قُـمْ للمعلّمِ وَفِهِ التبجيـلا *** كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا

أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي *** يبني وينشئُ أنفـسًا وعقولا

لم يكن أحمد شوقي يعلم وهو يكتب هذين البيتين أن الأيام ستدور وسيأتي يوم على المعلم تكبل فيه يداه ويعقد لسانه ولا يجد كلمات مناسبة يعبر بها عن مدى حالنا وانحطاطنا الفكري والثقافي. فمنذ يومين استيقظ العالم أجمع على نبأ خطف 5 مدرسين أتراك وطبيب في كوسوفو يعملون في مدرسة أنشأتها الخدمة لتسهم في تطوير العملية التعليمية هناك.

لقد تم خطف هؤلاء المدرسين من أمام مدارسهم ومن سياراتهم وليس لهم أي تهمة سوى أنهم يعملون في هذه المدارس التي يتهمها “النظام الحاكم” في تركيا أنها تابعة لحركة الخدمة وأنها مدارس إرهابية(!) ولقد أعادت هذه الحادثة إلى ذاكرتي عمليات خطف المدرسين الأتراك في نيجيريا قبل سنة من طرف جماعة “بوكو حرام” الإرهابية، وكذلك عملية قتل الطلاب ومعلميهم الأتراك في الصومال من طرف “حركة شباب المجاهدين” الإرهابية، إلا أن عملية خطف هؤلاء المدرسين هذه المرة لم تكن من قبل جماعة إرهابية في الظاهر بل من طرف النظام الحاكم في تركيا التي تسعى للانضمام للاتحاد الأوروبي ويزعم “نظامها الحالي” أنها دولة نموذج في المنطقة للديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي المقابل يرتكب هذا النظام أفعالاً لا تقوم بها حتى عصابات المافيا.

لقد عجز نظام دولة “كبيرة” مثل تركيا عن تقديم أدلة تدين هؤلاء المعلمين ومن ثم لجأ إلى طرق العصابات والمافيا – على حد تعبير وسائل الإعلام في كوسوفو “بلد الحادثة”- فقام بخطفهم بطريقة دفعت رئيس وزراء كوسوفو إلى إقالة وزير داخليته ورئيس استخباراته، والعجيب هو تفاخره بهذه العملية علنا أمام مناصريه وإشادته بجهازه المخابراتي الذي نفذها وتهديده لرئيس وزراء كوسوفو بسبب هذه الإقالات.

لم يتوقف مردود هذه الحادثة عند المستوى المحلي فقط بل تخطاه إلى المستوى العالمي؛ حيث أعربت الصحافة العالمية ومنظمات حقوق الإنسان عن أن مثل هذه الحوادث لا تقوم بها إلا المافيا وعصابات الإجرام.

ولقد دفعت هذه الحادثة طلاب وزملاء هؤلاء المعلمين في كوسوفو إلى الوقوف أمام المطار، ليعبروا عن مدى حزنهم وأسفهم لما يحدث لمعلميهم الذين كانوا نبراسًا لهم في حياتهم العلمية والخلقية.

إن هذه الأفعال التي يرتكبها هذا النظام تدل على مدى التردي والسقوط الذي يجنيه على دولة عريقة في التاريخ والحضارة مثل تركيا التي كانت واعدة في المنطقة كلها على مستوى الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان. وتدل أيضا على انحرافها عن مسارها وانحدارها إلى الهاوية بسرعة فائقة.

إن عدم احترام المعلم ومن قبله التدخل في شئون القضاء ثم إفساد الحياة السياسية والنيابية، وإعادة هيكلة الجيش والشرطة بما يخدم مصالح النظام وليس مصلحة الوطن كل هذا يدلك على العقلية التي تقود تركيا في هذه المرحلة، ولا يخفى على أي عاقل المصير الذي تؤول إليه هذه الإجراءات، أسأل الله أن يسلم تركيا وبلادنا من كل شر وينقذها من تهور المتهورين وعبث العابثين.

Leave a Reply

Your email address will not be published.