ما الذي يحدث في عالمنا؟ ما الكامن خلف هذه المشاهد والتحولات الجارية فيه؟ هل ما يقع من أحداث جارفة لمعالم المعتاد هو بداية أم نهاية؛ نهاية صورة واقع عشناه خلال أزيد من قرن من الزمان مضى، تفاعلت فيه الطموحات والأفكار بالأحداث؟ أم بداية مرحلة جديدة نستفيد فيها من دروس هذا الماضي فتتأسس معالم جديدة للاهتداء؛ اهتداء الإنسان في نظره الفكري وسعيه الواقعي، واهتداء المجتمعات إلى تجاوز معضلات الواقع الذي كابدته طويلاً، ثم أتت عليه رياح الاقتلاع والتغيير العاصفة التي لا تُعرف وجهتها ولا إلى أين مستقرها وقرارها.

تبدو صورة المشهد الماثل لعالمنا، المليء بالقلق والاضطراب، وخاصة ظلال هذا المشهد على مجتمعاتنا في عالم المسلمين، وكأنها إيذان بالدخول في طور جديد، لكن أحدًا لا يعرف طبيعته أو يتصور شكله ومعالمه… وهذا أخطر جوانب المشهد، وأكثرها استدعاءً للتوقف والتأمل والبحث.

لقد أنتج تحوّلٌ بحجم ما يحدث حولنا، وما يصاحبه من أحداث ضاغطة على الوعي ضغطها على المشاعر، وارتفاع لصوت العواطف والمطالب، إنحيازًا لهذه الجهة أو تلك، أو هذا المطلب أو ذاك؛ أنتج واقعًا جديدًا، ملتهبا… وهو ينبغي أن يكون مُشعِلاً لإرادة أداء الأمانة الخطيرة، أمانة التدبر فيما حولنا، والتفكير في مآلاته وعواقبه، قيامًا بأمانة الشهادة.

لا يختلف اثنان أن صدمة اللقاء بين منظومة الغرب الحديث وبين عالم المسلمين، كانت صدمة مدوية لا تزال رجَّاتُها تتردد في فضائه. ولعل السبب الأول في ذلك، أن الصدمة تمت في أصعب لحظة ممكنة، عندما كان عالم المسلمين يعيش حالاً من الضعف والتراجع الشديد في حيويته الفكرية وبنائه الحضاري. في حين كان النموذج الوافد يعرف صعودًا شكَّله تضافر عوامل متعددة تبدّت في شكل قوة حضارية، مندفعة بقوة الأفكار والاقتصاد والسلاح أو ما يرمز إليه اختصارًا في اللغة الفرنسية (لغة رواد الاستعمار) بـ”الميمات الثلاث”: (Les trois M: Missionaires, Militaires,Marchands).

أما السبب الآخر في استمرار آثار الصدمة إلى اليوم، فهو أن فعلها لم يقتصر على لحظة اللقاء الاضطراري نفسه، سواء تجلت في انطلاق الحملة الفرنسية على المشرق ومركزه مصر عام 1798 والتي وطأت خلالها خيل “نابليون بونابارت” باحات الأزهر، أو في نجاح المخطط الطويل والممتد لتفكيك الإطار الجامع لمجتمعات المسلمين بسقوط الدولة العثمانية، وقبل ذلك في احتلال الحلفاء -بعد الحرب العالمية الأولى- عاصمتَها التي مثلت رمزًا موشومًا في الذاكرة الجماعية للمسلمين جميعًا.

بعبارة أخرى، إن أخطر آثار صدمة الاحتلال الأجنبي، أنه عبث بالأسس التي شكلت النموذج الثقافي والمعنوي والاجتماعي لعالم المسلمين. وهكذا بدأ التشوه في الإدراك، والهزيمة النفسية، والاستتباع في الفكر المنتج للتقليد في أسلوب التفكير ونمط الحياة.. فكأنما انتقل المسلمون ليبدأوا رحلة قسرية عاشوا خلالها تاريخًا غيْر تاريخهم، فخرجوا بذلك من مسارهم الحضاري الخاص إلى مسارات لا تزال مفتوحة على الأزمات المتتابعة.

كان هذا الواقع الجديد مؤذنًا بانبعاث الفكر الإصلاحي والنهضوي التجديدي في عالم المسلمين، في سعي إلى استئناف حياتهم على أسس من ذاتيتهم المعنوية والفكرية، ليستطيعوا إعادة إنتاج نموذجهم الثقافي والمجتمعي الخاص، فيتخطوا وهدة الخضوع لسلطة النموذج الوافد بالقوة العسكرية والعلمية، ويؤسسوا من جديد عمرانهم الحضاري، مرتبطين في ذلك كله بنموذجهم التاريخي المضيء كعلامة مرجعية في هذا السعي.

وفي الحالتين اللتين مثلتا المحطتين البارزتين لهذا الصدام الأليم كانت المحاولات المؤسسة لهذا الانبعاث. ولأن السياق التاريخي بظروفه وموازينه حاكم في هذا السياق، فقد انطلقت الحركة النهضوية منذ أزيد من قرن ونصف في الشرق مع العلماء المسلمين الإصلاحيين، من أمثال جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده ورشيد رضا.. فكان لهؤلاء النصيب الأوفى من التأثير فيما شهدته مصر من انطلاق الحركات الإسلامية في نهاية العشرينات من القرن الماضي، في مسار من الانتقال في الأهداف المرحلية طبعه التأثير والتأثر المتبادل بين المراحل المتعاقبة، يلخصه مؤرخ مهم لهذه التجربة بقوله: “قد أرسى الأفغاني فكرة الإسلام المجاهد، وأضاف محمد عبده فكرة التجديد في الفقه والتفسير، وتابع محمد رشيد رضا الربط بين التجديد والسلفية والتفاعل مع السياسات الوطنية، وأضاف حسن البنا شمولية الإسلام والترابط الوثيق بين العقيدة والشريعة والسياسة وبين الفكر والتنظيم الحركي”(1).

كان ذلك هو الإطار النظري والحركي الذي تراكم عبره التراث الفكري والرؤية الحركية للإصلاح والتغيير التي أثّثت -في الغالب- الفضاء العربي والإسلامي. ولعل الحراك الذي يشهده الآن هذا المجال، هو حصيلة ساهمت فيها تلك الأفكار والآراء جميعًا، فكانت تجليًا واقعيًا لنتاج أزيد من قرن ونصف قرن من المحاولات.

في نفس المرحلة التي انطلق فيها ما أضحى يسمى على نطاق واسع “الإسلام الحركي”، وبدافع من ذات الواقع (سقوط الدولة العثمانية) ونفس الأسباب التاريخية والحضارية، ظهرت في تركيا مدرسة موازية لتلك التي جسدتها النهضوية الإصلاحية وامتدادها مع الاتجاه الحركي في المجال العربي. كان رائد تلك المدرسة هو الأستاذ بديع الزمان “سعيد النورسي” الذي بدا أمامه الزحف المهدد لأساس الدين في نفوس أبناء وطنه، فجعل إنقاذ الإيمان أساس رسالته ولحمة أفكاره ومَعلَم مشروعه المبثوث في موسوعته التفسيرية الشهيرة “كليات رسائل النور”، والتي حافظت بتأثير من طلابه الكثر، على معاني الإيمان والانتماء حية في نفوس فئات واسعة من أبناء تركيا.

غير أن بداية التحوّل الأهم لاتجاه الإصلاح الشامل والبناء المجتمعي المنطلق من ذات الأسس، كان في نهاية الستينيات من القرن الماضي، حين انطلقت “حركة مجتمعية” جديدة، استفادت من تراث رسائل النور، ومن غيره من المدارس التربوية والفكرية، فأبدعت نموذجًا جديدًا هو نموذج “الخدمة”. كان ذلك بتأثير من العالِم والمفكر “محمد فتح الله كولن”، الذي جمع في هذه التجربة بين التربية الشاملة للإنسان، وإطلاق مقومات فعاليته الحضارية في عصره، ليستأنف إنتاج النموذج المثالي لـ”عصر السعادة” (عصر النبوة والصحابة) على جميع المستويات، بل وفي ساحات العالم المختلفة، بعيدًا عن العمل السياسي المباشر، لكن في عمق الفعل المجتمعي والحضاري.

ورغم أن اهتمامًا واسعًا في العالم العربي بدأ يتبلور في الدوائر العلمية والفكرية بهذه التجربة وفكر صاحبها خلال العقد الأخير خصوصًا، إلا أن رسائل الحراك الراهن، ربما كانت دافعًا قويًّا لمزيد من التفاعل معها. ذلك أن مسؤولية اللحظة الراهنة، بمخاطرها وتحدياتها والأهم من ذلك بدروسها المستفادة، تلقي على النخب الفكرية مسؤولية يمكن وصفها بأنها “أمانة اللحظة”، وهي بناء قواعد ما يسميه المفكر المصري حامد ربيع “التدبر الإستراتيجي”، ومنطلقه قراءة متأنية للخلاصات المتأتية إلى الآن من واقع هذا الحراك وما أوقعه من أحداث متتالية، لتلمس الخطى على طريق المستقبل.

إن الملاحظ المتفحص في الأزمات التي يعيشها عالمنا اليوم، وهذا المجال الحضاري العربي الإسلامي منه على وجه التحديد، يدرك أن جوهر تلك الأزمات الماثلة إنما هو الضعف الشديد في الأدوات الراهنة للتعامل مع هذه الأزمات، أو التي يعتقد أنها لا زالت قادرة على إحداث التغيير في واقع المجتمع وبناء نموذجه الحضاري الفاعل. وما المحاولات الدؤوبة والمتكررة باستخدام ذات الأدوات في التغيير، وما أوصلت إليه من مآزق، إلا دليل واضح على ذلك.

ولعل مشكلة أدوات العمل السياسي في ظل الدولة الحديثة، مثالٌ بيِّنٌ على تلك الأزمة. أما الاعتماد عليها طريقًا للبناء في دولة ما بعد الاستقلالات الوطنية في عالم المسلمين، فتلك معضلة أخرى لا تقل نتائجها خطورة ولا أفقها انسدادًا.

إذ بالرغم من أن حركات التغيير في المجال العام اليوم وخاصة تلك التي تصدر عن الإسلام مرجعية، تمثل استعادة -واعية أو غير واعية- لتراث الفكر الإصلاحي والنهضوي الحديث، ومحاولة استثماره في التغيير المطلوب. إلا أن صورة الواقع الاجتماعي والسياسي المعقدة من جهة، وعدم وجود نموذج تطبيقي يصلح البناء على خبراته من جهة ثانية، أصبحا مؤذنين بحالة من الانسداد في أفق التغيير، ما لم نلق السمع لتجارب أخرى ونماذج عملية سابقة نجحت على ذات المسعى.

والذي يبدو أن اتحاد مشكلات مجتمعات عالمنا في النوع، بما يتجاوز القدرة على التعامل معها وفق رؤية محلية وخاصة، وبشكل منفصل عن سياقها الكوني، ومحدودية التأثير من خلال مؤسسات الدولة الحديثة، أصبحا يوجهان إلينا رسائل مُلِحّة تتعلق بالبدأ من حيث ينبغي أن يكون البدأ: بناء الإنسان بناءً صحيحًا يؤهله ليكون مفتاح التغيير ومادته وموضوعه، وذلك من خلال وجوده في كافة مؤسسات مجتمعه وأمته. بل ليكون مثالاً يتحقق به نموذج التغيّر في عالمنا الذي طالما افتقد الوجهة والمعنى، وذلك حين يتأتى لهذا الإنسان ميراث الأرض الذي لم يكتبه الله إلا لعباده الصالحين.

تلكم هي مهمة القيام بأمانة الشهادة تجاه واقع عالمنا الذاتي، عالمِ المسلمين الذي تُعلمنا خبراته التاريخية والواقعية على السواء ألا نستعظم المهمة أو نستطول الطريق.. طريقَ بناء الإنسان المؤهّل لخدمة أمته وعالمه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مدير مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية – وجدة / المغرب.

الهوامش

(1) الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، لطارق البشري.

Leave a Reply

Your email address will not be published.