يعتبر العالم المخترع العالم حسن كامل الصباح أحد نوابغ العرب في القرن العشرين، وأحد كبار المخترعين العالميين. إنَّ هذا العبقري اللبناني قد شغل العالم والعلوم، وهو من أوائل الذين أبدعوا فأعطوا، فرفع اسم أمتنا عاليًّا، وهو من أحد قلائل جاد بهم التاريخ فأغنوه وبنوا به مستقبل البشرية..، سافر بطموحاته إلى الغرب، على أن يعود بانيًّا للشرق، كان يحمل في رأسه عقلاً خلَّاقًا، منفتحًا، يتطلع بدأب إلى المستقبل المشرق، متمسك بتعاليم دينه، وهويته، فأهملته الأمة التي بقي وفيًّا لها، فدفعه هذا الوفاء إلى الوقوع في فخ الاستغلال الغربي البشع، ساهمت اختراعاته في التأسيس لكثير من التطبيقات الحديثة خلال القرن المنصرم، وما زالت البشرية تنعم بالإشكال المعاصرة لتلك التطبيقات الراهنة.

عاش هذا الطفل النابغة في كنف أم صالحة، تقية نقية، قل نظيرها بين بنات جنسها يومذاك، فتربى هذا النبت الطيب في حجرها، متمتعًا منذ نعومة أظافره بنباهة وذكاء فطري كبير، وتلقي علومه الابتدائية في مدرسة النبطية، ومن ضمن الطرائف التي ذكرتها عنه والدته وهو طفل: أنه فكَّر في التنقيب عن النفط واستخراجه وهو في سن العاشرة من عمره، كان ذلك عام 1905م، أي قبل أكثر من قرن من الزمان، ويومها كان العرب يجهلون أنهم يعومون فوق بحرٍ من النفط.. وفي عام 1914م التحق بالكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية لاحقًا) في بيروت لدراسة الهندسة الكهربائية، فأظهر مقدرة فائقة في حل أشد المسائل الرياضية تعقيدًا وكان حينها قد تمكن من اللغتين الفرنسية والانجليزية، ثم استدعى في 1916م للخدمة الإلزامية في الجيش التركي حيث خدم هناك برتبة ملازم في سرية اللاسلكي في الأستانة حتي نهاية الحرب العالمية الأولي، وفي أثناء خدمته في ظل التعاون التركي الألماني، استفاد من خبرات الضباط الألمان، وأتقن اصلاح الأجهزة اللاسلكية المتوفرة في كتيبته، وتعمقت خبرته في الأجهزة الإليكترونية، كما تمكَّن – أيضاً- من إجادة اللغتين التركية والألمانية..

اختراعات الصبَّاح

كان الصبّاح يجوبُ كل فج، ويلج كل لجج، وينتج كل روضٍ، ويلقي دلوه في كل حوض، لا يسأم الطلب، ولا يمل الدأب، بدأبه واجتهاده، وشغفه بالعلوم الرياضية إلى درجة كبرى في حقل العِلم والكهرباء، أصبح يتبوأ مراكزًا مرموقة في كبريات الشركات الكهربائية العالمية، كما فاقت اختراعاته السبعين، وسُجلت معظمها بشركة جنرال الكتريك الأمريكية التي كان من كبار مهندسيها وعلمائها..، في دائرة التسجيل في واشنطن وفي معظم دول العالم..

من سجل تلك الاختراعات:

هو أول من سبقنا إلى لمس كثير مما نلمس من أزرار..، حيث ترك بصمات واضحة في اختراع أجهزة وآلات في مجالات الهندسة الكهربية والتلفزة وهندسة الطيران..

وعندما سطع نجم الصبَّاح عاليًّا، قامت الصحف بحمل أخباره ومحاضراته ومقالاته، وذاع صيته في كبري دول العَالم، ومن اختراعاته، نذكر أهمها:

– جهاز ضبط الضغط سنة 1927م، وهو يعيّن مقدار القوة الكهربائية اللازمة لتشغيل مختلف الآلات ومقدار الضغط الكهربي الواقع عليها.

– كان له الريادة في اختراع جهاز لنقل التيار المتبدل في المقوم الزئبقي الفردي سنة 1928م، وهو يعمل على ضبط انتقال القوة الكهربائية في المقومات الزئبقية بدقة متناهية، كما يخفض من تأثير الفيض المغناطيسي على اللوحات المعدنية في الدائرة الكهربائية الثنائية.

– يرجع إليه الفضل في اختراع جهاز للتلفزة، الذي يحول الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية مستمرة، ويضعها في خزانات..

وكأن الصباح يأمل من هذا الاختراع الأخير، أن يحوّل الشمس في الصحاري إلى طاقة تعمل على زرع الحياة في تلك الصحاري، فضلاً عن تغذية الأقطار العربية كلها، مدنها وقراها المتناثرة بالطاقة اللازمة، وعكف الصبّاح ليل نهار على تحقيق هذا الحلم.

وفي عز ذلك السطوع، وفي أوج ذلك العطاء، امتدت يد الموت لتقطف تلك الزهرة ذا الأريج الفوَّاح، في حادث سير غامض في 31 مارس 1935م، وهكذا خبت من سماء العِلم تجربة لم يُقدّر لها أن تتم.