لقد أهداني أخي وزميلي المرحوم  الدكتور عامر جميل شامي، التدريسي في قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة الموصل، كتابه الموسوم بـ: “النص الصوفي، دراسة تفكيكية في نصوص أبو يزيد البسطامي” الذي صدر عن دار “عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع”، إربد، الأردن، في طبعته الأولى، 2014م.

ونظرًا لأهمية هذا الكتاب النظرية والمنهجية، فقد أردت أن أقدم قراءة فيه، وأستعرض خطوطه العامة لفتح الطريق أمام القارئ العربي المهتم بهذا النوع من الدراسات، ودفعه إلى معرفة مضامينه، وما يطرحه من قضايا وإشكاليات.

مثل زميلنا في تناول هذا الموضوع مثل أي إنسان في هذا الوجود يقف مع نفسه في لحظات صمت وتفكر، فيطرح عقله عليه تلك الأسئلة التي قد يعجز عنها العقل نفسه.. ولكن ولثقته بأن ما يطرحه عقله عليه ممكن الحصول على إجابة له، يبدأ بخطوات البحث عن ذلك إما سرًا أو جهرًا حتى يصل… وبالتاكيد وصل زميلنا في حالة وعيه التي قصدها في هذا الكتاب الذي استخدم فيه آلية النقد ومنهجية التفكيك الدريدية في تعامله مع نصوص البسطامي، والتي هي تجزئة النص محل الدراسة إلى فقرات، وفصل مكوناته الفكرية واللغوية، ومن ثم إرجاعها إلى أسبابها وملابساتها، في ضوء السياق الذي ورد النص فيه، مع مراعاة عدم الخروج عن إطاره. والمحلل في ذلك كله ينتقل من المركب إلى البسيط، ومن الكلي إلى الجزئي.

كما اهتم الكتاب بتقديم موقف ابستمولوجي عن مفهوم الشطح وعرض خصائص هذا النص الذي يرتبط بمضاعفات اللغة الصوفية ونظمها وبنيتها عن طريق فحص هذا المفهوم بمحددات فكرة التأويل التي أنتجت جانبًا فعالاً من المعرفة الإسلامية.

وفي هذا السياق قال المرحوم الدكتور عامر جميل وهو يصف هذه الدراسة، قال إنها محاولة لتأسيس منهج نقدي تتواصل فيه التفكيكية بكل قوتها الإزاحية لقوة المركز والعقل والميتافيزيقا مع فيزياء الكوانتم بكل لايقينياتها واحتمالاتها العلمية لرصد الحال الصوفي وهو ينفذ من حجب اللغة والعقل والاحتمال. فالتفكيك هو الظاهرة الكوانتمية في الأدب الذي يراوغ بين سطوة السياق وتقادم المعنى… إلى أن قال: بعد رحلتي مع دريدا وأبو يزيد البسطامي أشعر أني كنت أقود رجلين على صفحة جليد في يوم ممطر. لا أحسب عدد المرات التي وقعت فيها ! لكنني أعرف كم مرة أخذا بيدي.

يقع الكتاب في حوالي 178 صفحة، من الحجم المتوسط، قياس 17×24، إلى مقدمة وتمهيد وفصلين وخاتمة.

المقدمة: وفيها نظرة عامة لما جاء في فصلي كتابه ومباحثهما وكذلك خاتمته.

وقد انصب جهد هذا الكتاب حول استجلاء حقيقة النص الصوفي استجلاء أريد له أن يكون تفكيكيًا. وهذه مهمة رائدة في هذا المجال لتبنيها نظرة تكاملية أدمجت في بوتقة واحدة الرؤية والتحليل من جهة، والمنهج كطريقة ملائمة للتعامل مع النص الصوفي من جهة أخرى.

ولتحقيق المراد، سعى صاحب الكتاب إلى الكشف عن آليات النص الصوفي لدى البسطامي، الذي استوفى في رأيه شروط ومجال النص الصوفي المفتوح على عدة معان ودلالات، فاستحق أن يعتمد في هذه الدراسة كنموذج.

وما يعنيه النص الصوفي في هذا الكتاب هو ما يسميه بعض الباحثين بالخطاب الصوفي، وغيرهم باللغة الصوفية، فالمراد هنا بالنص الصوفي ما أنتجه الصوفية النظريون من القوالب اللغوية ومحمولاتها المعنوية، أعني الآراء والطروحات الفكرية.

لم يتخذ النص الصوفي صورته الفاتنة بادئ الأمر إنما مر بمراحل حتى بلغها في مرحلة الشطح عند البسطامي، وهي مرحلة لم يسلم أهلها، لأن الخطاب الشاطح عاش متهمًا دائمًا لكونه خطابًا صداميًا بما يحمله من معان مستشنعة في الظاهر، لايبدو لناظرها انطواؤها على مخفيات معنوية هي المرادة دون الظاهر الشاطح، كما هو في أغلب نصوص أبي يزيد البسطامي .

التمهيد: وفيه تناول الدكتور عامر جميل بطاقة وسيرة جاك دريدا مع وضعه الخطوط العريضة لآلية التفكيك.

بطاقة جاك دريدا: جاك دريدا من أكثر الفلاسفة إثارة للجدل، وإضافة إلى العديد من المؤلفات والنظريات الفلسفية، يعد دريدا رائد التفكيكية.

كان دريدا كاتبًا غزير الإنتاج، فقد ألف أربعين كتابًا. وتشمل كتاباته كتاب “في علم الكتابة”، و”الكتابة والاختلاف”، و”الكلام والظواهر”، و”هوامش الفلسفة”. تناولت أفكاره العديد من العلوم المحورية كالأنطولوجيا وعلم المعرفة والعلوم الاجتماعية وعلم الجمال والأخلاق والفن والهندسة المعمارية والموسيقى. ولد جاك دريدا عام 1930م، من عائلة يهودية في مدينة بيار الجزائرية. وحصل على شهادة الماجستير في الفلسفة، إثرها حصل على منحة للدراسة لمدة عام في هارفارد. بدأ دريدا حياته المهنية مدرسًا للغتين الإنكليزية والفرنسية لأطفال الجنود بين عامي 1957و1959، بدل الخدمة الإلزامية. بعدها عين استاذًا للفلسفة في جامعة السوربون. منح العديد من شهادات الدكتوراه الفخرية من جامعات عالمية، كما منح جائزة تيودور أدورنو عام 2001م. توفي في أكتوبر عام 2004م.

ما التفكيك:

ظهرت التفكيكية على يد جاك دريدا في ثلاثة كتب، وقد بدا دريدا نظريته بنقد الفكر البنيوي الذي كان سائدًا أنذاك بإنكاره قدرتنا على الوصول بالطرق التقليدية على حل مشكلة الإحالة، أي قدرة اللفظ على إحالتنا إلى شئ ما خارجه، فهو ينكر أن اللغة منزل الوجود ويعني بذلك القدرة على سد الفجوة ما بين الثقافة التي صنعها الإنسان والطبيعة التي صنعها الله تعالى. وما جهود فلاسفة الغرب جميعًا الذين حاولوا إرساء مذاهب على بعض الحقائق البدهية الموجودة خارج اللغة إلا محاولات بائسة. وقد وصف دريدا مواصلة هذا الطريق بأنها عبث لا طائل من ورائه.

فالتفكيكية هي آلة نقدية ووسيلة منهجية تنكر قدرة اللغة على أن تحيلنا إلى شيء أو إلى ظاهرة إحالة موثوقًا بها .وأهم مميزات المنهج التفكيكي هي تمكين الباحث من الاندماج والتعمق في النص. كما يساعد في النظر على البحث عن إجابات لأسئلة القارئ واظهار المضامين والمعاني والمقاصد الغائبة.

وتعد مقولة الاختلاف إحدى المرتكزات الأساسية للمنهجية التفكيكية، واستنادا لكشف الدلالة المعجمية، التي تتألف من فعل أو مصدر يدل على عدم التشابه والمغايرة والاختلاف في الشكل وتعني التشتت والغياب، فدريدا يرى أن الخطاب الأدبي يكون تيارًا غير متناه من الدلالات وتوالد المعاني، لا تعرف الاستقرار والثبات فإنها تبقى مؤجلة ضمن نظام “الاختلاف”.

إن القراءة التفكيكية ليست هي التي تقول ما أراد القول قوله، بل تقل ما لم يقله القول، فالقراءة بهذا المعنى تتيح تجدد القول، أي قراءة ما لم يقرأ، وهذا معنى قول التفكيكيين إن النص ينطوي على فراغات، لأن النص في حقيقته كون من المتاهات وهكذا يبني النص على الغياب والنسيان … هو غياب الجسد والدال والحجب،  هناك يلجأ إليه المؤلف عمدًا, لسبب من الأسباب ولكنه أيضًا حَجب يتم دون قصد المؤلف، بسبب مضامين أيديولوجية تتسرب إلى النص، ويقتصر تأثيرها على تغليف الحقيقة بقشرة خارجية.

وبهذا فالتفكيكية تأخذ على عاتقها قراءة مزدوجة، فهي تصف الطرق التي تضع بواسطتها المقولات التي تقوم عليها أفكار النص المحلل، تضعها موضع تساؤل، وتستخدم نظام الأفكار التي يسعى النص في نطاقها بالاختلافات وبقية المركبات لتضع اتساق ذلك النظام موضع التساؤل.

وبهذا نصل في هذا الكتاب إلى أن التفكيكية منهاج نقدي وأدبي ومذهب فلسفي معاصر، ينحو إلى القول باستحالة الوصول إلى فهم متكامل، أو على الأقل متماسك للنص أيا كان، فعملية القراءة والتفسير هي عملية اصطناعية محضة يؤديها ويقوم بها القارئ الذي يقوم بالتفسير، وبناء على ذلك يستحيل وجود رسالة واحدة.

ورغم هذه الخصائص التي تتصف بها النظرية فإن دريدا يصر على عدم ارتباط مشروعه بالعدمية بل يرى أن قراءته التفكيكية قراءة مزدوجة تسعى إلى دراسة النص دراسة تقليدية لإثبات معانيه الصريحة ثم تسعى إلى تقويض ما تصل إليه من معان في قراءة معاكسة تعتمد على ما ينطوي عليه النص من معان تتناقض مع ما يصرح به، أي أنها تهدف إلى إيجاد شرخ بين ما يصرح به النص وما يخفيه. وبهذا تقلب القراءة التفكيكية كل ما كان سائدًا في الفلسفة الماورائية.

الفصل الأول: التسمية وانتشار الكتابة

تضمن هذا الفصل مبحثان هما:

المبحث الأول: الفيزياء وكهانة التسمية

وقد صاغه د.عامر جميل، في شكل تأطير نظري لخصائص الخطاب القلق والمتغير في أبعادها الأخلاقية والمنطقية والعقلية، أتاح له الفرصة لمناقشة إشكالية تكاملية النص الصوفي، سواء على مستوى التحديد الدقيق لمفهوم الآلية أو على مستوى التحليل الذي انبنت عليه أو على مستوى خصائصها. فالتفاعل بين ما هو فكري وما هو لغوي، والذي أنتج معارف الخطاب الصوفي، يستلزم تبني آليات لغوية وبلاغية ومنطقية مميزة.

وهذا واضح في المقاصد الاتية:

أولاً: فيزياء الكتابة

ثانيًا: كهانة هرقليطس

ثالث: ارتحالات التسمية

 

المبحث الثاني: أبو يزيد وانتشار الكتابة

وتحت هذا العنوان يتناول الكاتب انفلات المعنى وقيد الكتابة وكذلك مسألة اللفظ والمعنى ومعنى المعنى، والرمز. ويرى أن النص الصوفي حقق درجة الاتحاد بين اللفظ والمعنى، فاللفظ ليس مجرد أداة توصيل، بل مستوى تعبيري يناظر الشحنة النفسية والروحية في الأحوال والمقامات الصوفية، ولأن التجربة الصوفية تجربة في اكتشاف معنى الكون والوجود.

حيث يكتشف الصوفي لكل شيء معنى، ويغدو اللفظ معنى أولاً،  في داخله معان كثيرة هي وليدة معنى المعنى، تلك الطاقة الإيحائية بلا حدود، فقد خلّص الصوفيون مفهوم المعنى من جموده، ونبهوا من موقع الفكر الديني والفلسفي إلى ضرورة اكتشاف المناطق المجهولة من المعنى، بوساطة الكشف للوصول إلى معنى المعنى، وأبرز سماته التحرر من قيد اللفظ.

فالنص الصوفي، هو نص يقول ولا يقول، لا يمكن أبدًا أخذه على محمل الظاهر، ولا قراءته مثلما تقرأ النصوص العادية والمألوفة، ذلك أن مرماه وهدفه أن يبلغ إلى الروح ويخاطب العقل ويتلبس بالحواس ويقرب التجربة الصوفية، التي هي تجربة في العرفان.

وهكذا نجد الصوفي يترحل عبر العالم، ويقرأ في كتاب الوجود الكبير. إن رجل المقام لا يقيم في مكان محدد الأعيان، بل إن الترحل الواقعي وتجريب الآفاق الجديدة، والخروج من مكان، والدخول إلى مكان جديد، حتى يصطاد الحقيقة في طريق أو في غابة أو على ظهر سفينة أو في صحراء أو بين مفاصل واد، أو تحت جناحي طائر.

أما الرمز في النثر الصوفي فهو قضية تعبيرية وأسلوب للتعبير الأمثل عند المتصوفة، لأنه مخرج آمن لأفكارهم الجديدة الجريئة، ومن أبرز سماته أنه قد يكون رمزًا لنقيضه، فالموت مثلاً رمز للحياة لأنه حياة أخرى.

كما عالج الكاتب د.عامر جميل، في هذا المبحث إشكالية الشق المرتبط بالكتابة، وذلك على مستويات عدة أهمها مستوى الرؤية، حيث وقف عند جملة مفاهيم كمفهوم الإشارة الذي يعتبر آلية صوفية من حيث خصائصها ووظائفها النفسية واللغوية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية، وذلك انطلاقا من تحليله لتأثيرات هذا البعد على هوية التصوف كما هي واضحة عند البسطامي، وفي التلمذة التي خضع لها على يد متصوفة كبار، وفي تمرسه بالمصطلح الصوفي على مستوى الفهم والتوظيف، وفي موقفه الواضح من التوحيد الصوفي ومن الاستدلال العقلي وإبراز منحاه الفلسفي.

وهذا ما يتضح في مقصد قيد الكتابة ونصوص أبو يزيد، إذ يعتبر التصوف لدى البسطامي جانبًا من أخص جوانب الحياة الروحية في الاسلام، وهو تجربة وسلوك قبل أن يكون مذهبًا وفكرًا، ذلك أنه يعد تعميقا لمعاني العقيدة واستبطانًا لظواهر الشريعة، وتأملاً لأحوال الإنسان في الدنيا وتأويلا للرموز، يعطي للشعائر قيمًا موغلة في الأسرار، كما أن فيه انتصارًا للروح على الحرف أو المضمون على الشكل أو الباطن على الظاهر.

هكذا تقتضي قراءة النص الصوفي أن تقف عند أبعاد التواصل في هذا الخطاب عبر تشكلاتها المباشرة عبر العبارة والإشارة معًا. ومن الأكيد أن بلاغة النص الصوفي تصنع مقومات جمالها وأسس فنونها الخاصة بها، بطرق مقصورة عليها تتخذ سماتها من الموضوعات التي تشغل الصوفي، ومن الأنواع الكتابية التي يجعلها مطية إلى إيصال أحاسيسه ورؤاه وأفكاره.

فهو ينكر إنكارًا باتًا أن الحقيقة هي ذلك الواقع المحسوس، لأن الواقع المحسوس الذي يتشبث به العامة ويكادون يقدسونه، لا يشبع نزعته الروحية العالية، والشوق إلى معرفة الحقيقة المجردة.

ذلك أن عالم التصوف لا يكف عن إثارة الباحثين في ساحته لاجتراح التساؤلات بناء على الإرث الصوفي المتجدد الذي لم يسجل تاريخ الفكر بعد انقطاعه عن التواصل مع العصر الحديث، لكونه نتاجًا إنسانيًا بمعنى الكلمة. وكل منتج إنساني هذا حاله لابد أن يستعصي عن الانقطاع، وأن يتعالى عن التحقيب الزمني وأثاره، خلافًا لما تكون عليه عادة النظريات المؤدلجة أو المشاريع الفكرية المنهجية، وهنا سـؤال يفرض نفسـه: من أين تسـلل البسطامي ودريدا، وأمثالهم إلى الفكر أو الثقافة البشرية ؟ الجواب: من ثغرة النسـبية الجديدة القديمة بعد تعميمها دون قيود، وحدود بتطبيق النسـبية على كل شـيء عدا النسـبية نفسـها بعد الخلط بين مفردات العلم والواقع، وبالتالي بين العلم الظاهر، والعلم الواقعي، والعلم الباطن.

وفي التصور المتماهي مع النص الصوفي يبدو العالم كمجاز، رمز يتجاوز ذاته ويشير إلى غيب، فالعالم عرض والجوهر شيء آخر. إنه رمز لحقيقة متعاقبة تشتد حضورًا أنطولوجيا كلما أمعنت في الغياب، والشهود بصفته مجازًا يرمز إلى شيء يغيب، لكنه الأكثر حضورًا بصفته حقيقة في لغة النص، فالغيب هو أصل الشهود والعالم فرع لأصل لا متناهي عصي على الاستكناه والإحاطة.

هو غيب يتشكل ويتفاوت في التواجد ويتباعد عن مجازيته كلما تأتى له أن يكون غيبا محضا. لكنه مع ذلك يدخل في وحدة وجودية تنفي ازدواجية العالم بين الله والأشياء، وهي الازدواجية أو الثنائية الأنطولوجية التي تشكل جوهر الرؤية الدينية المغايرة للتصوف…. العالم مجاز والعالم الآخر هو الحقيقة، هكذا في النص الصوفي لدى البسطامي، ولكن في هامشه حين يسجل التصوف تمردًا بالتفافه حول النص، نافيًا تلك الثنائية الأنطولوجية حينًا، ومقوضًا هذه الوحدة التيوصوفية ومتمردًا عليها حينًا آخر، تنهار كل تراتبية وجودية ليصبح العالم فضاء لا متناهيًا لحقائق تتشاكل في صور، وكثرة تتوحد في رمز واحد هو الله تعالى.

 

الفصل الثاني: كوانتا الشطح والأثر الصوفي.

يعالج هذا الفصل زبدة الموضوع، فقد استطاع الكاتب د.عامر جميل،  عبر مباحثه ومقاصده وعبر تحليل وصفي نقدي أن يوضح كيف قدم البسطامي عروضه الفكرية ذات المنحى الفلسفي، وما ارتبط بها من توظيفات متعددة مع توظيف مكثف لحقيقة النص الصوفي الذي تميز به.

لقد وجدنا في هذا الكتاب أن أبا يزيد البسطامي من الصوفية الذين غلبت عليهم أحوال الجذب والوجد واختطفوا عن أنفسهم بالكلية. ولذا فاضت الأقوال المأثورة عنه بالتعبير عن الفناء والغيبة والسكر ونحو ذلك مما يشير إلى أنه كان في أغلب أحواله مأخوذًا مشغولاً عن نفسه وعن كل ما سوى الله تعالى. وهو أول من أدخل الفناء المطلق إلى التصوف الإسلامي.

تبدو شطحات أبي يزيد التي سنشير إلى بعضها بمثابة نشاز في ذلك العصر المبكر جدًا، لقد كان تركيزه متوجهًا تلقاء الجهر الغير مباشر بالاتحاد عن طريق الشطح، الأمر الذي حدا بالبسطامي إلى القول “سبحاني! سبحاني، ما أعظم شاني”

وهكذا يعبر البسطامي من خلال الشطحات عن الحب الإلهي في أساليب رمزية مملوءة بالألغاز كعادته في معظم أقواله. فنراه يصف الصوفي في حبه لله تعالى ومعراجه إليه بأنه طائر يسبح في فضاء اللانهائية متحررًا من قيود الزمان والمكان. ويعلق الدكتور المرحوم عامر جميل على ذلك الشطح ويصفه بأنه من قبيل كوانتا النحو الصوفي وفارماكون الشطح، فالذوق سر لا يخضع للتدوين.

واستغراق البسطامي في الذهنية التي يمكن توصيفها بالمبالغة أدت به إلى حتمية اللجوء للإشارة بل أيضًا لتشفير النص، فهو عادة يستخدم بوعي شديد تقنيات الإيحاء بالمعنى والاكتفاء بالنهايات المغلقة التي قد لا تتطلب تأويلاً خاصًا بمعنى آخر احتكار نهايات القول وترك فرصة التأويل لإحداثيات النص السردية التي تسبق النهاية.

فنحن أمام نص متعدد الاتجاهات، كونه يعتمد اعتمادًا رئيسًا على تقنية الرمز، ذلك أن الرمز يمثل أحد أبرز السمات المميزة للتصوف الإسلامي، ولطالما عبر الصوفيون عن أذواقهم وتجاربهم الروحية عن طريق التلميح دون التصريح، والإشارة دون ذكر العبارة، أو استخدام لغة مغايرة لما يستعمله العوام من مفردات كاشفة، وأحيانًا كثيرة يلجأ الصوفي إلى استعمال اللغة الرمزية الأكثر خصوصية هربًا من الفهم الضيق وفقر التأويل الذي يعاني منه بعض متلقي النص الصوفي، وكانت مشكلة المتصوفة أن نصوصهم تتطلب قدرًا عاليا من امتلاك اللغة ودلالة مفرداتها لدى المريدين والمتلقيين من ناحية، وامتلاكهم ذائقة تمكنهم من الإحساس بالنص وصاحبه من ناحية أخرى. وهكذا نجد أن رمزية البسطامي تمثل دعوة للتحرر والخلاص، لذا فخطابه الصوفي جدلية قائمة بين الواقع والتأويل اللانهائي له.

وبعد استيفاء أغراض هذه القراءة في كتاب د. عامر جميل، لا يفوتني أن أنوه بهذا الجهد المعرفي والنظري والتطبيقي لما قام به المرحوم في سبيل إثراء المكتبات العربية بهذا البحث القيم في دراسة النص الصوفي دراسة تفكيكية. فقد كشف أهمية تعدد دلالات ومعاني النص الصوفي، كما بين أن النص الصوفي لدى البسطامي هو في جوهره ارتحال دائم إلى المقدس.

وتعددية العالم تقود إلى تعددية الأفهام والقراءات والتصورات الدينية، وإمكانية مفتوحة للتأويل والقراءة، والتأويل ليس مجرد تقنية تفسيرية، بل هو الإمكانية الوحيدة للمعرفة حين تكون نشاطًا للفهم أو حين يسبق الحدس المعرفة والوجود الهوية.

كما أكد الكاتب أن النص الصوفي عند البسطامي مثلاً هو في حقيقته نص متفجر بالدلالات، يمثل رؤية مبكرة في انزياح الدلالة وانزلاق المعنى، أو لأنه يفتح مجال المقدس على مصراعيه ليحتضن قراءات متضادة أو لأنه يوحي باختلاف الشيء في ذاته عنه كمدرك ليدشن لإمكانات تأويلية مفتوحة وثرية قبل فلسفة التأويل المعاصرة.

فالنص الصوفي الذي أنتجه البسطامي هو خطاب مدهش في غناه المفهومي والنظري ولهذا، فإننا إذ نعيد قراءة هذا الخطاب لا ننظر إليه على نحو تبسيطي فنرى فيه خطابًا مضادًا للتنوير، بل نتأمله ونعيد فهمه ونراه بوصفه خطابًا وجوديًا بالمعنى الهايدغري للكلمة، أي ننظر إليه بوصفه دعوة إلى عدم نسيان الوجود وبوصفه تأكيدًا على أن المعرفة هي في أصلها حدس وانكشاف.

هكذا يثمن الباحث تجربة البسطامي في قراءة العالم والإنسان لكنه ليس وحده من أشاد بالتصوف واستشعر إلماعاته وانعكاساته في اتجاهات فكرية وفلسفية أنتجتها الحداثة، فلئن أشاد علي حرب، بالتصوف بوصفه خطابًا وممارسة في اللذة والحب في آن معًا، فإن عبدالرحمن بدوي، قارب التصوف كخطاب منتج وأقام تماثلاً بينه وبين الوجودية.

وإذا كان لكل دين أو ثقافة مكامن إبداعية تتوغل من خلالها إلى الثقافات الأخرى، فسنجد مع هذا الكتاب أن التصوف هو سر النبوغ والإبداع والتأثير الإسلامي على ثقافات كانت تشكل ثقلاً ثقافيًا غنيًا ومتخمًا بالمؤثرات.

إن الأسرار الغامضة في النص الصوفي لدى البسطامي، والمكنونات العميقة، كانت دومًا، حقل جدل دائم ولا منته، لتجاذبات التأويل الضمني والحالم الغارق في نرجسية البحث الأكاديمي، وفضاءاته اللغوية المركبة، هذا فضلاً عن حمولاته المعرفية المتشعبة والمختلفة المشارب.

على كل حال وجدنا في هذا الكتاب أن المقاربة الدريدية التفكيكية في سبر أغوار النص الصوفي للبسطامي فيها ضربًا من التأجيل والقفز فوق حواجز الميتافيزيقا، التي طالما أزعجت المنهج التفكيكي لأن دلالات النص المفارق والمقدس، حمالة أوجه ومعاني، تستدعي حضور وعي ديني وتجربة لا يفقهها سوى أهل الباطن.

ولهذا كان الأساس في انطباعات التفكيكيين هو استباحة النص والتمرد عليه، بقراءته ونقده من الداخل، انطلاقا من تطويعه، وتقعيده وفق نماذج تفكيكية تعرضه لمخاطرة التأويل الضمني الباطني.

وهكذا كان النص الصوفي لدى البسطامي فضاء رمزي لعلاقة خفية بين الإنسان بمختلف مراتبه الأنطولوجية وبين الغيب، الإنسان الباحث عن جوهره في بيداء قلبه، ملهمًا بوجدانه وذوبانه في غمرة الوجد وكثافة اللوعة، ورشاقة الوصل والوصال الكوني، الذي يجمع المستشرفين بنور قلوبهم في البحث عن كمالهم الإنساني، وماهيتهم الوجودية، وإن اختلفت مشاربهم.

كما أنه يحمل حقلاً دلاليًا ثريًا، تزدان مفرداته بصيغ، ومفردات، وإشارات قوية وجليلة، تصدح بها كتابات وأشعار الصوفية خاصة، وتتعلق ببديع اللفظ في العربية، وهي لغة الاشتقاقات والتنوع المجازي، الذي يغري العاشق الإلهي، الذي يتبنى الوصل الوجودي، والمحبة بين الأرض والسماء، ولا يتأتى ذلك إلا بالقدرة على إمكانية اعتماد الخيال والفكر وتوظيف المخيلة بما يتفق مع مدركات الواقع أو تجاوزها.

وأخيرًا وجدنا في هذا الكتاب عمل متكامل قائم على تفكيك منظومة معرفية قائمة على الاستبطان والمشاهدة في تأثيث محمولها المعرفي، لتصل إلى النتائج الآتية:

  • لا يمثل النص الصوفي هامشًا نحاول الاعلاء من شانه على حساب النص الديني بوصفه مركزًا، لأننا نعي خطورة تطبيق المناهج الحديثة على النصوص الدينية المقدسة، ودريدا نفسه يعترف بأن لكل ثقافة سياقاتها الخاصة بها التي تلزم التفكيك بأن يتعامل معها وفق مقتضيات تلك الخصوصية.
  • فحص النص الصوفي في ضوء التفكيك ليس محاولة لقلب ثنائية نص ديني/ نص صوفي، إلى نص صوفي/ نص ديني! فالكاتب لا يقر بوجود هذه الثنائية، فالنص الصوفي نص مصاحب للنص الديني.
  • إن الخيال الباعث للنص الصوفي يختلف عن الخيال الباعث للنص الأدبي، فالخيال الصوفي متداخل مع كل الحقائق خاصة الحقائق المجردة.
  • لا وجود لمؤسسة يعمل تحتها النص الصوفي ممثلاً لأحد أبعادها الأيديولوجية.
  • اللغة في النص الصوفي مضللة.
  • الذات الصوفية مفقودة بحضورها وحاضرة بفقدانها.
  • إن المعرفة في التصوف والتفكيك غير قارة ولا تطمئن إلى أي دلالة، لأنها تبقى في حالة إرجاء مستمرة، فهي تعتمد على القاريء وآلية مقاربته للنص.
  • إن تجربة أبو يزيد البسطامي تمتلك عمقًا روحيًا صاحب نظرية الفناء في التصوف الإسلامي.
  • التأثيث البلاغي لنصوص البسطامي لا يتكيء على استخدام النظام البلاغي المتداول، لأن الصوفي إذا انشغل باللغة/ البلاغة سقط من عين الوحدانية.
  • إن الأثر الصوفي تجاوز الأثر التفكيكي، فالأثر التفكيكي يقع في الفكر، فيما الفكر والروح يتداعيان سوية للوصول إلى الأثر الصوفي.
  • إن نظرية الكوانتم وأرضيتها العلمية ساعدت مفهوم الشطح في كشف كثير من غيب هذه العملية وتعاليها، فالمجهول الكامن في هذه النظرية العلمية ونسبة الخطأ المحتمل فيها جعل الشطح والتفكيك يفتح أبواب المجهول كثيرًا.
  • إن السلوك المزدوج للضوء هو نفسه السلوك الذي يتسم به التصوف فلغته لغة أذهان وليست لغة أعيان، مما يعني أنها تسلك سلوكًا مزدوجًا في عالم صوفي متغير ساكن، فيما حروف هذه اللغة قائمة في العالم العياني الحسي ثابتة، وهو المسعى نفسه الذي يسعى إليه التفكيك بمفاهيمه، فالتكرارية والفارماكون والانتشار والاثر .. مفاهيم تسعى إلى كشف أحد طيات النص مع سعيها المستمر لتجاوزها.
  • لا وجود للأثر النقي في نصوص أبو يزيد وكما ذهب إلى ذلك التفكيك، إذ أن الاثر الصوفي يطبع نفسه بالحالة على الآخر المتخفي فيه.
  • الشطح الصوفي هو كوانتا تقوم حقيقته على نفي نفسها.
  • إن ظهور مفهوم الاختلاف كان نتيجة مقاربة فكرية للاحتمية الكوانتيمية، كما كان ظهور الملاحظ في الكوانتم سبق ظهور القاريء في النقد، لذا فمعرفة آلية اشتغال هذه الفيزياء ضروري لمن أراد أن يشتغل وفق المناهج النقدية الحديثة.

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.