ثبت أن التباعد الاجتماعي (Social Distancing) إجراء فعال للغاية لإبطاء انتشار فيروس كورونا، وهناك الملايين من الناس حول العالم يقضون معظم الوقت في المنزل للمساعدة في إبطاء انتشار الفيروس، ولكن العديد من العمال في الصناعات التحويلية والدوائية، يضطرون للذهاب إلى العمل كل يوم للتأكد من تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

لذا تدعم حكومات دول العالم استخدام الذكاء الاصطناعي لإطلاق تقنيات ذكية لمكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد؛ حيث أطلقوا تقنية للهواتف الذكية تساعد في تعقب الأشخـاص المخالطين لمرضى كوفيد-19، مما يساعد السلطات الصحية على التصرف بسرعة لوقف انتشاره.

وتتضمن المبــادرة جمع البيانات من الهواتف الذكية، لمعرفة الأشخاص الذين كانــوا على اتصال وثيق بالمصاب بالفيروس حتى يمكن الاتصال بهم لحمايتهم من الإصابة. كما طورت شركة “لاندنج” أداة جديدة تعتمد في عملها على الذكاء الاصطناعي، لمراقبة التزام الأشخاص بكافة إجراءات التباعد الاجتماعي داخل مكان العمل؛ حيث تصدر الأداة تنبيهات لحظية عندما يقترب أي شخص من زميله بأقل من المسافة الموصى بها وهي متر ونصف المتر على الأقل.

إن الذكاء الاصطناعي تقنيًّا هو وليد مجالين علميين: علم السلوكيات والعصبيات، وعلم الإعلام الآلي أو كما يسمى حديثًا بعلم المعلوماتية. وللتفرقة الصحيحة بين المجالين بالنسبة للمتخصصين في علم الأوتوماتيكيات والعلوم الدقيقة من حيث التعريف، هو العلم الذي يضم كل الخوارزميات والطرق النظرية منها والتطبيقية التي تعنى بأتمتة عملية أخذ القرارات مكان الإنسان، سواء كان ذلك بطريقة كاملة أو جزئية بمعية الإنسان مع القدرة على التأقلم أو الاقتباس أو التنبؤ. ومن خصائص الذكاء الاصطناعي، التصرفات التلقائية، والتطور الذاتي، والتعلم الآلي التلقائي، وكلها توحي بفكرة حرية الآلة المطلقة في أخذ القرارات في المستقبل القريب، ومنه التخوفات المتصاعدة حاليًّا على الساحتين الإعلامية والأكاديمية.

لكن الواقع التقني والعوائق الأخلاقية والتكنولوجية تقول غير ذلك، حيث يتنبأ علماء الذكاء الاصطناعي أنه في غضون العشر سنوات القادمة، سوف تتمكن الآلة من إنهاء 80% من المهام الصعبة، وفي العديد من الحالات سيتعين عليها اتخاذ خيارات ليصبح أمر تحديد القواعد الأخلاقية للآلات أصعب مهمة يواجهها الإنسان.

ومنذ الأيام الأولى لأبحاث الذكاء الاصطناعي، تم صنع حواسيب قادرة على تشخيص وتحديد صورٍ معينة، ولوحظ أنه من الصعب برمجة نظام قادر على إنجاز كل الأفعال التي يقوم بها الإنسان، لذا فإن مخاوف الناس تتمحور حول خروج الأمر عن السيطرة وإنتاج ذكاء اصطناعي شبيه بذكاء البشر.

إن ما تحمله السنوات المقبلة لنا في عالم التكنولوجيا، وخصوصًا في مجال ما بعد اندثار الهواتف الذكية -كما يتوقع الخبراء- سيكون مذهلاً للغاية، إلا أن رئيس فريق البحث وأستاذ علم الحاسوب “فينسنت كونتايزر” يؤكد أنه لن يحدث مثل هذا النوع من الذكاء في الوقت الحاضر.

الباحثون في جامعة ديوك، بصدد محاولة ومعرفة كيفية إنشاء ذكاء اصطناعي متقدم قادر على إصدار أحكام أخلاقية، والتصرف بناء عليها.

إن أي ذكاء اصطناعي، قادر على التكهن المبني على أساس ما يمكن أن يفعله الإنسان في حالة معينة، كظرف يحتوي ملابسات أخلاقية يجب اتخاذ قرار معين تجاهه، وتتأثر الأحكام الأخلاقية بالحقوق مثل الخصوصية، والقواعد كتلك التي داخل الأسرة، والتصرفات المسبقة مثل الوعود، والنوايا والعهود، وغيرها من الخصائص ذات الصلة بالناحية الأخلاقية. ولمعرفة وضبط الدوال الأخلاقية لبرمجتها بذكاء اصطناعي، فإن فريق البحث يدمج بين علم الحاسوب والفلسفة والاقتصاد وعلم النفس.

امتزاج العالم الحقيقي بالافتراضي

بعض السلوكيات التي يجيدها الإنسان يمكن برمجتها، مثل القدرة على لعب الشطرنج -إذ توجد حواسيب قادرة على هزيمة أفضل لاعبي العالم- لكن هنالك أشياء معقدة للغاية يصعب ترجمتها إلى أنماط يميزها ويتعرف عليها الحاسوب، وهو في نهاية المطاف أساس كل أنواع الذكاء الاصطناعي، مثلاً يمكنك بسهولة تشخيص جدتك وسط حشد من الناس، لكن في الحقيقة برمجة الحاسوب لتشخيص الأشياء بشكل جيد صعب للغاية.

ولو كنا أجرينا نفس الاختبارات الأخلاقية قبل مائة عام مثلاً، فإن القرارات التي كنا سنحصل عليها من الناس، ستكون أكثر عنصرية وعرقية وجنسية والعديد من التصرفات التي لا يمكن اعتبارها شيئًا جيدًا، وبالتالي فربما تطور أخلاقنا لم يصل إلى ذروته بعد.

أيضًا بعد مئات السنين من الآن، قد يعتبر الناس بعض الأمور التي نفعلها حاليًّا غير أخلاقية تمامًا، كتعاملنا مع الحيوانات مثلاً، لذا فإن هنالك نوعًا من خطر التحيز لصيقًا بنا مهما بلغ مستوى تطورنا الأخلاقي.

وفي المستقبل غير البعيد ستختفي الهواتف الذكية، مثلما حدث مع أجهزة البيجر والفاكس من قبلها، وبحلول عام 2030 ربما سنشهد هذا التحول الكبير.

إن الشركات الكبرى مثل تسلا، ومايكروسوفت، وفيسبوك، وأمازون، وبعض الشركات الناشئة، تمهد الطريق لاندثار الهواتف المحمولة، وعندما يحدث ذلك، ستصبح الأمور غريبة جدًّا بالنسبة لكافة الناس، ليس من ناحية المنتجات الفردية، وإنما من ناحية الكيفية التي ستعيش بها البشرية في المستقبل. إن الهواتف الذكية مثلت ثورة كبرى، فهي سهلة الحمل في أي مكان، ويسهل التعامل معها لإنجاز احتياجاتنا اليومية، وهي مزودة بمزيج من الملحقات مثل الكاميرا وخاصية تحديد المواقع، لتسهيل استخدام تطبيقات مثل سناب شات، وأوبر وغيرها.

ولكن لننظر إلى الهواتف الذكية من زاوية أخرى، فإن أجهزة الكمبيوتر المحمولة والمكتبية، تضم مزيجًا من الأدوات مثل الفأرة والشاشة، وقد استلهم الهاتف الذكي هذا النموذج وقام صانعو الهواتف الذكية بتصغير حجمه، وجعلوا أدوات الإدخال افتراضية وتعمل باللمس.

إن ما جرى الكشف عنه مؤخرًا من أجهزة هواتف ذكية للغاية يبدو رائعًا، فهي بشاشة بلا إطار ومكونات قوية، إنها مدهشه وتمثل أكثر من مجرد ثورة، فضلاً عن خصائص جديدة تهدف إلى جلب الواقع المعزز إلى شريحة أكبر من الناس. ومن المتوقع أن تحاول شركات أخرى، السير على نفس الدرب. وعلى المدى القريب، فإن كل هذه التكنولوجيات المتنوعة التي ما تزال في مراحلها الأولى، ستتحول إلى شيء مألوف ولكن غريب، وستعمل على ابتكار أجهزة الواقع المعزز الخاصة بها، حيث ستجلب تلك الأجهزة صورًا ثلاثية الأبعاد مبهرة مباشرة إليك.

زرع حواسيب في الدماغ

لقد كان “أليكس كبمان” المسؤول في شركة مايكروسوفت، قد أكد أن تكنولوجيا الواقع المعزز، قد تحل محل الهواتف الذكية والتلفزيونات وأي جهاز له شاشة.. فلا فائدة لأجهزة منفصلة للرد على مكالماتك والدردشة ومشاهدة التلفاز وممارسة الألعاب إذا كان من الممكن أن تمارس كل ذلك عبر عينيك.

وفي نفس الوقت ستزداد أهمية ملحقات مثل مساعد أمازون أو سماعة أبل، وكلما ازدادت فعالية أنظمة الذكاء الاصطناعي فلن يزداد فقط الحديث إلى الكمبيوتر، وإنما سيكون هناك رد من جانب الكمبيوتر نفسه. بعبارات أخرى، ستسيطر الحواسيب على حواسك، وستتداخل التكنولوجيا مع سمعك وبصرك، وسيصبح الأمر مخيفًا قليلاً؛ إذ لم يعد العالم مسيطرًا على ما تقرأ على هاتفك فقط، بل بات مسيطرًا أيضًا على ما تراه من حولك.

الشيء المبشر هنا، أن العالم الحقيقي والتكنولوجيا سيمتزجان بشكل أكثر سلاسة، وتتعهد شركات التكنولوجيا الكبرى بأن هذا المستقبل يعني عالمًا أقل تشتيتًا من الناحية التكنولوجية وأكثر توازنًا، إذ إن العالمين المادي والرقمي قد أصبحا واحدًا ، ولك أن تقرر كيف تشعر حيال ذلك.

وإذا كانت معظم الاستثمارات المستقبلية في مجال التكنولوجيا تعتمد على أجهزة يجب ارتداؤها، إلا أن هناك تقنيات جنونية شديدة التقدم ولا يمكن تصورها تسعى للوصول إلى ما هو أبعد من ذلك، بشرط أن تصبر لعقود أخرى. وقد جرى الكشف مؤخرًا عن شركة “نيور لينك” التي أسسها “إيلون ماسك” بهدف زراعة حواسيب داخل الدماغ عن طريق رباط عصبي، وهي تكنولوجيا لا تزال في مراحلها الأولى. بل وتسعى الشركة في المستقبل، إلى المزج بين العالمين الرقمي والمادي، حيث سيصبح الإنسان والآلة شيئًا واحدًا.

بفرض نجاح هذه الفكرة فهذه هي النهاية المنطقية للطريق الذي بدأته الهواتف الذكية. فإذا كانت الهواتف الذكية تمكننا من الوصول إلى المعلومة، بينما تضع تكنولوجيا الواقع المعزز هذه المعلومة أمامنا عند حاجتنا إليها، فإن وضع رباط عصبي في أدمغتنا يغلق الهوة.

وقد صرح إيلون ماسك بالقول: “إن السبب في ذلك هو أن صعود الذكاء الاصطناعي يعني أن على البشر رفع قدراتهم لمجارات الآلات”. ويرى “مات” أن فكرة انصهار البشر مع الآلات مفزعة، ويعزى جانب كبير من هذا الشعور إلى كُتّاب الخيال العلمي والفلاسفة، الذين شككوا في تكوين البشرية في المقام الأول، وفي نفس الوقت، فإن الفكرة جديدة للغاية لدرجة أنه لا أحد يمكنه تخيلها.

لذا، عندما تندثر الهواتف الذكية، فإن ذلك سيشكل نهاية حقبة من الزمن، وسيمثل ذلك نهاية الآلات التي نحملها معنا، وبداية حقبة ربط أجسامنا مباشرة بالعالم الرقمي، وسيصبح العالم غريبًا.. ومع ذلك يعتقد الكثير أن الهواتف الذكية تمنحنا القدرة على المعرفة والحكمة أكثر من أي شيء آخر، ولعل تعزيز قدرات الإنسان سيمنحنا قدرات خارقة.

ضرورة برمجة الأخلاق

منذ أن قامت البشرية باختراع الكتابة وبداية التاريخ الإنساني، مرورًا بالثورات المختلفة من ثورة الإدراك إلى الثورة الزراعية إلى الصناعية إلى الثورة العلمية إلى اختراع الحوسبة، والطفرة التكنولوجية في أواخر القرن العشرين، وبداية القرن الواحد والعشرين، كان لا بد من ظهور مصطلحات وتعريفات جديدة بكل زمن وبكل ثورة وبكل مرحلة إدراك متقدمة.. ومن هذه التعريفات تعريفات يمكنها أن تتواجد وتصف مرحلة متأخرة من الزمن بالرغم من ظهورها في مرحلة متقدمة، وأخرى تصف المرحلة المتقدمة وتكاد أن تدمر المرحلة القديمة في وصفها لها.

إلا أن هناك فائدة عمت على كل إنسان في كل مكان من خلال الأنظمة المدمجة، والتي تعرف أيضًا بالأنظمة المتضمنة أو الأنظمة المطمورة.  فلفظة مدمج تعني شيئًا مرتبطًا بشيء آخر، والنظام المدمج هو نظام مصمم خصيصًا للقيام بمهمة محددة أو عدد من المهمات المحددة، أي إنه مصمم لأغراض محددة، وهو المتحكم أو المعالج القائم على النظام الذي تم تصميمه ليؤدي مهمة محددة أو عدة مهمات محددة. ويمكن اعتبار النظام المدمج للحاسوب “Hardware” مدمج به الـ “Software”، والنظام المدمج يمكن أن يكون نظامًا مستقلاًّ بذاته، أو جزءًا كبيرًا من نظام آخر، أي تكون مدمجة في منتج أكبر، لذا من الممكن أن تكون غير مرئية للمستخدم.

في النهاية يمكننا القول، إن الهدف من الوجود الأساسي للأنظمة المدمجة، هو جعل الحياة أسهل وأكثر راحة فيما يخص التنقلات وتنفيذ المهام والحساب.. وهذا هو الهدف من التكنولوجيا أصلاً، لذا يأتي المهندس المتخصص، ويجعل العلوم النظرية تطبيقات تراها وتتعامل معها.

وفي كل يوم يسارع العقل المبدع في إنتاج شيء آخر يجعل الحياة أكثر راحة، لذا كل ما ذُكر سابقًا هو نتاج عقول بشرية تتعامل مع العلوم النظرية بنظرة إبداعية وتطبيقية، وبدون هذه النظرة لما كنت ترى ما أكتب الآن.

(*) العميد الأسبق لكلية الطب، جامعة الإًسكندرية / مصر.