اندهش الباحثون عندما وجدوا أن سنان شيد آثاره على بُعدٍ من خطوط الصدع الزلزالية.. وقد ازداد اندهاشهم هذا عندما اكتشفوا أنه قام بتطبيق نظام يمتص الموجات الزلزالية ويقلل من تأثيرها على المباني.

قام سنان ببحوث معمَّقة وحسابات رياضية دقيقة ليختار المكان المناسب لجامع السليمانية بإسطنبول، وبعد الاهتداء إلى المكان شرع بتنفيذ المشروع.. بدأ أولاً بعملية كبْس التربة ورصّها بالأوتاد لتزداد متانة.. وبعد ذلك استهل بتأسيس القاعدة مستخدمًا فيها حجرًا خاصًّا وملاطًا يمتاز بامتصاص الموجات الزلزالية وتخفيف مفعولها.. ولكن بعد ما أتم التأسيس أوقف سنان عملية الإنشاء وراح يهتم بشؤونه الأخرى مدة استغرقت ست سنوات.. كانت الغاية طبعًا، تمتين القاعدة وترسيخها جيدًا..
وبعد مضي ست سنوات، استأنف سنان عمله في مواصلة ما تبقى من تحكيم القاعدة.. فقام بإنشاء مساند حجرية عالية داعمة للمبنى.. ثم وضع نظام تصريفٍ للمياه ليصون القاعدة من الرطوبة ويضبط صلابتها، بل وأضاف قنوات هوائية أيضًا لدفْع هذه الرطوبة خارجها حرصًا منه على الحفاظ على التوازن الهوائي في تربة الأساس، وقام بمد قنواتِ صَرْفٍ أيضًا لمنع نفوذ البخار الناتج عن سخونة التراب وحرارة المياه إلى الأساس.. ومن خلال كل هذه الأنظمة والتطبيقات، استطاع سنان تشييد صرح محكم ظل صامدًا أمام الزلازل قرونًا طويلة ولم يتأثر بها أبدًا.
يقول المعماري التركي “عبد القادر أقْ بينار” الذي أجرى بحوثًا عديدة حول آثار سنان وأعاد ترميم معظمها:
“إن أبسط زخرفة وأصغر نقشة في آثار سنان لم تُنحت عشوائيًّا، حتى الألوان فلها مهمة خاصة في هذه الآثار.. وواضح أن سنان سعى بآثاره هذه إلى محاكاة الجبال الأوتاد التي ذكرها الله تعالى في قرآنه،ليجعلها شاهقة عصورًا
مديدة.. ومن الصعب جدًّا أن نجد مثيلاً لتطبيقاته الهرمية والكروية في قاعدة آثاره العتيدة”.
نقار الخشب مصدر إلهام البشر
لماذا ينقر نقار الخشب الأشجار؟ هل يقوم بالنقر عشوائيًّا أم بتحدد نقطة معينة؟ كيف لا يتأثر هذا الكائن من الصدمات التي يتعرض لها خلال النقر؟
يتغذى نقار الخشب بالحشرات والديدان المختبئة في جذوع الأشجار، ولكن العجيب أنه يحدد موقع الحشرة داخل الجذع دون أن يراها بعينه، ثم يقوم بحفر فجوة تنتهي إلى موقع الحشرة مباشرة.. طبعًا يستعمل منقاره الإزميلي الحاد في هذه العملية، وعندما يصل إلى غرضه يطلق لسانه اللزج ويلتقط الحشرة ثم يُنزلها إلى معدته بهناء. والملفت للنظر أن هذه الحشرات تتسبب في يبْس الشجرة وموتها إذا ما بقيت تعيش في جذعها.
مُنح نقار الخشب قدرة خارقة في عملية النقر وسرعته؛ حيث تصل عدد نقراته في الثانية الواحدة إلى 10 نقرات، وتصل سرعة النقرة الواحدة إلى 40 كيلومتر في الساعة. ولكن كيف لا يتأثر هذا الكائن من صدمات النقر هذه؟
اكتشف العلماء أن هذا الطير يملك تقنية مذهلة يتم من خلالها امتصاص صدمات النقر وتقليل حدتها بكل سهولة.. وهي تقنية تتألف من أنسجة ليفية -شبيهة بالإسفنج- تربط جمجمته بمنقاره، ولسان رفيع لزج ملفوف مثل النابض داخل الجمجمة، فبهذه التقنية تنخفض الصدمات وتتلاشى وتغييب دون أيّ تأثير سلبي. إنها تقنية تذكرنا بالنوابض الحلزونية التي تمتص الصدمات الناتجة عن عدم استواء الطريق في السيارات التي يركبها الإنسان.
هذا وإن آلة كسر الصخور أو مطرقة الخرسانة الهوائية التي يعمل بها الإنسان أثناء تعبيد الطرق وتطوير الشوارع، اختُرعت استلهامًا من هذا الكائن الصغير… ما رأيك؟

(*) كاتب وباحث تركي.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.