وأمر بإخراجه خارج الحدود، لأنه لم يكن يرغب في توقيع عقوبة الإعدام على أحد.(5)
يصف “الأميرال هنري وودس” في مذكراته هذه الحادثة فيقول: “لم أكن بعيدًا عن السلطان.. في هذه الأثناء فرْقع دوي كصوت عدة مدافع، واهتزّت الأرض تحت قدمي وكأنها تريد الإطاحة بي، ذهلت من رباطة جأش السلطان، وفجأة شاهدت العديد من الأشخاص الذين هرْولوا داخل جامع “يِلدِز” والدماء تنـزف من وجوههم وأياديهم، حسبت لأول وهلة أن قنبلة يدوية ألقيَت على السلطان، ولكنني عندما نظرت إلى فناء الجامع الذي كان السلطان يركّز نظره عليه، ارتعشتُ من الدهشة؛ كان الفناء كأنه ساحة حرب دمرتها المدافع، فهناك تناثرت أجساد الخيول وقطع الأخشاب والعربات التي تمزقت شرّ ممزق وأجساد السائسين المساكين الراقدة دون حياة… وعلى بُعد مترين لاحظت جاويشًا يحاول تغطية جسد ضابط كبير خر صريعًا بإحدى الشظايا.
وما إن سُمع الدوي حتّى أسرعت كوكبة من الفرسان إلى مكان الحادثة وبأيديهم السيوف المشهرة، ولكنها قفلت راجعة عندما تلقّى آمرها إشارة السلطان بالرجوع. وبعد قليل عرف الجميع مدنيّين وعسكريين بأن السلطان سليمٌ معافًى، فلم يتمالكوا أنفسهم –أتراكًا وأجانب، مدنيين وعسكريين- من الفرح وبدأوا بالهتاف “عاش السلطان، عاش السلطان” وانشغل عبد الحميد مدة دقيقة أو دقيقتَين بإعطاء الأوامر لبعض كبار الضباط، ثم توجه إلى عربته بكل هدوء ورباطة جأش. وكعادته فإنه قادها بنفسه، وكانت تقاطيع وجهه في غاية الهدوء. وهكذا ترك الجامع وذهب إلى القصر. وأصيبت إحدى المتفرجات،(6) كما جرح كثير من المتفرجين بسبب تناثر عظام الخيول الموجودة في مكان الحادث. وسقط فخذ حصان أمام المكان المخصص للسفراء كما تحطم زجاج ساعة برج القصر، وفتحت فتحات كبيرة في أعلى الجامع، وتحطم زجاج نوافذه مما أدى إلى جرح الكثيرين، كما تضرر داخلُ المسجد بشكل كبير”.(7)
يقول رئيس الكتاب “تَحسين باشا” في مذكراته بعد شرح الحادثة: “ماذا شعر السلطان آنذاك؟ لا أستطيع الإجابة على هذا السؤال، ولكن لا يستطيع أحد الإنكار بأنه أبدى شجاعة خارقة… ولم يُظهر أي نوع من أنواع الانفعال، أو الخوف، واكتفى بسؤال: ماذا هناك؟. وعندما اقترب من عربته ورأى الاضطراب والهلع هتف بهم بصوته الجهوري: “لا تخافوا!.. لا تخافوا!”.(8)
وقد نظم أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة،(9) مهنّئا الخليفة الذي نجا من الموت بعد إلقاء قذيفة عليه، في سبتمبر 1905م، قال فيها:

نَجاة

هنيئًا أميرَ المؤمنين، فإنما

نجاتك للدين الحنيف نجاةُ
هنيئًا لطه، والكتابِ، وأمةٍ

بقاؤك إبقاءٌ لها وحياة
أخذتَ على الأقدار عهدًا ومَوثقًا

فلستَ الذي ترقى إليه أذاةُ
ومَن يك في بُرد النبي وثوبه

تجُزْه إلى أعدائه الرَّمَياتُ
يكاد يسير البيتُ شكرًا لربّه

إليك، ويسعى هاتفًا عرفاتُ
وتستوهبُ الصفحَ المساجدُ خُشّعًا

وتبسُط راحَ التوبةِ الجُمُعاتُ
وتَستَغفِرُ الأَرضُ الخَصيبُ وَما جَنَتْ

وَلَكِن سَقاها قاتِلونَ جُناةُ
وَتُثني مِنَ الجَرحَى عَلَيكَ جِراحُهُمْ

وَتَأتي مِنَ القَتلى لَكَ الدَعَواتُ
ضَحِكتَ مِنَ الأَهوالِ ثُمَّ بَكَيتَهُمْ

بِدَمعٍ جَرَت في إِثرِهِ الرَحَماتُ
تُثابُ بِغاليهِ وَتُجزى بِطُهرِهِ

إِلى البَعثِ أَشْلاءٌ لَهُمْ وَرُفاتُ
وَما كُنتَ تُحييهِمْ فَكِلهُمْ لِرَبِّهِمْ

فَما ماتَ قَومٌ في سَبيلِكَ ماتوا
رمَتهم بسَهم الغدر عند صلاتهم

عصابةُ شرٍّ للصلاة عُداةُ
تَبرَّأ عيسى منهمُ وصِحابِه

أأتباعُ عيسى ذي الحَنان جُفاةُ؟
يُعادونَ دِينًا، لا يعادون دَولةً

لقَد كذِبَت دَعوى لهم وشَكاةُ
وَلا خَيرَ في الدُنيا وَلا في حُقوقِها

إِذا قيلَ طُلّابُ الحُقوقِ بُغاةُ
بأي فؤادٍ تَلتقي الهَولَ ثابتًا

وما لقلوب العالَمِين ثباتُ؟
إذا زُلزلت من حولك الأرضُ، رادَها

وَقارُك حتى تَسكُن الجنباتُ
وَإِن خَرَجَت نارٌ فَكانَت جَهَنَّمًا

تُغَذَّى بِأَجسادِ الوَرى وَتُقاتُ
وَتَرتَجُّ مِنها لُجَّةٌ وَمَدينَةٌ

وَتَصلى نَواحٍ حَرَّها وَجِهاتُ
تَمَشَّيتَ في بُردِ الخَليلِ فَخُضتَها

سَلامًا وَبَرْدًا حَولَكَ الغَمَراتُ
وَسِرتَ وَمِلءُ الأَرضِ حولَك أَدرُعٌ

وَدِرعُكَ قَلبٌ خاشِعٌ وَصَلاةُ
ضَحوكًا وَأَصنافُ المَنايا عَوابِسٌ

وَقورًا وَأَنواعُ الحُتوفِ طُغاةُ
يَحوطُكَ إِن خانَ الحُماةَ انتِباهُهُمْ

مَلائِكُ مِن عِندِ الإِلَهِ حُماةُ
تُشيرُ بِوَجهٍ أَحمَدِيٍّ مُنَوِّرٍ

عُيونُ البَرايا فيهِ مُنحَسِراتُ
يُحَيِّي الرَّعايا وَالقَضاءُ مُهَلِّلٌ

يُحَيّيهِ وَالأَقدارُ مُعتَذِراتُ
نَجاتُكَ نُعمى لِلإِلَهِ سَنِيَّةٌ

لَها فيكَ شُكرٌ واجِبٌ وَزَكاةُ
فَصَيِّرْ أَميرَ المُؤمِنينَ ثَناءَها

مَآثِرَ تُحْيِي الأَرضَ وَهْيَ مَواتُ
إِذا لَم يَفُتنا مِن وُجودِكَ فائِتٌ

فَلَيسَ لآمالِ النُفوسِ فَواتُ
بَلَوناكَ يَقظانَ الصَّوارِمِ وَالقَنا

إِذا ضَيَّعَ الصيدَ المُلوكَ سُباتُ
سَهِرتَ وَلَذَّ النَّومُ وَهْوَ مَنِيَّةٌ

رَعايا تَوَلاّها الهَوى وَرُعاةُ
فَلَولاكَ مُلكُ المُسلِمينَ مُضَيَّعٌ

وَلَولاكَ شَملُ المُسلِمينَ شَتاتُ
لَقَد ذَهَبَت راياتُهُمْ غَيرَ رايَةٍ

لَها النَصرُ وَسْمٌ وَالفُتوحُ شِياتُ
تَظَلُّ عَلى الأَيّامِ غَرّاءَ حُرَّةً

مُحَجَّلَةً في ظِلِّها الغَزَواتُ
حَنيفِيَّةٌ قَد عَزَّها وَأَعَزَّها

ثَلاثونَ مَلْكًا فاتِحونَ غُزاةُ
حَماها وَأَسماها عَلى الدَّهرِ مِنهُمُ

مُلوكٌ عَلى أَملاكِهِ سَرَواتُ
غَمائِمُ في مَحْلِ السِّنينِ هَواطِلٌ

مَصابيحُ في لَيلِ الشُّكوكِ هُداةُ
تَهادَت سَلامًا في ذَراكَ مَطيفَةً

لَها رَغَباتُ الخَلقِ وَالرَّهَباتُ
تَموتُ سِباعُ الجَوِّ غَرثى حِيالَها

وَتَحيا نُفوسُ الخَلقِ وَالمُهَجاتُ
سَنَنتَ اعتِدالَ الدَّهرِ في أَمرِ أَهلِهِ

فَباتَ رَضِيًّا في ذَراكَ وَباتوا
فَأَنتَ غَمامٌ وَالزَّمانُ خَميلَةٌ

وَأَنتَ سِنانٌ وَالزَّمانُ قَناةُ
وَأَنتَ مِلاكُ السِّلمِ إِنْ مادَ رُكنُهُ

وَأَشفَقَ قُوّامٌ عَلَيهِ ثِقاتُ
أَكانَ لِهَذا الأَمرِ غَيرُكَ صالِحٌ

وَقَد هَوَّنَتهُ عِندَكَ السَّنَواتُ
وَمَن يَسُسِ الدُّنيا ثَلاثينَ حِجَّةً

تُعِنهُ عَلَيها حِكمَةٌ وَأَناةُ
مَلَكتَ أَميرَ المُؤمِنينَ ابنَ هانِئٍ

بِفَضلٍ لَهُ الأَلبابُ مُمتَلَكاتُ
وَمازِلتُ حَسّانَ المَقامِ وَلَم تَزَل

تَليني وَتَسري مِنكَ لِي النَّفَحاتُ
زَهِدتُ الَّذي في راحَتَيكَ وَشاقَني

جَوائِزُ عِندَ اللهِ مُبتَغَياتُ
وَمَن كانَ مِثلي أَحمَدَ الوَقتِ لَم تَجُز

عَلَيهِ وَلَو مِن مِثلِكَ الصَّدَقاتُ
وَلي دُرَرُ الأَخلاقِ في المَدحِ وَالهَوى

وَلِلمُـتَـنَـبّي دُرَّةٌ وَحَصاةُ
نَجَت أُمَّةٌ لَمّا نَجَوتَ وَدُورِكَتْ

بِلادٌ وَطالَت لِلـسَريرِ حَياةُ
وَصينَ جَلالُ المُلكِ وَامتَدَّ عِزُّهُ

وَدامَ عَلَيهِ الحُسنُ وَالحَسَناتُ
وَأُمِّنَ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها

يَتامى عَلى أَقواتِهِم وَعُفاةُ
سَلامِيَ عَن هَذا المَقامِ مُقَصِّرٌ

عَلَيكَ سَلامُ اللهِ وَالبَرَكاتُ
__________________
الهوامش
(1) جمع خان: وهي البنايات التي كانت تستعمل كفنادق آنذاك.
(2) İzahlı Osmanlı Tarihi Kronolojisi, s.331.
(3) بشكتاش: منطقة في إسطنبول مشرفة على البسفور.
(4) Ulu Hakan Abdülhamid Han, s.311.
(5) Belgelerle Sultan Abdulhamid, s.117-124.
(6) كانت هناك أمكنة مخصصة للزوار وللأجانب وللسفراء، يشاهدون منها مراسيم صلاة الجمعة أي ما كان يسمى آنذاك بمراسيم الـ”سلامْلك”.
(7) Büyük Türkiye Tarihi, 7/191-192.
(8) İzahlı Osmanlı Tarihi Kronolojisi, s.349.
(9) الشوقيات، لأحمد شوقي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1/80-82.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.