كشفت دراسة أمريكية حديثة عن أن الأطفال الذين يولدون لآباء صم وبكم “يثرثرون” بأصابعهم لدى ولادتهم تعبيرا عن استعدادهـــم لتعلم لغة الإشارة بصورة أفضل من أقرانهم الذين ولدوا لآباء طبيعيين، رغم

أنهم يولدون بحاسة سمع قويــة وأيضًا قدرة طبيعية على التخاطب، ويرجــع الباحثون هذه الظاهرة إلى أن أبناء الصم والبكم يعتادون على تحريك أصابعهم منذ الولادة تقليدا لآبائهم الذين يعتمدون بشكل أساسي على لغـةالإشارة، عكس غيرهم من الأطفال العاديين الذين يتحدثون مع آبائهم بلغة الكلام ولغة الصُم ليست مجرد إشارات وإنما أحساس ومشاعر نبيلة يجب أن تتوافر في كل من يتعامل مع هذه الفئة التي تحيطها الأسرار، فمشكلة الصم وضعاف السمع تزداد عندما يجدون أنفسهم بعيدون عن المجتمع والناس، رغم أن أغلب الناطقين يستخدمون أحيانا نفس إشارات الصم للمساعدة في فهم منطوقهم من الكلام؛ أى أن كلاهما لديه وسيلــة مشتركة للإيضاح.

عندما تفتقر اللغة المنطوقة إلى قوة الإقناع، يلجأ الإنسان إلى استخدام لغة الإشارات بيديه أو تعابير وجهه وربما استعان بجسده ليروي حدثا أو يوصل معلومة محددة، فاليد هي الأبجدية والأصابع حروفها والحركة تكويناتها نحن البشر لانكتفي باللغات التي ورثناها أوالتي اكتسبناها بل نلوذ بالجسد ليمدنا بلغات مرئية تتراقص فيها المعاني وتلتوي أو تنفرد أو تتضام وتهبنا امكانات لاحدود لها في التواصل والاتصال.

ومن المعروف أن الشعوب ذات الثقافات الشفوية والشعوب ذات الطبيعة العاطفية والمنفتحة تبالغ في استخدام الإشارات للتعبير عن الانفعالات والمواقف، يقول البعض “كلما كان المجتمع متسمًا بالعقلانية والرصانة الفكرية تناقصت لديه إشارات الأيدي والتعابير المفرطة في الوجه والجسد”، ويمثل هذا النمط كثير من الشعوب الاسكندنافية وشعوب شمال أوروبا عادة، بينما يمثل سكان حوض البحر المتوسط: اليونانيون والايطاليون والأسبان والعرب والأتراك النمط الثاني الذي يبالغ في استخدام لغة الإشارة وتعابير الوجه.

هل فكرنا مرة كم من الإشارات نستخدم في أحاديثنا اليومية لدعم لغتنا؟ وهل نستطيع تخمين جنسية الشخص من خلال الإشارات التي يستخدمها حقا؟

في معزل عن المجتمع «مجتمع الأسوياء» يعيشون وهم يشعرون بالغربة أنهم الصم والبكم الذين تكونت من أجلهم جمعيات ومراكز مختلفة الهدف الأول لها هو أن ترعى الصم هو كيفية اندماج هؤلاء في المجتمع فهم أكثر رومانسية عندما يعشقون، ولديهم القدرة على التعبير عن مشاعرهم الفياضة التي يفهمها مترجموا الإشارات عن حياتهم ومشاكلهم وأسرارهم، هناك بعض الأفراد يتصور عند التعامل مع أحد الصم بأن قدرتهم على الفهم أقل من الإنسان العادي أو أن نسبة ذكائهم أقل من الإنسان العادي، إلا أن هناك نسبة كبيرة من الصم و ضعاف السمع تمتلك ذكاء حادًا وتتميز بالفراسة وليس كما يعتقد الكثير من الناس بأن تفكيرهم محدود، فقد أنعم الله عليهم بسرعة البديهة والفراسة لتعوضهم عن الحواس التي فقدوها.

لكن لابد من التفرقة بين أصحاب الإعاقة الذهنية التي تعني إخفاقًا في القدرة على الاستيعاب والفهم والذكاء، وبين الصم وضعاف السمع، إذ الكثير منهم لا يعانون من الإعاقة الذهنية، ولكن قد يبدو عليهم ذلك بسبب فقدان حاسة السمع والكلام، والدليل على ذلك أنهم عند المواقف والأحداث – على المستوى الشخصي والقومي – يتفاعلون معها بصورة إيجابية مذهلة كذلك منهم من يتقن معظم المهن اليدوية مثل الحدادة والكهرباء والنجارة ومنهم من سافر إلى دول أوربية متعددة وأجاد هذه اللغات بالاشارات، بل ولهم فرص عمل في مجال السياحة والفندقة وأجادوا التعامل مع الأفواج السياحية الأجنبية.

منظومات لغوية راقية

هناك أنواع للغة الإشارة التي يعرفها الصم والبكم، منها لغة الإشارة العامية مثل اللهجة العامية، وهناك نوع آخر وهو لغة “الهجاء الإصبعي” وهو ترجمة الحروف والكلمات عن طريق الأصابع، وهناك بعض الإشارات الثابتة في اللغة على مستوى الوطن العربي وهي لغة الهجاء الإصبعي الثابتة لمعاني الأشياء مثل المدرسة والمسجد والمستشفى والمطعم والأسماء مثل أحمد أو جمال أو حسين.

يعتقد كثير من الناس خطأ أن لغة الإشارة ما هي إلا مجموعة مفككة من إيماءات شبيهة بإيماءات مسرح “الپانتوميم” تجمعت معًا بصورة عشوائية لإتاحة تواصل بدائي، ولكن لغات الإشارة تؤلف في الحقيقة منظومات لغوية راقية التركيب ومزودة بكل التعقيد النحوي للغات المنطوقة، فمثلما تمتلك اللغتان الإنجليزية والإيطالية قواعد معقدة لصياغة الكلمات والجمل، فإن لغات الإشارة تمتلك قواعد للإشارات الفرادى ولجمل الإشارة.

وعلى النقيض من اعتقاد خاطيء آخر، فإنه لا توجد لغة إشارة عالمية، فالصم في الأقطار المختلفة يستخدمون لغات إشارة متباينة جدا، وفي الواقع فإن الأصم الذي يستخدم الإشارات ويتعلم لغة إشارة أخرى وهو بالغ سوف يؤدي إشارات بلكنة أجنبية! إضافة إلى ذلك، فإن لغات الإشارة ليست مجرد ترجمات يدوية للُّغات المنطوقة المستعملة في المجتمعات التي يعيش فيها الصم. فلغة الإشارة الأمريكية (ASL) على سبيل المثال، لا يفهمها الأصم البريطاني، مثلما لا يفهم الأصم الأمريكي لغة الإشارة البريطانية.

وتتشارك لغة الإشارة واللغة المنطوقة في الخصائص التجريدية للغة، ولكنهما تختلفان جذريا في الشكل الأدائي الظاهر، فاللغات المنطوقة يتم تكويدها بتغيرات صوتية زمانية acoustic temporal changes، بمعنى: اختلافات الصوت عبر الزمن، في حين أن لغات الإشارة تستند إلى تغيرات أبصارية – حيزية في الإفصاح عن التباينات اللغوية. ولكن كيف يؤثر هذا الاختلاف بالشكل في التنظيم (التعضي) العصبي للغة؟

وتتصف لغات الإشارة، شأنها شأن اللغات المنطوقة، بأن لها أنواعا عديدة من البنية اللغوية، تتضمن المستويات: الفونولوجية phonological والمورفولوجية morphological والبنائية syntactic. ففي المستوى الفونولوجي تتألف الإشارات signs من مجموعة صغيرة من المكونات، تماما مثلما تتألف الكلمات المنطوقة من مجموعة صغيرة من الحروف الساكنة والحروف المتحركة.

وتتضمن مكونات الإشارات أشكال اليد، والمواضع حول الجسم حيث تتم تأدية الإشارات، وحركات اليدين والذراعين، وتوجيه اليدين (مثل توجيه راحة اليد نحو الأعلى أو نحو الأسفل). وفي لغة الإشارة الأمريكية تأخذ الإشارات التي تقابل كلمة “الصيف” و”بشع” و”جاف” نفس شكل اليد وحركتها وتوجيهها، ولكن مع اختلاف في الموضع، وعلى نفس المنوال، تتشارك إشارات مثل “القطار” و”الشريط” و”الكرسي” في شكل اليد وتوجيهها وموقعها، ولكنها تختلف في حركتها.

على المستوى الموروفولوجي، تمتلك لغة الإشارة الأمريكية دالات نحوية grammatical markers تغير معاني الإشارات بطريقة منهجية. وتتضمن الدالات المورفولوجية في اللغة الإنجليزية مقاطع صغيرة مثل “ed-” يمكن أن تضاف إلى معظم الأفعال لتدل على الفعل الماضي past tense  فكلمة “walk” تصبح “walked” ، وفي حين تضاف في اللغة الإنكليزية الدالات إلى بداية الكلمة أو نهايتها، فإن الإشارات الأمريكية يتم تحويرها باستخدام أنماط حيزية متمايزة.

فمثلا، تؤدي إضافة حركة الدحرجة rolling movement إلى إشارة الفعل “يعطي” (وإلى معظم إشارات الأفعال في هذه اللغة) إلى تغيير معنى هذه الإشارة، بحيث تعني “يعطي عطاء مستمرا”. ويستطيع مستخدموا الإشارات استعمال أنماط مختلفة لتحوير هذا الفعل، بحيث يعني: “يعطي الجميع” أو “يعطي كل فرد” أو “يعطي أحدهما الآخر”، إلى جانب تنوعات أخرى عديدة.

منبع واحد ونتاج معكوس

تضم القدرة اللغوية مكونات كثيرة فالشخص الذي يسمع يجب أن يكون قادرا على إدراك وإنتاج أصوات الكلام الفرادى وكذلك الكلمات التي تؤلفها هذه الأصوات؛ وبدون ذلك لا يكون المرء قادرا على التمييز بين كلمتي «باب» و«ناب». يضاف إلى ذلك أنه يجب أن يكون قادرا على تعرف الإضافات المورفولوجية (أي الشكلية الظاهرية) مثل «مشيًا» مقابل «مَشُوا»، وعلى تعرف تراكيب (بناء) الجمل نحويا مثل: «الكلب طارد القطة» مقابل «الكلب طاردته القطة»، وعلى تعرف التنغيم اللحنيmelodic intonation (مثل نُطق «البيت الأبيض» مع الضغط على «الأبيض» مقابل نُطقها مع الضغط على «البيت») ، وحتى يجري المرء حديثا مطولا، يجب أن تكون لديه القدرة على أن ينشئ ويحافظ على روابط متماسكة بين الشخصيات والأحداث عبر سياق من جمل كثيرة.

من بين كل مظاهر القدرة اللغوية هذه، يعد إنتاج اللغة هو المظهر الأشد ارتباطا بنصف الكرة المخية الأيسر. فغالبا ما يعوق تلف هذا النصف المخي القدرة على انتقاء وتجميع assembling الأصوات والكلمات المناسبة عند التحدث؛ في حين أن تلف النصف المخي الأيمن قلما يفعل ذلك. أما الاستثناء الوحيد لاحتكار النصف المخي الأيسر إنتاج اللغة، فيتمثل في إبداع سياق متماسك للحديث. فقد يستطيع المصابون بتلف النصف المخي الأيمن تركيب الكلمات والجمل على نحو جيد تماما، ولكنهم كثيرا ما يتحولون من موضوع إلى آخر، لا يربطهما إلا خيط واهن.

ويبدو أن إدراك اللغة وفهمها يتحددان في النصف المخي الأيسر بدرجة أقل من تحدد إنتاج اللغة فيه. صحيح إن النصفين المخيين كليهما يستطيعان تمييز أصوات الكلام الفرادى، وأن النصف المخي الأيمن يبدو ذا دور في فهم الحديث المطول، ولكن يبدو أن فك شفرة معاني الكلمات والجمل يحدث أساسا في النصف المخي الأيسر. وهذا ما قد يفسر السبب في أن اللغة كانت تُعد في الأصل مهمة يختص بها النصف المخي الأيسر وحده؛ فأكثر الاختبارات شيوعا التي تُجرى على الحُبْسات كانت تقيّم فهم وإنتاج الكلمات والجمل وليس فهم وإنتاج الأحاديث المطولة.

تتضمن لغة الإشارة كلا من المعالجتين اللغوية والإبصارية الحيزية، وهما قدرتان تتولاهما منظومتان عصبيتان مستقلتان إلى حد كبير عند الأفراد السليمي السمع، ولكن خلافا لجميع التوقعات، فإن التنظيم العصبي للغة الإشارة تتشارك عناصره مع تنظيم اللغة المنطوقة أكثر مما تتشارك مع التنظيم الدماغي للمعالجة الإبصارية ـ الحيزية. فلماذا ينبغي أن يكون الأمر هكذا؟ .

يتمثل الجواب الذي يطرحه خط هذا البحث، وبحوث آخرى، في أن الدماغ عضو مؤلف من وحدات مستقلة modular إلى حد كبير، وكل وحدة مستقلة فيه جرى تنظيمها للقيام بمهمة حوسبية معينة. وطبقا لهذه النظرة، لا تقتصر معالجة المعلومات الإبصارية ـ الحيزية على منطقة واحدة من الدماغ.

وعوضًا عن ذلك تقوم الوحدات المستقلة العصبية المختلفة بمعالجة المدخلات الإبصارية visual inputs بطرائق مختلفة. فمثلا، تتم ترجمة المدخولات الإبصارية التي تحمل المعلومات اللغوية إلى صيغة format مهيأة على أكمل وجه للمعالجة اللغوية، بحيث يتاح للدماغ التوصل إلى معاني الإشارات واستخلاص الصلات النحوية، وهلم جرا. أما المنبهات الإبصارية التي تحمل نوعا آخر من المعلومات ـ مثل ملامح أحد الرسوم وخطوطه الكفافية contours فيُجرى ترجمتها إلى صيغة مهيأة على أكمل وجه للقيام، مثلا، بتنفيذ أوامر حركية من أجل نسخ ذلك الرسم. هذا وتكون المتطلبات الحوسبية computational demands لهذين النوعين من مهمات المعالجة مختلفة جدا، الأمر الذي يترتب عليه أن تدخل فيه منظومتان عصبيتان مختلفتان.

تحدى البحوث المستقبلية

عندما ننظر إلى الأمر بهذه الطريقة، فلن نستغرب كثيرا أن يبدو فهم لغة الإشارة وصنعها مهمتين مستقلتين عن القدرات الإبصارية-الحيزية، مثل نسخ أحد الرسوم. ومع أنهما تتضمنان مدخلات inputs إبصارية ومخرجات outputs يدوية، فإن هاتين المهمتين مختلفتان جذريا. ونتيجة لذلك فإننا نتوقع أن تتشاركا في المنظومات الدماغية إلى حد ما في المستويات المحيطية من المعالجة ـ كالقشرة المخية الإبصارية الأولية التي تتلقى الإشارات من العصب البصري ـ ولكننا نتوقع أن تتباعدا في المنظومات الدماغية الأكثر مركزية والأعلى مستوى.

هذا وإن الموقف في اللغة المنطوقة ولغة الإشارة معكوس تماما. فهاتان المنظومتان مختلفتان جذريا في مدخلاتهما ومخرجاتهما، ولكن يبدو أنهما تتضمنان حوسبات لغوية متشابهة جدا. ولذلك فإننا نتوقع أن تتشارك اللغة المنطوقة ولغة الإشارة في قدر كبير من المنطقة العصبية على مستوى المنظومات الدماغية الأكثر مركزية والأعلى مستوى، ولكنهما تتباعدان عند مستويات المعالجة الأكثر محيطية. فعلى سبيل المثال، نجد عند النهاية الحسية sensory end، أن المعالجة المحيطية للكلام تحدث في القشرتين المخيتين السمعيتين لنصفي الكرة المخية، في حين تحدث المعالجة الأولية للإشارات في القشرة المخية الإبصارية. ولكن بعد المراحل الأولى من المعالجة يبدو أن الإشارات تُسيّر نحو منظومات لغوية مركزية ذات تنظيم عصبي مشترك بين كل من المتكلمين ومستخدمي الإشارات.

ويمكن أن تُثبت هذه الاكتشافات فائدتها لأطباء الأمراض العصبية في معالجتهم الصم مستخدمي الإشارات ممن عانوا سكتات دماغية؛ ذلك أن مآل المرض فيما يتعلق باسترداد مستخدمي الإشارات لقدراتهم اللغوية سيكون على الأرجح مشابها لنظيره عند المرضى السامعين ذوي التلف الدماغي ذاته. إضافة إلى ذلك، فإن على جراحي الجهاز العصبي عند استئصالهم الأورام الدماغية عند الصم مستخدمي الإشارات، أن يتخذوا الاحتياطات نفسها التي يتخذونها في حالة المرضى السامعين بهدف تفادي إتلاف المراكز اللغوية.

وسيكون التحدي الرئيسي للبحوث المستقبلية هو أن تحدد لنا أين تتوقف مراحل المعالجة المحيطية وتبدأ المراحل المركزية (أو أن تقرر ما إذا كان هناك مثل هذا الحد الفاصل بين المعالجتين أصلا). وسنكون بحاجة إلى المزيد من الدراسات لفهم طبيعة الحوسبات المنفذة عند المستويات المختلفة للمعالجة اللغوية. وإن التشابهات والتباينات بين اللغة المنطوقة ولغة الإشارة تعد عناصر ملائمة تماما للإجابة عن هذه الأسئلة .

المراجع

  1. د. جودث جرين، ترجمة د. عبد الرحمن بن عبدالعزيز العبدان، التفكير واللغة 1410ه دار عالم الكتب الرياض السعودية.
  2. البروفسور روي، سي، هجمان، ترجمة د. داود حلمي أحمد السيد اللغة والحياة والطبيعة البشرية 1409هـ. الكويت.
  3. د. نبيل سليم علي – الطفولة ومسؤولية بناء المستقبل – كتاب الأمة 92 – مركز البحوث والدراسات الإسلامية – وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية –قطر -2003 م.

4The Signs of Language. Edward S. Klima and Ursula Bellugi. Harvard University Press, 1979. Reprinted 1988

5- The Signs of Aphasia. G. Hickok and U. Bellugi in Handbook of Neuropsychology, Vol. 3. Second edition. Edited R. S. Berndt. Elsevier, 2001.