على مدى أشهر معدودات يشهد العالم وقائع ومعطيات تفصح بلسان الحال والمقال معا عن إعجاز كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمصداقية المطلقة لتعاليمه وتحذيراته.
عشرات الكتب ومئات البحوث
قبل ذلك وعلى مدى القرنين الأخيرين تحديداً، جاءت الكشوف العلمية وبخاصة في مجالات التاريخ والخليقة والفيزياء وال جيولوجي والكوزمولوجي والبيولوجي والجغرافيا والتشريح وعلم الأجنّة، لكي تتطابق بشكل يثير الدهشة مع آيات الله البيّنات.
وكلنا نذكر عشرات الكتب، ومئات البحوث التي تحدّثت عن ذلك، ونذكر معها المؤسسات والدوائر التي تمحّضت لمتابعة قضية العلم والإيمان أو القرآن والعلم الحديث، والتي قدّمت منظومة من الكشوف العلمية والمعرفية المتوافقة مع ما سبق وأن أشار إليه كتاب الله سبحانه وتعالى.
وكلنا نذكر -مع هذا وذاك- الجهد الكبير الذي بذله العالم الفرنسي المشهور “موريس بوكاي” في كتابه القيّم “القرآن الكريم والتوراة والإنجيل: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة”، والذي خلص فيه -بعد عشرين عاما من البحث المكافح- إلى أن تسعة أعشار ما ورد من معطيات معرفية في التوراة والإنجيل، تسقط إذا أحلناها على الكشوف المعرفية الحديثة، ولا يمرّ سوى العشر. وفي المقابل فإن عشرة أعشار ما ورد في القرآن الكريم يتوافق مع هذه الكشوف. ويقول الرجل معقّبا: “لا يمكن لـ”محمد” على افتراض تأليفه للقرآن أن يتعامل مع معطيات التوراة والإنجيل في ضوء معرفة لن تتشكل إلا بعد أربعة عشر قرنا، فيسقط منهما ما لا يتوافق والحقائق العلمية، ولا يستبقي سوى العشر، أيضا في ضوء معرفة ستتشكل بعده بزمن بعيد.. لا يمكن لرجل كهذا إلا أن يكون نبيًّا يتلقى عن مصدر علوي مطلق هو الله سبحانه”.
التطابق المدهش
الآن، وعلى مدى أشهر معدودات، وعبر ما تتناقله الفضائيات صباح مساء، يشهد العالم جملة من الوقائع والمعطيات، تقدم إضافات ذات قيمة بالغة لظاهرة الصدق المطلق لآيات الله البيّنات، وتطابقها المدهش مع الكشوف والخبرات المتجددة في واقع الحياة البشرية على امتدادها في العالم كلّه:
أولا: انهيار النظام الربوي، ومعاناة الرأسمالية من الاختناقات، ووصولها إلى طرق مسدودة.
ثانيا: الغزو الشامل لأنفلونزا الخنازير، والإعلان عنها وباءً عالمياً.
ثالثا: الحملة الشاملة التي أعلنتها رئاسة الجمهورية الفرنسية، لتضييق الخناق على ظاهرة شرب الخمر باعتبارها واحدة من أكثر العوامل المؤدية إلى السرطان.
رابعا: تحليل طبـي يجريه عدد من كبار الأطباء، يؤكد أن الختان يمثل واحدة من أكثر وسائل المناعة فاعلية ضد سرطان البروستات.
لا أحد يجادل في هذا الذي يشهده العالم الآن، بعد إذ أصبح، بمعطياته وذيوله المتجددة واقعاً ثقيلاً يفرض نفسه على الإعلام، ويشهده مئات الملايين من الناس على مدى العالم كلّه.
ما الذي سبق وأن قاله كتاب الله في الظواهر الأربع؟!
أولا: يكفي أن نتذكر الآيات البيّنات التي أعلنت الحرب على الربا، وحذّرت من تعاطيه، وقدمت البدائل الاقتصادية المناسبة لتجاوزه واستئصاله من حياة الناس:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا * يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾(البقرة:275-276)، ﴿اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾(البقرة:278)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً﴾(آل عمران:130)، ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾(النساء:161)، ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللهِ﴾(الروم:39).
وأن نتذكر معها ما قاله المفسّرون في الموضوع -وهو كثير غزير- نكتفي منه بإشارة واحدة قد تغني عن التفاصيل: “لم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا. ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا.. ولله الحكمة البالغة. فلقد كانت للربا في الجاهلية مفاسده وشروره. ولكن الجوانب الشائعة القبيحة من وجهه الكالح ما كانت كلها بادية في مجتمع الجاهلية كما بدت اليوم، وتكشفت في عالمنا الحاضر، ولا كانت البثور والدمامل في ذلك الوجه الدميم مكشوفة كلها كما كشفت اليوم في مجتمعنا الحديث. فهذه الحملة المفزعة البادية في هذه الآيات على ذلك النظام المقيت، تتكشف اليوم حكمتها على ضوء الواقع الفاجع في حياة البشرية، أشد مما كانت متكشفة في الجاهلية الأولى. ويدرك -من يريد أن يتدبر حكمة الله وعظمة هذا الدين وكمال هذا المنهج ودقة هذا النظام- اليوم من هذا كله ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة. وأمامه اليوم من واقع العالم ما يصدّق كل كلمة تصديقا حيا مباشرا واقعا. والبشرية الضالة التي تأكل الربا وتوكله تنصب عليها البلايا الماحقة الساحقة من جراء هذا النظام الربوي، في أخلاقها ودينها وصحتها واقتصادها. وتتلقى -حقا- حربا من الله تصبّ عليها النقمة والعذاب، أفرادا وجماعات، وأمما وشعوبات وهي لا تعتبر ولا تفيق!”.(1)
وماذا عن الخنـزير؟!
ثانيا: يكفي أن نتذكر تحذيرات القرآن الكريم من الخنـزير وأكل لحمه:
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنـزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾(البقرة:173)، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾(المائدة:3)، ﴿إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾(الأنعام:145).
“والميتة تأباها النفس السليمة وكذلك الدم. فضلاً على ما أثبته الطب -بعد فترة طويلة من تحريم القرآن والتوراة قبله بإذن الله- من تجمع الميكروبات والمواد الضارة في الميتة وفي الدم.. فأما الخنـزير فيجادل فيه الآن قوم. والخنـزير بذاته منفر للطبع النظيف القويم. ومع هذا فقد حرمه الله منذ ذلك الأمد الطويل ليكشف علم الناس منذ قليل أن في لحمه ودمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة (الدودة الشريطية وبويضاتها المتكيّسة). ويقول الآن قوم: إن وسائل الطهو الحديثة قد تقدمت، فلم تعد هذه الديدان وبويضاتها مصدر خطر، لأن إبادتها مضمونة بالحرارة العالية التي توفرها وسائل الطهو الحديثة. وينسى هؤلاء الناس أن علمهم قد احتاج إلى قرون طويلة ليكشف آفة واحدة. فمن الذي يجزم بأن ليس هناك آفات أخرى في لحم الخنـزير لم يكشف بعد عنها؟ أفلا تستحق الشريعة التي سبقت هذا العلم البشري بعشرات القرون أن نثق بها وندع كلمة الفصل لها، ونحرّم ما حرمت ونحلل ما حللت، وهي من لدن حكيم خبير؟”.(2)
وها هو العالم يشهد اليوم إعدام مئات الآلاف من الخنازير تجنبا للأنفلونزا التي يحملونها، والتي أعلن عنها وباءً عالميا!..
ثالثا: ويكفي أن نتذكر -كذلك- تحجيم القرآن لظاهرة شرب الخمر ثم تحريمها بشكل قاطع:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾(البقرة:219)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾(النساء:43)، ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (المائدة:90-91).
إن مفاسدها -إذن- كثيرة متشعبة لا يتسع مقال كهذا للخوض في تفاصيلها، ويكفي أنها رجس من عمل الشيطان، لكي يتجنبها الإنسان بفطرته السليمة.. ثم ها هي إحدى الكشوف الحديثة تشير إلى أنها أحد الأسباب المؤكدة لواحد من أكثر الأمراض خطورة وفتكا: السرطان.
رابعا: أما الختان الذي يقي هو الآخر من أحد أنماط السرطان، فأمره مؤكد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقاليد المسلمين على مدار الأماكن والأزمان.
وهي ليست خاتمة المطاف
هذه الوقائع الأربع التي ألمح إليها هذا المقال ليست خاتمة المطاف ولا نهاية التاريخ.. فعبر القرون الأربعة عشر تكشفت بقوة الفكر البشري والبحث العلمي ومعطيات الواقع، عشرات الحقائق ومئاتها في شتى مفاصل الكون والعالم والطبيعة والنفس الإنسانية والجسد البشري.. وقرون أخرى ستمضي لكي تتكشف حقائق أخرى.. وهي في الحالتين تجيء مطابقة لما سبق وأن أشار القرآن إليه وأكد عليه.
فقبالة الآية المدهشة: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾(يونس:39). والآية المعجزة ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾(فصلت:53)، يقف المرء خاشعا أمام الجلال الإلهي الذي يهيمن على الكون والحياة، ويحكي عن تكوينهما وصيرورتهما ومصائرهما، فإذا بهذا الذي يقوله كتاب الله يتوافق بشكل مدهش مع معطيات العقل البشري وكشوف العلم الحديث وخبرات الواقع المشهود.
محاولات خائبة وأخرى مضادة
ومن عجب أن محاولات موصولة بذلت في الاتجاه المعاكس الذي يستهدف إلغاء الحضور الإلهي في الكون والحياة ونفيه.. فماذا كانت النتيجة؟
خمسون عاما من الجهد اللافح في المعاهد والمختبرات العلمية السوفياتية لتمكين الإنسان من بعث الحياة في المادة العضوية (الطين اللازب)، خرج علماء الحياة بعدها وهم ينفضون أيديهم ويعلنون عن فشلهم الحاسم.
ومن قبلهم كان “ماركس” و”انغلز” قد صاغا في “المادية الديالكتيكية” نظرية المتغيرات الكمية التي تتحول إلى متغيرات نوعية بعيدا عن تدخل قوة أو إرادة فوقية، والتي جاءت المعطيات العلمية الأكثر حداثة لكي تبيّن تهافتها وعجزها، و”سخفها الطائش” إذا استعملنا عبارة سوليفان في “حدود العالم”.
وفي المقابل يقوم البروفيسور البريطاني “هويل” بمشاركة بروفسور هندي في جامعة كارديف في إنكلترا، بمحاولة استغرقت عشرين عاما لفحص إمكان تخلّق الحياة في موات الوحل (Primeval Soup) فيما أسمياه محاولة التخلّق في الفراغ (Evolution from Space)، وقالا بأنهما بدآ المحاولة بعقلية الحادية صرفة، وأن الفكرة السائدة يومها هي أن تحقيق التخلّق المذكور هو بنسبة واحد إلى عشرة في أفضل الاحتمالات. ولكنهما وجدا في نهاية المطاف أن النسبة تضاعفت وفق أرقام فلكية، وأصبحت واحدا أمامه عشرة أمامها أربعين ألف صفر.. أي إن التخلّق بدون إرادة فوقية مستحيل.. مستحيل.. فما كان منهما إلا أن يختما بحثهما بفصل يحمل عنوان الله (God).
وما هي إلا علامات على الطريق
والحديث يطول، ومكتبة العلم والإيمان تتلقى يوما بعد يوم سيلا من البحوث والدراسات والمؤلفات، بعضها يؤكد بعشرات الشواهد العلمية إبداعية الله سبحانه في الخلق، فيما محّض له القرآن مساحات واسعة..
بعضها الآخر يؤكد وحدة الصنع فوحدانية الصانع، فيما أشار إليه القرآن في عشرات المقاطع والآيات..
فئة ثالثة تحكي عن ذلك التطابق المدهش بين ما سبق وأن نصّ عليه القرآن، وبين الكشوف العلمية في أكثر معطياتها حداثة.
إن تحذير القرآن الكريم من الربا والخمر وأكل لحم الخنـزير، وتأكيد السنة النبوية على الختان.. إن هي إلا مجرد شواهد وعلامات على الطريق.. وهناك غيرها العشرات والمئات..
ـــــــــــ
الهوامش
(1) في ظلال القرآن، لسيد قطب، الطبعة السابعة والثلاثون، دار الشروق، القاهرة-1973م، جزء 3، ص:318.
(2) المصدر نفسه، جزء 3، ص:156.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.