إن المتأمل في رسائل النور، المتمعن في مضامينها ومقاصدها، يجد أنها حقا رسائل نور، فهي تفيض بمعاني النور، وتتدفق فيها أفكار النور، وتشقق منها سيول الهدى، وتنساب منها فيوض الندى. إنك إذا قرأتها في نسقها العام، ونظرت إليها وهي في منظومتها الشاملة المتكاملة، أدركت أنها قد نبعت من قلب متفجر بالإيمان، متشبع بالقرآن، وعلمت أنها قد سالت من فكر شمولي عميق، قوامه السعة والتنوع وقوة التحليل والتعليل. إنك إذا قرأت رسائل النور وأمعنت النظر في فقراتها وفتحت البصيرة في محتوياتها رأيت رأي العين من خلالها سعيد النورسي القديم والجديد وما بعد ذلك، وأيقنت أنه بجانبك يحاورك ويناجيك، ويلقي عليك بخالص ذهبه، ولباب أدبه، ويحبك لك بِبالغ نصائحه، ويسبك لك أجود مواعظه، ويصوغ لك لآلئ فكره، وحلال سحره، ولم يسعك أمام ذلك كله إلا أن تنحني إجلالا، وتطأطئ رأسك امتثالا، وتقف إكبارا لهذا الرجل الرباني الذي يحق لنا أن نصفه بأنه المجدد المصلح المربي القدوة الإمام الذي وهب قلبه وعقله لعصره، ووقف حياته لدينه، وبذل رحيق عمره للدعوة والتربية وبناء الأجيال المسلمة المؤمنة، وتقديم مادة الإسلام لهم ينبوعا صافيا، ودواء شافيا من أسقام الأوهام الفكرية، وعلل الاختلالات التي ابتلتهم بها الحياة المعاصرة وما حملته من شظايا المدنية الغربية، وما رشحت به من رذاذ حمأتها الآسنة.
إن رسائل النور في الحقيقة لا يدرك قيمتها ولا يذوق حلاوتها ولا يقدرها حق قدرها إلا الذين عايشوها وتلقوها مباشرة من معينها الصافي، ومنبعها الرقراق، وكانوا رجالها وناسها، فيهم حُررت، وفي وقائعهم كُتبت، وبأيديهم نُسخت ووُزعت، وفي بيوتهم ومجالسهم قُرئت. فهم أسباب ورودها، وعناصر مادتها ومقومات محتوياتها. ومن ثم فإن قارءَها يجب أن يستحضر ذلك كله حتى تفهم حق الفهم. يجب أن يقرأها القارئ وقد أخذ حظه من معرفة ملابساتها الزمانية والمكانية والإنسانية. يجب أن يقرأها القارئ وقد أخذ زاده من معرفة أصولها ومصادرها ومدرستها ومنهاجها، وتعرف على محررها ورائدها وقائدها وموقد نورها الشيخ العالم الرباني بديع الزمان سعيد النورسي الذي نحتها من ذاته، وفجر ينابيعها في قلبه الوضاء، وأوقد مصباحها من فكره الثاقب وبصيرته الساطعة. لا بد لقارئ رسائل النور أن يستعين في فهمها وفقه مضامينها بالتعرف على حياة هذا الرجل الإمام وفكره وجهاده وفلسفته في الدعوة والتربية والبناء والتغيير، ومنهجه في خطاب العقل والقلب، وطريقته في مناظرة الأقربين ومحاورة الأبعدين.
إن رسائل النور مدرسة قائمة بذاتها، لها أسسها المحكمة، ومعالمها الواضحة، ومنهاجها التربوي البين. إنها مدرسة مبنية على ركنين مضمنين في رسمها نفسه المركب تركيبا إضافيا “رسائل النور”.
فالركن الأول النور. ومعنى ذلك أن تراث النورسي ورصيده الفكري، وأعماله العلمية التي بين أيدينا، كل ذلك قائم على أساس صياغة أفكار الهدى ومضامين النور المستمدة من أصول الإسلام والقرآن والسنة. نعم إن تراث النورسي هو اقتباس من نور القرآن وإشراقة السنة، فهو نور على نور ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُّورٍ﴾(النور:40). وهذا التفسير لا يتنافى مع ما ذكره النورسي في تعليل تسمية أعماله بـ”رسائل النور” من قوله في كتاب الملاحق: “إن سبب إطلاق اسم رسائل النور على مجموع الكلمات وهي ثلاث وثلاثون كلمة، والمكتوبات وهي ثلاثة وثلاثون مكتوبا، واللمعات وهي إحدى وثلاثون لمعة، والشعاعات وهي ثلاثة عشر شعاعا، هو أن كلمة النور جابهتني في كل مكان طوال حياتي، منها:
– قريتي اسمها نورس
– اسم والدتي المرحومة: نورية
– اسم أستاذي في الطريقة النقشبندية: سيد نور محمد
– وأحد أساتذتي في الطريقة القادرية: نورالدين
– وأحد أساتذتي في القرآن: نوري
– وأكثر ما يوضح كتبي وينورها هو التمثيلات النورية.
– وأكثر ما حل مشكلاتي في الحقائق الإلهية هو اسم “النور” من الأسماء الحسنى.
– ولشدة شوقي نحو القرآن، وانحصار خدمتي فيه، فإن إمامي الخاص هو سيدنا عثمان ذو النورين رضي الله عنه”.(1)
وأقول: هذا لا يتنافى مع التفسير العام الذي ذكرت، والتعليل الكلي الذي بينت، بل إنه يبينه ويؤكده ويقرره، لأنه كان يستحضر كلمة النور ودلالاتها ومقاصدها وأسرارها التي جابهته فيها كلمة النور. فالذي يعنينا نحن الآن هو النظر إلى رسائل النور بعد صياغتها وتحريرها، وتقويمها في ضوء مضمونها ومنهجها وآثارها التربوية الإيمانية. فهي من هذه الجهة العامة تحمل قيم النور وفكرته وسره وإشعاعه. وحتى أسماء بعض مجموعات الرسائل جاءت مطبوعة بذلك دالة عليه، مثل اللمعات، الشعاعات، صيقل الإسلام…الخ.
والركن الثاني الرسائل. ومعنى ذلك أن هذه الأعمال العلمية تحمل رسالة لأبناء الإسلام ورجاله ونسائه وشبابه. فهي أعمال ومحررات ليس المقصود منها هو مجرد المعلومات والمتعة الفكرية، بل إنها أعمال رسالية توجيهية تربوية وظيفية. القصد منها إيصال المضامين الإسلامية حية إلى العقل، وإرسال المعاني الإيمانية الناصعة إلى القلب، وتوجيه المقاصد والأسرار القرآنية إلى النفس والوجدان والشعور.
وإذن فتراث الأستاذ النورسي بناء شامخ سامق، قائم على ترجمة نور الإسلام وهدى القرآن إلى رسائل ومكتوبات ومحررات وظيفية رسالية، يمكن أن تُتخذ نبراسا في الحياة، ودليلا مرشدا على السير في دربها. وهاهنا يكمن جمال هذه الرسائل، وتظهر روعتها. إن جمالها في نوريتها ورساليتها. إن جمالها في مضمونها ومقاصدها ودلالاتها التربوية الإيمانية.
فما هي أصول هذه الجمالية؟ إن الجواب عن ذلك هوكالآتي:
أصول جمالية رسائل النور
إن جمالية رسائل النور نابعة من جودة مضمونها العلمي. وجودة مضمونها العلمي قائمة على أصول كثيرة كان الأستاذ النورسي راسخا فيها، مشبعا بمادتها، متفيئا في ظلالها، ويمكن إجمالها في الأمور الآتية:
1. القرآن والسنة
إن الطابع العام الذي يطبع رسائل النور أنها رسائل مستمدة قوتها من القرآن، ومقتبسة أنوارها من القرآن، وآخذة ماءها ورونقها وحياتها من القرآن. فهي رسائل قرآنية استخلص الأستاذ النورسي مادتها ومقوماتها من القرآن الكريم الذي تشـبع بقيمه وحكمه ومضامينه، ورأى بنوره، وسار على هداه، وملأ به قلبه، وسرى تياره في وجدانه، فصار بذلك رجلا قرآنيا يفكر بالقرآن، ويكتب بالقرآن، ويعلم بالقرآن. لقد جاء في كتاب الملاحق هذا التصوير لرسائل النور:
“إن رسائل النور برهان باهر للقرآن الكريم، وتفسير قيم له، وهي لمعة براقة من لمعات إعجازه المعنوي، ورشحة من رشحات ذلك البحر، وشعاع من تلك الشمس، وحقيقة ملهمة من كنز علم الحقيقة، وترجمة معنوية نابعة من فيوضاته.
إن رسائل النور ليست كالمؤلفات الأخرى التي تستقي معلوماتها من مصادر متعددة من العلوم والفنون. فلا مصدر لها سوى القرآن، ولا أستاذ لها إلا القرآن، ولا ترجع إلا إلى القرآن، ولم يكن عند المؤلف أي كتاب آخر حين تأليفها. فهي ملهمة مباشرة من فيض القرآن الكريم، وتنزل من سماء القرآن ومن نجوم آياته الكريمة«.(2)
وجاء في نفس الكتاب أيضا:
“إن رسائل النور كذلك ليست نورا مقتبسا وبضاعة مأخوذة من معلومات الشرق وعلومه، ولا من فلسفة الغرب وفنونه، بل هي مقتبسة من العرش الرفيع السماوي لمرتبة القرآن الكريم الذي يسمو على الشرق والغرب. فرسائل النور التي هي ضياء معنوي، وعلم في منتهى العلو والعمق معا، لا تحتاج دراستها والتهيؤ لها إلى تكلف، ولا داعي لأساتذة آخرين لتعلمها، ولا الاقتباس من أفواه المدرّسين، حيث إن كل شخص يفهم حسب درجته تلك العلوم العالية دونما حاجة إلى إشعال نار المشقة والتعب للحصول عليها، فيفيد نفسه بنفسه، وربما يكون عالما محققا”.(3)
وهذه الخاصية في رسائل النور المشار إليها في الفقرة الأخيرة من هذا الكلام، هي أيضا مقتبسة من القرآن الكريم. فالقرآن لا يحتاج الآخذ منه إلى تكلف ولا إلى أستاذ أو مدرس، بل يكفيه الإقبال الصادق عليه، والتدبر الجاد في آياته، والنظر الواعي في بصائره. فكل من أخذ بهذه الأسباب نال حظه من كنوز القرآن، يصدق ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: 17 و 22 و 32 و 40).
والفكر القرآني عند النورسي معزز بالسنة، ومدعم بتفسيرها وبيانها. يقول في توضيحه لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ (آل عمران:31) تعلن هذه الآية العظيمة إعلانا قاطعا عن مدى أهمية اتباع السنة النبوية ومدى ضرورتها:
“نعم إن هذه الآية الكريمة أقوى قياس وأثبته من قسم القياس الاستثنائي ضمن المقاييس المنطقية، إذ يرد فيه على وجه المثال: “إذا طلعت الشمس فسيكون النهار”، ويرد مثالا للنتيجة الإيجابية: “طلعت الشمس فالنهار إذن موجود”، ويرد مثلا للنتيجة السلبية: “لا نهار فالشمس إذن لم تطلع”. فهاتان النتيجتان -الإيجابية والسلبية- ثابتتان وقاطعتان في المنطق، وكذلك الأمر في الآية الكريمة، فنقول: إن كان لديكم محبة الله فلا بد من الاتباع لحبيب الله، وإن لم يكن هناك اتباع فليس لديكم إذن محبة الله، إذ لو كانت هناك محبة حقا فإنها تولد حتما اتباع السنة الشريفة لحبيب الله”.(4)
2. العلوم الشرعية وغيرها
الناظر في رسائل النور لا يسعه إلا أن يدرك غزارة مضمونها العلمي. وقارئها الفاحص المتمعن يجدها حافلة بالمادة العلمية، قوية الإفادة، عظيمة النفع. ومرد ذلك إلى ضلاعة صاحبها النورسي بالعلوم الشرعية واللغوية والعقلية، وتبحره في مباحثها وقواعدها. فالقرآن الكريم هو أستاذه الأول، ومدرسته الأولى؛ والسنة النبوية هي منهاجه الذي سار عليه في حياته ورسائله. وقد أودع في رسائله مكنون فهومه لآيات القرآن وكنوزه ومعارفه التي استمدها منه مستعينا بما لديه من حصيلة واسعة في علوم القرآن التي هي مفاتيح معانيه وأحكامه وقيمه. كما أودع فيها جواهر فهمه المشرق للأحاديث النبوية مستعينا بما يملكه من قواعد فقه الحديث وعلومه التي هي مفاتيح لمضامينه ودلالاته الشرعية والتربوية.
وإلى جانب علوم القرآن والسنة فقد أودع النورسي في رسائله مئات المسائل والفوائد في علم التوحيد والفقه وأصوله والمنطق والبلاغة والفلسفة والتاريخ والأدب واللغة… وغيرها من العلوم والفنون، وألوان الثقافة الشرعية والفكر الإسلامي. ومن ثم كانت هذه الموسوعة العلمية أصلا آخر لجمالية المضمون العلمي عند النورسي ينضاف إلى القرآن والسنة من حيث مادتها. فكما أن رسائل النور قوامها القرآن، ومنهاجها السنة، فكذلك جاءت ترشح بمختلف العلوم والفنون وأصناف الثقافة التي اســتقاها من مادة الإسلام وفكرته، وصاغها صياغة حية محركة موجهة.
3. القيم الإسلامية
إن استفادة النورسي من العلوم الشرعية والعقلية واللغوية وتوظيفه إياها في رسائله، لم تكن من قبيل العلم للعلم، ولا من باب الفن للفن، بل كان ذلك من باب خدمة الدين وإذكاء روح الإيمان، وأداء رسالة الإسلام. لقد كتب النورسي رسائله وحررها مفعمة بأخلاق الإسلام، مشبعة بقيمه ومكارمه، حافلة بفضائله. لقد جاءت رسائل النور تحمل لواء أخلاق الإسلام، وتصوغ قيمه في فقراتها الناصعة، وتترجم لقرائها مبادئه ومثله العليا في لغة حية وأسلوب محرك مؤثر. فكان هذا أصلا من أصول جمالها الفكري وروعتها المضمونية، يتكامل مع سابقه، ويسير معه جنبا إلى جنب. والعلم والأخلاق ما اجتمعا في شيء إلا زاناه وجملاه، بل إن العلم في ميزان القرآن لا ينفك عن ثمرته التي هي الأخلاق والفضائل. فالعلم الحق بميزان القرآن هو الذي يقود إلى قيم الخير، ويجر إلى فضائل الأعمال ومحاسن السلوك، يصدق ذلك قول الله تعالى في معرض المقارنة بين الصالح المستقيم وعكسه: ﴿أَمَّنْ هُو قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر:9).
4. الربانية
إذا كانت الأخلاق هي ثمرة العلم النافع، وأن كلا منهما أصل من أصول جمالية المضمون العلمي لرسائل النور. فإن الأخلاق ثمرثها الربانية؛ فتمثل أخلاق الإسلام وقيمه، والتزام فضائله، والتربية على مكارمه ينتج في الشخص الربانية ويورثه إياها. ولقد كان النورسي ربانيا، وأستاذا في الربانية، ومعلما للربانية، وداعيا إلى الربانية، وجاءت رسائله مطبوعة بطابع الربانية. وقد تعلم هذه الربانية من القرآن الكريم، واكتسبها منه، متمثلا في ذلك قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ الله الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِن دُونِ الله وَلَـكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79). وبهذا كانت ربانية النورسي التي ترشح بها رسائله أصلا من أصول جمالها الفكري وبهائها العلمي. ومن القرآن استمدها واقتبس أنوارها.
5. الإيمان برسالة الإسلام
لقد كتب النورسي رسائله وأخرجها لطلاب النور انطلاقا من إيمانه برسالة الإسلام ويقينه بأنها الحق، وأن سبيلها هو سبيل الرشاد، وثقته بأن الجولة لها والعاقبة لأصحابها، قال يقرر ذلك:

“أعلن بلا تردد أن الذي دفعني وشجعني إلى مبارزة أفكار العصور الخوالي والتصدي للخيالات والأوهام التي تقوت واحتشدت منذ مئات السنين، إنما هو اعتقادي ويقيني بأن الحق سينمو نمو البذرة النابتة وإن تسترت تحت التراب، وأن أهله سينتصرون وإن كانوا قلة وضعفاء بظلم الأحوال. واعتقادي أن حقيقة الإسلام هي التي تسود قارات العالم وتستولي عليها. نعم إن الإسلام هو الذي سيعتلي عرش الحقائق والمعارف فلا يكشفها ولا يفتحها إلا الإسلام… الأمارات تبدو هكذا”.(5)
وبمثل هذه الثقة وهذا الإيمان جاءت رسائل النور صادقة اللهجة، جميلة المضمون، رفيعة المحتوى، نافعة هادية.
6. الثقة بالنفس
هذا الأصل متعلق بسابقه تعلق الثمرة بأمها، والنتيجة بمقدمتها، وذلك أن إيمان النورسي برسالة دينه، ولد فيه ثقته بنفسه، فكانت كل فقرة كتبها في رسائله، وكل جملة وكل كلمة تنبض بالصدق والقوة، وتنضح بالحرارة والجدية والتأثير في المخاطب. لقد اكتسب ثقته بنفسه من إيمانه برسالته. والثقة بالنفس مأتاها الثقة بالله عز وجل. ولقد كان النورسي واثقا بربه جل وعلا، واثقا بوعده الذي وعد به عباده من النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، وحاش لله تعالى أن يخلف وعده، لقد طبع بهذه الثقة كل كلمة من كلمات رسائله، فجاءت أجمل وأروع في مضمونها العلمي ومحتواها التربوي.
7. الصدق ونبع الكلام من القلب
من أصول جمال المضمون العلمي لرسائل النور صدق لهجتها، وانفلاق معانيها وخطابها من أعماق قلب صاحبها ومحررها. لقد كان صادقا في كل ما يكتبه، مؤمنا بكل ما يقوله ويحرره، وكان لسانه دليل قلبه، وقلمه رسول فكره، وظاهره مترجم باطنه، وصدق الكلام عنوان جماله.
8. غزارة الأفكار
لقد استفاد النورسي من كثرة العلوم التي درسها، وكثرة الكتب التي قرأها، فتكون لديه من ذلك فكر واسع ومعلومات غزيرة استطاع أن يجلو بها الحقائق ويعرض المفاهيم الإسلامية ويحرر المقولات العلمية. كما استطاع بها أن يجيب عن كل ما يعرض عليه من الأسئلة، ويحل ما يلقى إليه من المسائل والمشاكل. لقد كتب في علوم الدين، وفي الآداب، والاقتصاد والسياسة والتاريخ، وفي الفلسفة والمنطق وعلم الكلام… وغيرها من العلوم والفنون. وكل ذلك يكتبه بإتقان، ويحرره بإحسان… فكانت هذه الغزارة في أفكاره أصلا من أصول جمال المضمون العلمي في رسائله.
9. سعة الخبرة والحنكة وطول المباشرة
لقد جمع النورسي إلى جانب سعة علمه، وغزارة أفكاره، ولطيف شمائله مصدرا آخر اكتسبه من الحياة، هو خبرته الواسعة، وحنكته البعيدة، وطول مباشرته وتدبيره لشؤون طلابه وملازميه. فجاء ذلك واضحا في رسائله، بينا في فقراتها، مطبوعا في كلماتها، فزادهـا جمالا على جمال، ونورا على نور، حيث يستفيد منها قارئها العلم والعمل والخبرة والتجربة الحية التي تشخص العلم وتنـزله على أرض الواقع، وتيسر الانتفاع به في الحياة.
10. سلامة المنهج وجودته
إلى جانب ما تقدم من أمور المضمون العلمي لرسائل النور، فقد صيغ هذا المضمون وأفرغ في قالب جديد، ومنهج سديد، لم يتبع فيه النورسي طرق التأليف المعروفة، ولا مناحي الكتابة المألوفة، بل اعتمد طريقة فريدة وأسلوبا شيقا متميزا. فهو يعتمد التنويع في عرض الأفكار، والعمق في تحليلها، والسعة في ضرب الأمثال، والشمولية في بسط المضامين العلمية، والوظيفية في إيراد النصوص وسوقها، والتدرج بالقارئ من العام إلى الخاص ومن الخاص إلى العام، ومن الكل إلى الجزء ومن الجزء إلى الكل، ومن الأعلى إلى الأدنى ومن الأدنى إلى الأعلى. وهكذا صيغ مضمون الرسائل في منهج محكم لا يصدر إلا عن خبير متبصر متمرس. فكان هذا أصلا آخر من أصول جمال الفكر النورسي في رسائله.
تلك -إذن- عشرة كاملة من الأصول التي قام عليها جمال مضمون رسائل النور، وأمثلة ذلك وتطبيقاته ترشح به الرسائل، وتنطق صفحاتها وفقراتها وجملها، فارجع إلى حيث شئت من هذه الرسائل تجد ذلك أوضح وأجلى في سطورها، وأما ما وراء السطور فإنه أكثر وأقوى.
_________________
الهوامش
1. الملاحق، ملحق بارلا ص70-71.
2. الملاحق، ملحق قسطموني ص220-221.
3. الملاحق، ملحق قسطموني ص222-223.
4. السنة النبوية، مرقاة ومنهاج ص13-14.
5. صيقل الإسلام، محاكمات عقلية ص22-23.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.