إلى أي حد ساهم الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في خدمة القرآن الكريم؟ وأين تجلت ملامح الأسلوب القرآني في كتاباته؟ وهل نجح الإمام النورسي في إيصال الرسالة القرآنية إلى المسلمين في تركيا وغيرها من البلاد الإسلامية؟

لقد ترك النورسي -رحمه الله- تراثًا ضخمًا وغنيًّا للأمة الإسلامية، تَمثَّل في رسائل النور التي عكست نورانية مؤلفها وتميزه في صياغة الألفاظ وإجادة المعاني، ويتضح ذلك في أسلوبه العذب المستمد من أصالة القرآن الكريم. كيف لا وهو الذي نهل من معين هذا الكتاب الرباني الخالد، وتعلم من أسلوبه الفريد، وفهم معانيه الإيمانية.

وإذا تتبعنا ما كتبه الإمام النورسي في رسائله النورانية، لا شك أننا سنكتشف دقة ألفاظه، ووضوح مبتغاه من رسائله التي جمعها، والتي ركز فيها على بيان الحقائق الإيمانية في القرآن الكريم، وترسيخها في نفوس المسلمين. وهذا ما نلمسه جليًّا، حينما نقرأ عن بعض الصور الفنية في القرآن الكريم التي وظفها الإمام النورسي في رسائله، ولعل أول ما نلحظه من سمات تميز أسلوب النورسي في تناوله للقرآن الكريم، هو براعته في تعريف هذا الكتاب الكريم.

يقول رحمه الله تعالى: فإن قلت: القرآن ما هو؟ قيل لك: “هو الترجمة الأزلية لهذه الكائنات، والترجمان الأبدي لألسنتها التاليات للآيات التكوينية، ومفسر كتاب العالم. وكذا هو كشاف لمخفيات كنوز الأسماء المستترة في صحائف السماوات والأرض. وكذا هو مفتاح الحقائق والشؤون المضمرة في سطور الحادثات. وكذا هو لسان الغيب في عالم الشهادة. وكذا هو خزينة المخاطبات الأزلية السبحانية، والالتفاتات الأبدية الرحمانية. وكذا هو أساس وهندسة وشمس لهذا العالم المعنوي الإسلامي. وكذا هو خريطة للعالم الأخروي. وكذا هو قول شارح، وتفسير واضح، وبرهان قاطع، وترجمان ساطع لذات الله وصفاته وأسمائه وشؤونه.

وكذا هو مربّ للعالم الإنساني. وكالماء وكالضياء للإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية. وكذا هو الحكمة الحقيقية لنوع البشر، وهو المرشد الهادي إلى ما خُلق البشر له. وكذا هو للإنسان: كما أنه كتاب شريعة كذلك كتاب حكمة، وكما أنه كتاب دعاء وعبودية كذلك هو كتاب أمر ودعوة، وكما أنه كتاب ذكر كذلك هو كتاب فكر.

وكما أنه كتاب واحد لكن فيه كتب كثيرة في مقابلة جميع حاجات الإنسان المعنوية. كذلك هو كمنزل مقدس مشحون بالكتب والرسائل؛ حتى إنه أبرز لمشرب كل واحد من أهل المشارب المختلفة، ولمسلك كل واحد من أهل المسالك المتباينة من الأولياء والصديقين، ومن العرفاء والمحققين؛ رسالة لائقة لمذاق ذلك المشرب وتنويره، ولمساق ذلك المسلك وتصويره، حتى كأنه مجموعة الرسائل”.

إنها عبارات دالة على الذوق الجمالي الذي يميز كتابات بديع الزمان سعيد النورسي، والإشارات الإيمانية التي فهمها من النص القرآني.

ويتضمن هذا التعريف إلهام ثلاثة مقاطع معنوية كبرى، كل مقطع منها مؤلف من إشارات تعريفية مختلفة، بيد أنها تشكل بمجموعها -ضمن كل مقطع- وحدة موضوعية متكاملة. وهذه الوحدات الثلاث، هي:

1- كونية القرآن الكريم: وتبتدئ من قوله في البداية: “هو الترجمة الأزلية لهذه الكائنات”، إلى قوله: “وترجمان ساطع لذات الله وصفاته وأسمائه وشؤونه”.

2- رسالية القرآن الكريم وغايته التعبدية: وتبتدئ من قوله بعد: “وكذا هو مرب للعالم الإنساني”، إلى قوله: “كذلك هو كتاب فكر”.

3- عرضه الكثرة من عين الوحدة: وتبتدئ من قوله: “وكما أنه كتاب واحد، لكن فيه كتب كثيرة”، إلى قوله في نهاية التعريف: “حتى كأنه مجموعة الرسائل”.

إلا أن هذه الوحدات الثلاث، ناطقة جميعها بجملة واحدة هي جوهر التعريف، وعنها صدر كل هذا التوصيف للقرآن الكريم؛ هذه الجملة هي أن “القرآن كلام الله رب العالمين”. فهذه الجملة المعنوية الكبرى، هي أم الوحدات الثلاث المذكورة. وإنما قال النورسي ما قاله فيها من عبارات تعريفية ذوقية؛ انبهارًا بهذه الحقيقة الوجودية العظمى: “كلام الله”، وهو ما صرح به النورسي في مواطن عديدة من رسائل النور.

لا شك أن النورسي، تناول مجموعة من المواضيع التي وردت في القرآن الكريم بالدرس والتحليل، وقد لا يتسع المجال لذكرها كلها، إلا أنني أكتفي بذكر بعض منها، ومن ذلك:

تميز أسلوب بديع الزمان سعيد النورسي باستخدامه أسلوب التكرار. وهو يريد بهذا، إبلاغ خطابه الإيماني وتثبيته في قلوب المؤمنين. ويبيّن الحكمة من وراء ذلك حينما  يقول: “لقد طالعتُ الرسائل المرسلة إلينا، فرأيتُ أن عددًا من الحقائق قد تكررت لمناسبة المقام. إذ تكررت تلك الرسائل دون إرادتي، بل خلاف رغبتي واختياري. فتضايقت من النسيان الذي اعترى ذاكرتي، وفجأة ورد إلى القلب هذا التنبيه: انظر إلى ختام الكلمة التاسعة عشرة، فنظرتُ إليه، وهو يتناول بيان الحِكم الجميلة للتكرارات الواردة في القرآن الكريم. فهذه الحِكم تظهر أيضًا في رسائل النور التي هي تفسير حقيقي للقرآن الكريم. فرأيت أن تلك التكرارات منسجمة تمامًا مع تلك الحِكم، بل هي ضرورية أيضًا”.

لا شك أن اعتماد الإمام سعيد النورسي أسلوب التكرار، كان بسبب الخوف من النسيان الذي يعتري ذاكرته، وربما أن التكرار يفيد في تثبيت الكلمات في ذهن القارئ، والتكرار يساعد على التذكير حين الغفلة، وتقرير الحقائق الإيمانية في القلوب.

ويجد الناظر في كليات رسائل النور، أن مؤلفها يجنح إلى التكرار في كثير من المواضع. ولهذا المنهج مسوغات نفسية وموضوعية قادته إلى اصطناع هذا المذهب في الكتابة؛ فبعض رسائله كُتبت في ظروف الحرب العالمية الأولى وهو في جبهات القتال، وبعضها الآخر أُنجز في حالات من العرفان الصوفي، فضلاً عن أن حجم رسائل النور بلغ مئة وثلاثين رسالة. فكيف لكاتب -مهما علا كعبه وسما نجمه- أن يتقيد بأصول الكتابة الصارمة في ظروف لا تساعد على ضبط مسلك التحرير والتقييد وتتحكم في مسارات التأليف؟

ولعل عين الإنصاف ترى أن مذهب النورسي في الكتابة، جاء استجابة لملابسات المرحلة التاريخية التي عاشها وشارك فيها بآمالها وآلامها؛ شحذت همته، وصقلت أسلوبه. ثم إن معاودة النظر ومراجعة الرسائل، كانت بدافع ملاحظات طلابه ومريديه الذين أحسّوا إحساسًا صادقًا بأن الرسائل لم تبلغ الغاية من الإتقان والإبداع، وهو شعور كل قارئ خَفِيت عليه الحكمة من التكرار كما تخفى أسرار التكرار ولطائفه في أسلوب القرآن الكريم.

وفي كتابه “إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز”، يبين بديع الزمان سعيد النورسي روعة الإعجاز القرآني، متبنيًا نظرية النظم، ومطبقًا لها من خلال هذا الكتاب الذي ضمنه تفسيره المتميز لآيات القرآن الكريم حيث بدت سمات الإبداع البياني فيه. ويقول النورسي مبينًا مقصده من هذا التفسير: “إن مقصدنا من هذه الإشارات، تفسير جملة من رموز نظم القرآن، لأن الإعجاز يتجلى من نظمه، وما الإعجاز الزاهر إلا نقش النظم”.

ويزيد قوله: “إن المقاصد الأساسية من القرآن وعناصره الأصلية أربعة: التوحيد، والنبوة، والحشر، والعدالة؛ لأنه لما كان بنو آدم كركب وقافلة متسلسلة راحلة من أودية الماضي وبلاده، سافرة في صحراء الوجود والحياة، ذاهبة إلى شواهق الاستقبال، متوجهة إلى جناته، فتهتز بهم المناسبات وتتوجه إليهم الكائنات. كأنه أرسلت حكومة الخلقة فن الحكمة مستنطقًا وسائلاً منهم بـ”يا بني آدم! من أين؟ إلى أين؟ ما تصنعون؟ مَن سلطانكم؟ من خطيبكم؟”.

إن تفسير القرآن عند بديع الزمان سعيد النورسي، له من الميزات والخصائص التي تميزه عن غيره من التفاسير التي وضعها المفسرون المسلمون من قبله أو من بعده؛ من ضمنها أنه اعتمد نظرية النظم، وطبقها في تفسيره تطبيقًَا وافيًا، إذ يضفي عليها نسمات إيمانية فريدة. كما أنه يربط معاني القرآن الكريم بوظيفة المؤمن الحقيقية في الوجود، التي يجب أن يعيها ويعيشها، وأن الرسالة القرآنية هي صلة وصل بين المؤمن وربه . وهذه العلاقة الربانية، من شأنها أن تغرس في نفس المؤمن عظمة كلام الله تعالى، وأنه هو المقصود بهذا الخطاب الرباني. كما أننا نلمس الأثر البارز لهذا التفسير من الناحية الأدبية، في عمق القراءة اللغوية التي يستنبطها النورسي من سور القرآن الكريم، حيث نجده يعلل ورود بعض الحروف والكلمات في هذه السور، وعلاقة ذلك بالمعاني المستخلصة منها.

يقول النورسي في هذا الباب: وجه النظم مع ما قبله، أي مع قوله “بسم الله الرحمن الرحيم”: أن “الرحمن” و”الرحيم” لما دلّتا على النِعَم، استوجبتا تعقيب “الحمد”، ثم أن “الحمد لله” قد كُرِّرت في أربع سُوَرٍ من القرآن -وهي سور الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر- كل واحدة منها ناظرة إلى نعمة من النعم الأساسية، التي هي النشأة الأولى والبقاء فيها، والنشأة الأخرى والبقاء بعدها.

“لله”؛ أيْ الحمد مختص ومستحق للذات الأقدس المشخص الذي يُلاحَظ بمفهوم “الواجب الوجود”، إذ قد يلاحظ المشخص بأمر عام، وهذه “اللام” متعلقة بمعنى نفسها، كأنها تشربت معنى متعلقها، وفي “اللام” إشارة إلى الإخلاص والتوحيد.

“رَبِّ”؛ أي الذي يربّي العالم بجميع أجزائه التي كلٌّ منها كالعالم عالَم؛ وذرَّاته -كنجومه- متفرِّقةٌ متحرِّكة بالانتظام.

واعلم! أن الله عز وجل عيّن لكل شيء نقطةَ كمالٍ وأودع فيه ميلاً إليها، كأنه أمَره أمرًا معنويًّا أن يتحرك به إليها، وفي سفره يحتاج إلى ما يُمدُّه ودفع ما يَعوقه، وذلك بتربيته عز وجل لو تأملت في الكائنات لرأيتها كبني آدم طوائف وقبائل؛ يشتغل كلٌّ منفردًا ومجتمعًا بوظيفته التي عيَّنها له صانعُه، ساعيًا مُجدًّا مطيعًا لقانون خالقه، فما أعجب الإنسان كيف يشذّ!

“العالمين”؛ الياء والنون إما علامة للإعراب فقط كـ”عشرين وثلاثين”، أو للجمعية؛ لأن أجزاء العالم عَوالم، أو العالمُ ليس منحصرًا في المنظومة الشمسية. قال الشاعر: الحمد لله كم لله من فلك تجري النجوم به والشمس والقمر.. وهكذا إلى آخر تفسير سورة الفاتحة.

لقد كرس بديع الزمان سعيد النورسي حياته للقيام بمشروعٍ سمّاه “إنقاذ الإيمان وخدمة القرآن”. ويقوم المشروع على تحويل إيمان الناس من مجرد إيمان تقليدي موروث، إلى إيمان تحقيقي مشهود. كما يقوم مشروعه في شقه الآخر، على تبيان “حقائق” القرآن للناس، وأبرزها التوحيد والنبوة والحشر.

ومن أقواله في هذا الموضوع: “لا يدخل المرء الجنة بطريقته، هذا عصر الإيمان لا الطريقة”.

لقد حمل العالم الرباني سعيد النورسي -رحمه الله- الرسالة القرآنية بصدق وإخلاص، ودافع عنها يوم تعرض القرآن للهجمة الشرسة؛ حين صرح وزير المستعمرات البريطاني “غلادستون” قائلاً لعموم النواب البريطانيين: “ما دام القرآن بِيَد المسلمين، فلن نستطيع أن نحكمهم، لذلك فلا مناص لنا من أن نزيله من الوجود أو نقطع صلة المسلمين به”.

هذه العبارات زعزعت كيان الإمام بديع الزمان النورسي، فانتفض قائلاً: “لأبرهنن للعالم كله، بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاء نورها”.

وبالفعل، نهض هذا العالِم الرباني بهذه المهمة قدر جهده ووفق ظروف عصره وبيئته التي عاش فيها رغم قلة الوسائل، ومع ذلك استطاع أن يبلغ رسائله إلى العالم الإسلامي بعد أن انتشرت في أرجاء تركيا، وتتلمذ على يده كثير من الطلبة داخل وخارج تركيا. ونحن نرى -بحمد الله- هذه الصحوة الإسلامية المجيدة التي تشهدها بلاد المسلمين، وتزداد أعداد المقبلين على القرآن الكريم تلاوة وحفظًا ومدارسة، وهو وعد إلهي حفظه لهذه الأمة المحمدية قائلاً سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(الحجر:9).

هذه إذن أمثلة مختصرة تبين ألمعية الإمام بديع الزمان سعيد النورسي -رحمه الله- في خدمة كتاب الله تعالى، وتبرهن للقارئ مدى موسوعية هذا العالم الرباني الذي نبغ في العلوم الشرعية والكونية معًا. ولعله بهذا المسار الذي اختاره لنفسه، يرسل لنا رسالة مفادها؛ أن علينا حمل رسالة القرآن للعالمين، وأن علينا فهم هذه الرسالة فهمًا عميقًا، وإدراك معالمها وشموليتها للناس أجمعين.

 

(*) كاتب وباحث مغربي.

المراجع

(1) كليات رسائل النور، لبديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار النيل للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.