يمثل الخط العربي أيقونة لامعة في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، وركيزة من ركائز هويتها. فالمتأمل في إبداعات الخطاطين يمتع العين والعقل معًا، تارة بجماليَّة الحركة المندسَّة في كل حرف، وأخرى بما يختاره هؤلاء المبدعون من الحِكم ومن آي القرآن يزوِّقون بها اللوحات، والرسائل، والكتب، والمعمار، كدليل على امتداد حضارة لا تقبل الاندثار.
ولعل من دواعي الفضول العلمي والشغف بالتاريخ أن يتساءل المرء عن علاقة الخط العربي بالرياضيات، أو بصورة أدق، عن علاقة الحرف العربي بالعدد؛ هل هذه العلاقة تحكمها الهندسة والمنطق، أم الفلسفة والعرفان، أم الزوجان معًا؟
للإجابة عن التساؤلات السابقة، ارتأينا أن نبحث أولاً في ماهية العدد وبُعده الفلسفي، وذلك من خلال التَّمعُّن في النصوص الرياضية القديمة، وآراء رياضيي الحضارة العربية الإسلامية.
البُعد الفلسفي للأرقام
• الواحد:
نجد في النصوص القديمة أن الواحد هو رمز البداية، وكلمة “Univers” التي أصلها اللاتيني “Universum” والتي تستعمل للتعبير عن الكون، تعني حرفيًّا “الرجوع إلى الواحد” (Turned into one). وقد اشتهر الفيثاغوريون بعبارة “كل شيء عدد”، وذهب اليونانيون القدامى إلى أن الواحد هو أصل الأعداد جميعًا، وهو رمز العقل لأنه ثابت.
أما “الخوارزمي” صاحب “مفاتيح العلوم”، فإنه لا يعتبر الواحد عددًا وإنما هو ركن العدد، ويعرَّف العدد على أنه الكثرة المتركبة من الآحاد، ومثال على ذلك: الخمسة هي مجموع الثلاثة والاثنين، والثلاثة هي مجموع الواحد والاثنين، والاثنان هي مجموع الواحد والواحد، ومن ذلك نستنتج أن الخمسة هي في الأصل كثرةُ الواحد، والواحد في الأرثميطيقى بمثابة النقطة في الهندسة لأنه لا ينقسم.
وفي ذات الصدد، يشبه العرب الواحد في الحساب بالنقط في الهندسة لأنه لا ينقسم، وكما أن الواحد لا جزء له ولا مثل له في العدد -وهو محيط بالعدد كله ويعده- فإن الله كذلك لا مثل له في خلقه ولا شبه، أما العدد الصحيح بالنسبة إليهم، فإنه يتزايد بلا نهاية ويبتدئ من أول الكثرة وهو الاثنان. ولعل الخلفية الدينية تحكمت في اعتبار كل عدد هو من الواحد، والواحد ليس عددًا لأنه مقرون بالذات الإلهية التي لا تقبل الكثرة والتعدد.
• الاثنان:
هو عدد زوجي أوَّليٌّ (أي لا يقبل القسمة إلا على نفسه وعلى الواحد)، وهو العدد الوحيد الزوجي من بين الأعداد الأوليَّة. ونجد في النصوص العبرية أن الاثنين يمثل الحكمة، أما اليونانيون القدامى فيعتبرونه رمزًا للمُذكر، وهو أيضًا رمزُ الظن لأنه ترددٌ بين طرفين. وعن الاثنين يقول أبو عبد الله محمد بن أحمد الكاتب: “الاثنان بمنزلة الخط، لأنهما لا ينقسمان إلا مرة واحدة كما أن الخط لا ينقسم إلا طولاً”.
وإننا نجنح إلى القول بأن مقولة “اعرف نفسك تعرف خالقك” هي في المخيال الإنساني تجلٍّ للعلاقة الجدلية بين معرفة الإنسان -الذي هو خليفة الله في أرضه- لنفسه، وبين معرفته لعلَّة العلل الذي هو خالقه، إذ إنه متى أدركنا ألَّا وجود للاثنين دون الواحد، أحالنا ذلك إلى نسبية قدرة الإنسان ومطلقية قدرة الخالق.
• الثلاثة:
هو رمز القدسية، ويتراءى لنا ذلك في المسيحية من خلال ثالوث الأب والابن والروح القدس، أما في الحضارة الفرعونية، فيتجلَّى من خلال أهرامات مصر الثلاثة (خوفو وخفرع ومنقرع)، كما نجد أن اليونانيين قد اعتبروه دليلاً على المؤنث، وهو أيضًا رمز الزواج عندهم. والثلاثة هي بمثابة السطح (أي كل ما له مساحة) لأن المثلث هو أبسط السطوح. والمثلث الذهبي في الهندسة، (زواياه: 72، 72، 36) له خاصيات جمالية، إذ إنه إذا تكرر عشر مرات كوّن 360 درجة، وإذا قسمنا طول ضلعه الأكبر على الأصغر وجدنا العدد الذهبي.
• الأربعة:
إضافة إلى الجهات الأربع (جنوب، شمال، شرق، غرب)، فإن هذا الرقم يكتسب أهمية تأويلية من خلال ارتباطه بالعدد 40، الذي يمثل في المخيال الإنساني رمزًا للاكتمال. إذ إننا نجد أن الأنبياء عادةً ما يُبعثون في سن الأربعين؛ النبي موسى عليه السلام مكث -مثلاً- فوق الطور ثلاثين يومًا وأتمَّها بعشرة، وعدد السنين التي تاه فيها بنو إسرائيل في صحراء سيناء كان أربعين سنة، وهذا العدد -حسب نص الحديث الشريف- من الشروط التي لطالما ارتبطت بنَيلِ الحكمة؛ إذ إن “من اتقى الله أربعين يومًا جرت الحكمة على لسانه”.
• الخمسة والستة والسبعة:
أما عن بقيَّة الأرقام، فنكتفي بالذكر أن الخمسة هو عدد صلوات المسلمين، وأنه في الأسطورة يدفع الحسد والعين. أما الستة فهو عدد الأيام التي خلق فيها الله الكون، ويُعدُّ في الرياضيات عددًا تامًّا، والسبعة يكتسب قدسية في مخيال العديد من الشعوب؛ فالسماوات سبعٌ، والأراضون سبعٌ، والطواف حول الكعبة في الحج عند المسلمين سبع مرات.
• بين الواحد والصفر:
إلى جانب المكانة التي يحظى بها الواحد والصفر في تكوين الأعداد، تمكن الإنسان من اكتشافٍ باهر قوامه الزواج بينهما، إذ إن تقنية الحواسيب وما لفّ لفّها، تقوم أساسًا على تشفير المعلومة بالاعتماد على نظام العد الثنائي، فمثلاً إذا كان الرمز 100 يمثل في النظام العشري العدد مائة، فإنه في نظام العد الثنائي يمثل رمز الرقم 4، ولو تأملنا الحديث النبوي الذي يشير إلى أن العلم حَرفان، فقد نغامر في تأويل ذلك بأن هذين الحرفين (يُقصد بهما الرمزان 0 و 1) اللذين مكَّنا الإنسان من لغة جديدة يحكي بها علومه يكتبها ويخزنها.
قراءة تأويلية للأحرف العربية
• مكانة الألف في الخط العربي:
إن المتأمل في محتوى مخطوطة بضاعة المجوّد في الخط وأصوله للشيخ الإمام محمد بن الحسن السنجاري، يجد دقةً في وصف كاتبها الحرف وخصوصياته، إضافة إلى إشارته إلى خيط رابط بين ماهية حروف أبجدية لغة الضاد.
فما هي خصوصية كل حرف؟ وما علاقة هذه الخصوصية بالبعد الفلسفي والعرفاني الذي أشرنا إليه في مقدمة هذا البحث؟ وهل من علاقة مع أسرار العدد التي تطرقنا إليها أعلاه؟
• بين الألف والواحد:
يقول الشيخ الإمام محمد بن الحسن السنجاري متحدثًا عن الألف:
الألــف المنـتــصــــب المــقــــوّم
القـــائــم المـعـتـدل المـســلّم
فـــما لـــه حــــرف إلـيه يــنــسب
كــــذاك فهــو مفـــرد مغتـــرب
أما محمد بن موسى الخوارزمي مؤسس علم الجبر في القرن التاسع ميلادي فيقول: “كل الأعداد واحد والواحد ليس عددًا”، فكأن الواحد والألف اشتركا في حالة الاغتراب هذه كما يشتركان في كون كل منهما أصلٌ لفرعٍ ممتد، فإن كانت الأعداد فروعًا للواحد، فإن الحروف كما يقول عنها السنجاري:
وكل خط راجع إلى الألف
من أصله وغيره قد يعترف
أي إذا كان إجراء العمليات الحسابية على الواحد يعطينا بقية الأعداد، فإن التغيرات الهندسية على الألف تنتج عنها بقية الحروف، فما الخط إلا مجموعة نقاط. أما عن الباء فيقول السنجاري:
وقدر انسطاحها كـالألـف
فــافـهم لـما قــد قلته واعرف
لأن فيها اليبس والرطوبة
وهـكـذا قــــد وردت مكـتــوبة
أما عن علاقة الألف بالنقطة فيقول صاحب بضاعة المجود:
يشبه للراهب في محرابــه
الـســـابــل الــشعــر عــلى أثوابه
هي سبعة من نقط فاكتب
وأسبلــه كـالحــية سلــبا تُصـب
ويقصد بأن حرف الألف يتكون من سبعة طوابق كل طابق قوامه نقطة، ولعل هذا يحيلنا إلى ما ذكرناه آنفًا عن العدد سبعة والسماوات السبع وعن ارتباط الألف بالله كقول سهل التستري الصوفي (ت 896 هـ): إن الألف أول الحروف وأعظم الحروف، وفيه الإشارة إلى الله الذي ألَّف بين الأشياء وانفرد عن الأشياء، لقد غدا الألف مقياسًا أساسيًّا لبلورة موازين فن الخط العربي.
إن العلاقة بين الألف والباء على مستوى الرسم، هي -كما يحددها البيت الأول- من أرجوزة السنجاري، وأما خصوصية هذا الحرف فيحددها البيت الثاني، إذ إن فيها اليُبْس والرطوبة. ونحن نذهب إلى أن الانتقال من الألف إلى الباء هو انتقال من العمودي إلى الأفقي، أي إنه نوع من النزول، وكأن الألف أسرار السماء العالية التي أبت إلا أن تلتحم بخصوصية الأرض اليابسة الرطبة. ولعل المتأمل في شكل الحروف يرى التناغم بين الخالق والإنسان، فكأن حرف الباء الذي هو ألفٌ ممدد وتحته النقطة، كلما رفع رأسه تبدى له الألف مهيبًا يظلها بظله.
الصورة نفسها تلوح لها مقاطع بعض الأدعية التي تصف الله -مثلاً- بأنه في دنوه عال وفي علوه دان، تمامًا كما يتراءى لنا الألف وهو واقف لا يبعد كثيرًا عن بقية الحروف، وإذا كان ممددًا على صورة باء فهو ذو شأنٍ ورفعة من حيث إنه أول حروف البسملة، وأحيانا يلتف بها فيصبح جيمًا، هذا الحرف الذي يقول فيه السنجاري:
بل نصف ألف راكب لمثله
فــي نصف بيضــة لحســـن شكلــه
وتارة أخرى ينتصب نونًا والتي يصفها صاحب المخطوطة قائلاً:
شـــكل مـــدور بنـــصـــف دائــرة
فــــي رأســــه سُنَـيـــنةٌ مقــدرة
إن النون -استنادًا إلى مقاربة طوبولوجية رياضية- هو ألف والعكس بالعكس، إذ إن كل نقطة من النقاط التي تكوّنه، يمكن أن نجد لها نظيرًا من نقاط الألف وفقًا لتطبيق رياضي بين خطين، حيث إن كل خط هو مجموعة لا متناهية من النقاط. أما إذا اعتبرنا النقطة التي تعتليه إنسانًا، فإن انحناء النون متحدًا مع هذه النقطة يصيرها دائرة مكتملة كأن “نون” و”قلم” و”إنسان” ثالوث محدد ومصيري في هذا الكون الممتد.

قراءة تأويلية لكلمة “محمد”

يقول فرج إبراهيم: “إن الحرف في اللغة العربية جزء من كلمة تكونت بفعل ارتباط أحرفها ارتباطًا عضويًّا بالمعنى، فالراء -مثلاً- في الكلمات التالية: فرّ، كرّ، جرّ، لها صورة الحركة التي تفرضها على الكلمة. كذلك شأن الدال في مدّ، عدّ، كدّ، فيها البذل، أما الباء فلها حرمتها لأنها أول حرف في القرآن الكريم، والجيم كانت كناية عن الصدر، والصاد هي مقلة الإنسانية، والهاء هي الهُويّة الإلهية عند ابن عربي، والميم كانت تعبيرًا عن الضيق”.
لو تأملنا هذا التصنيف ونظرنا إلى كلمة “محمد” بعينٍ تأويلية ومقاربة حضارية، لوجدنا أن هذه الكلمة تصف حال شعوب لغة الضاد؛ فكأن “الميم” الأولى تشير إلى حقبة من الضيق ميزتها الجهل والفقر والترحال عاشتها هذه الشعوب كي تأتي “الحاء” من بعدِها أكثر انفتاحًا في إشارة إلى الانفراج الذي حصل بفضل مجيء النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقيامه بثورة تأسيسية كسَّرت جميع الأصنام، وجعلت من شعوب هذه اللغة يبنون صرحًا من المعرفة والقيم الأخلاقية؛ ما جعلهم يسودون العالم ردحًا من الزمن ليس بالهين، لكن يبدو أن الموازين قد انقلبت على هذه الشعوب.. فقد عمت الدولة الإسلامية العديد من القلاقل منذ العشرية الثالثة من القرن الأول الهجري، ولعل هذا الضيق قد امتد زمنًا ليس بالقصير، والقرنان الأخيران هما خير شاهد على ذلك، لكن “الدال” في آخر كلمة محمد والتي لها دلالة البذل، قد تشير إلى أن هذه الحضارة سوف تزهر ويشع نورها في آخر الزمان، وهو ما تجسده إقامة العدل في آخر الزمان بعد استفحال الظلم والجور. ولعل أفضل ما يصف هذه الحقبة هو قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(الأنبياء:105).
هذا ويمكن أن نتأمل كلمة محمد من زاوية أخرى. إذ يمكن أن نستخرج منها الكلمات الآتية: مد، دم، حد، حمدٌ، مدح، مُح، ونحن نذهب في تأويل ذلك إلى أن أمر هذا النبي صلى الله عليه وسلم هو أصل الأسرار “مُح”، وأنه عنوان للبذل والمد، وبفضله تعلم الإنسان حدوده بعد أن سالت دماء الرسول ومن معه من أجل ذلك، وتعلم أن ذلك من فضل الخالق عليه ولا بد من أن يقابله بالحمد والمدح في آن.

الحرف يكتسب سحرًا بفضل العدد

إلى جانب ما ذكرنا، تجدر بنا الإشارة إلى العلاقة بين الحرف والعدد العربيين، والتي تتمظهر -أحيانًا- في كلمات أو عبارات ذات أبعاد ميتافيزيقية، مثل كلمة “بدوح”؛ هذه الحروف الأربعة غالبًا ما تكتبها العرب أسفل عنوان الرسالة أو تنقشها على الخاتم، وهي من قبيل التمائم، ويعتقد الناس أن المسافر حين يحمل معه كلمة “بدوح” يستطيع السير طوال اليوم دون أن يشعر بتعب، وأنها تساعد المرأة على إتمام حملها بسلام. وما يهمنا في بحثنا هذا، هو أن هذه الكلمة تمثل الأعداد الزوجية التي يرى الناس أنها ميمونة وهي 8642 أو 2468، ولطالما ارتبط الحرف بالعدد في حساب الجمل كما يستعمل في تفسير آي القرآن.

النقطة في الخط العربي والهندسة

المستطيل والمعين هما من فصيلة متوازيات الأضلاع، أما المستطيل فميزته أن قطريه متقايسان وله زاوية قائمة، أما المعين فقطراه متعامدان وله ضلعان متتاليان متقايسان.. إذن فالمربع بجمعه لخواص الشكلين السابقين يكون أرقى أنواع متوازيات الأضلاع وأكملها، وهذا الأمر يجعل منه أكثر استقرارًا وجاذبية. وفي ربط هذه المعلومة الهندسية بالنقطة في الخط العربي، يقول الدكتور إياد حسين عبد الله الحسيني:
“فالنقطة المربعة هنا، هي أكثر الأشكال استقرارًا؛ فأضلاعها الأربعة متساوية وزواياها قائمة وقطراها متعامدان متساويان، وهي بشكلها البسيط والصحيح أكثر تعبيرًا عن الاتزان والصدق والقوة والتكامل أيضًا وأكثرها ارتباطًا بمفهوم التوحيد والعقيدة.. والنقطة تعني الثبات والاستقرار، وهي رمز من رموز الصوفية لأنها تمثل نقطة باء البسملة، وهي البداية عند كل أمر ذي شأن.. والنقطة ذات أهمية عند الخطاطين، إذ يبدأ بوضع النقطة قبل البدء بالكتابة؛ ليعرف منها عرض القلم ويقدِّر أبعاد الحروف وموازينها”.

النقطة والدمعة

إن جذورنا العربية الإسلامية أبت إلا أن تذكرنا بشيء من الحزن، فاهتدينا إلى أن النقط التي تزين الخط العربي هي عبارة عن دميعات تنزل على الحرف أحيانًا (ت، ن، خ، غ)، وتنزل منه أحيانًا أخرى (ب، ي…) وكأننا بهذه الحضارة تُعلن عن طريق أحرف لغتها أنها حضارة البيان والدمع، حضارة لا تكتمل إلا من خلال التبادل بين الأعلى والأسفل، بين السماء العالية والأرض التي (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)(البقرة:38).

الصفر والفراغ

يكتسب الفراغ بين الكلمات ذات الأهمية التي يكتسبها الصفر بين الأرقام، فمثلاً في جملة “بيتٌ هما فيه” إذا حذفنا الفراغ الذي بين التاء والهاء، صارت “بيتهما فيه” ويتغير المعنى تمامًا، أو إذا قلنا مثلاً “كما لك في عقلك نعمة” ثم حذفنا الفراغ الذي بين “كما” و”لك”، تصبح العبارة “كمالك في عقلك نعمة” والمعنيان مختلفان.
أما من ناحية العدد، فإننا نعلم أن 102 مختلف عن 12 بالرغم من أن الصفر يمثل قيمة اللاشيء، إلا أن دخوله بين الأرقام يسفر عن خلق عدد جديد، ولهذا السبب بات العدّ على طريقة النظام العشري، الطريقة المثلى في الحساب، وتراجع العد بالطريقة اليونانية التي تصبح ثقيلة إذا تجاوزنا المستويات الدنيا للعد.
الصفر والفراغ اللذان ارتبطا بالعدم، هما في واقع الأمر أداتان بهما يتم الخلق من العدم في روضة الأعداد كما في زمرة الحروف.

خلاصة

إن المدقق في حروف الأبجدية العربية، يجد أنها على مستوى الرسم، سيمفونية يعزفها الألف، وكل لحن جديد هو بعثٌ لحرف جديد كما يقول السنجاري: “وكل خط إليه عائد”، أما الأرقام العربية فكلها عائدة إلى الواحد من حيث كثرتها وإلى الواحد والصفر على مستوى الرمز.
ألا يكون العدد بذلك قد اتحد مع الحرف بفضل اشتراك الألف والواحد في ماهية البدء وإن اختلفت الأدوار؟

(*) أستاذ وباحث أكاديمي في ابيستيمولوجيا الرياضيات، جامعة تونس المنار / تونس.
(**) أستاذ، خطاط وباحث أكاديمي في جمالية الخط العربي، جامعة سوسة / تونس.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.