سطعت شمس الإسلام على الأرض عدلاً وسماحةً ورحمةً لينقل البشرية نقلة نوعية من مرحلة إلى مرحلة؛ فما كان من “الوجدان الإنساني والمفاهيم العقلية والقيم البشرية” قبل الإسلام وبعده أمران مختلفان! فقد ارتقى النوع الإنساني من حال الانحطاط والتدهور أسفل فأسفل، إلى حال التعالي والتسامي أعلى فأعلى. ولما أشرعت جيوش الإسلام في المشرق والمغرب أسنة رماحها، وأشهرت سيوفها، لم تخرج أشَراً ولا بطراً؛ بل ترسيخاً للقيم والمثل، ونشراً للرحمة والنبل والتسامح. فلم تشع السيوف بشهوة المطامع، ولم تقعقع من أجل معارك جوفاء، بل لإعلاء كلمة الله، الذي أنزل علينا كتاباً يأمرنا فيه بإطلاق حرية الضمير، والتعايش مع هذه الحرية، بشرط توقير حرية المسلم ومعتقده. فلم يزين لنا ديننا سفك الدماء بغريزة الحقد على الباطل، أو حتى الثأر من المعتدي.

ومشهورٌ ذاك الخيار (متى لزم القتال) بالإسلام، ليخلّي إرادة الإنسان حين تقبله القلوب بفطرتها؛ أو بالجزية، إقراراً لتوقير هذا الدين الذي يطلق العدل من عقالاته؛ أو القتال حتى لا تكون فتنة تمسك بتلابيب الضمائر البشرية. إذن القتال في الإسلام ينبض بنبضات حرية الضمير وانطلاق العدل وضمان المعتقدات على نقيض ما شهدت البشرية في الحروب، وحتى في هذا العصر الموصوف بالتنوير!
ديننا لا ينهانا عن أن نَبَرَّ من لم يقاتلنا -فيكون قد قاتل العقل والحرية والقيم الإنسانية- وإن كان مشركاً. فغاية ما يريده المسلم أن يُوَقَّر هذا الدين، ويُوَقَّر إيمانه، وحريته في الدعوة إليه. هذا هو شرطه ليعايش الملل والنحل. ولا يقلقن غير المسلم على معتقداته، إذ يضمن المسلم شرط توقير دينه. ذلك بأن حقوق غير المسلم مكفولة في دينه بقواعد يتعبد بها المسلم ولا يملك دونه فكاكاً، على خلاف ما عند غيره! وإذ يسعى المؤمن لإعلاء كلمة الله وتوقير دينه، يملأ فراغاً لا يمتلكه غيره. فغيره مضمون بضمان دين المسلم، وليس العكس صحيحاً!

وضمان المسلم لحرية معتقدات الملل الأخرى محكوم بقواعد شرعية مرعية في الحرب والسلم. ومهما كان حكمه عقيدياً في تلك المعتقدات، فهو مأمور بالتعايش معها، والتسامح والوفاء والحسنى في الأخذ والعطاء وإقرار حرية العبادة حتى من موقع التحكم والقوة، وإن كان يرى بطلانها وشططها وزيغها. فالقوة والمكنة لا تبيح له التسلط على الضمائر والإكراه في الدين. والإسلام ضمان لذلك، وليس للمسلم في غير الإسلام ضمان لدينه. فمن هنا يتولد شرط توقير الإسلام والسعي في ذلك بمختلف الوسائل.
وهذه الوثيقة التي تنشر بالعربية -لأول مرة حسب علمي- واحدة من الشواهد على ما قلتُه آنفاً. فهي عهد من محمد الفاتح لذميّي “غَلَطَه”. وغلطه حي على الضفة الشمالية لخليج القرن الذهبي في مواجهة أسوار إسطنبول القديمة، على مرمى حجر منها. ويقوم بين ضفتيها جسر في الموقع معروف. وهي التي ذكرت باسم (غلاطية) في رسالة بولص الرسول في العهد الجديد –السفر الرابع- الإصحاح السادس عشر. وكانت حائزة على أهمية تجارية وعسكرية منذ عهد البيزنطيين. فقد سورها قسطنطين الأول (324-337م) بسورٍ.

وسماها ثيويودرس الثاني (379-375م) بهذا الإسم نسبة إلى سكانها في أرجح الآراء. وقد أقام الجَنَوِيّون برجها الشاخص حتى اليوم في عهد تباروس (578-582م). وتناوب الجَنَوِيّون والبنادقة الهيمنة على تجارتها وأسواقها. وكانت بينها وبين العثمانيين اتفاقات لتسهيل شؤون التجارة قبل الفتح ومنذ سنة 1387م. وتدل المصادر على أن الجَنَوِيّين أرادوا حماية مصالحهم بلزوم الحياد، وأظهروا هذه الإرادة إبان فتح إسطنبول سنة 857هـ/1453م. ومن أجلها ضمنوا عهد الأمان هذا من السلطان محمد الفاتح.

حول مضمون الوثيقة

ومن المفيد أن نقدم الوثيقة بملاحظات وجيزة تتعلق بشيء من شؤونها:
1-إنها وثيقة مهمة تبرز مباديء في القانون الدولي الإسلامي وحقوق الحرب. وتبرهن أيضاً على ثبات العمل بهذه المباديء والإلتزام بها على مرّ العصور. نقول ذلك استناداً إلى المقارنة بين نصوص هذا العهد وبين نصوص عهد الأمان لأهل إيلياء (القدس) التي أعطاها عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فمعاني كلا العهدين متماثلة إلى درجة إقتران نص بنص، مع تفاوت الزمان بينهما. فتاريخ الوثيقة العُمَرية في سنة 15 هـ، وتاريخ هذه الوثيقة في سنة 857هـ. وبينهما 842 سنة هجرية! لكن مبادئ القانون النافذة منذ فجر الإسلام إلى هذا التاريخ واحدة لم تتبدل، وملتزَم بها ومرعية، وليست سطوراً مسطورة في الكتب، بل واقعاً قائماً وحياة شاخصة. وأحسبها اليوم أيضاً جديرة بالإحياء بالتأمل في حاجة البشرية إلى الوجدان الصادق الذي تتولد من هذه المبادي.
2-إنها وُقِّعَت في أحوال الحرب، والحرب تثير نوازع النفس إلى العدوان والتجاوز. فرعاية الحقوق والالتزام بالمبادئ أشق في هذه الأحوال. إذ إن القائد المنتصر في أوج الشباب وفي سنّه الثالث والعشرين، وعلى رأس جيش جرار من مائة ألف مقاتل شديد البأس صار أسطورة في التاريخ، واستحق هو وقائده مديح النبي صلى الله عليه وسلم وبشارته، وأسقط أمنع مدينة في عالم ذلك الزمان بعد كفاح مرير دام أشهراً، فهو ينتظر عطاءات النصر الذي يدوّخ الرؤوس ويطيش بالعقول. وغلَطه أو (غلاطية) يسيرة المنال أمام هذا القائد وجيشه الذي قوض في حياته إمبراطوريتَين وأربع ممالك وإحدى عشرة إمارة ودوقية، وهي الضيعة الغنية بالأموال والأنفس. لكن القائد أمسك بزمام نفسه، ولم يهتز أمام الهوى والطمع، وآثر لزوم مبادئ الدين الحنيف الذي يأمر بالعدل والإحسان. فهذا العهد يكتسب قوة معنوية أعظم في الدلالة على خُلُق الإسلام وسماحته وعمقه في ضمير المسلمين.
3- إنها كتبت بالرومية -وليس بالتركية- في أصلها. وقد ختم السلطان بختم توقيعه على أصلها الرومي تسكيناً لخواطر أهل “غَلَطه” الهائجة. فكأنهم لا يصدقون أن يعامَلوا بمثل هذا السماح والعدل في تلك الأهوال من الأحوال. فزادهم محمد الفاتح بالتوقيع على الأصل الرومي تطميناً لهم. ولذلك تجد في هذا العهد ألفاظاً من القسَم هي أقرب إلى ألفاظهم ومفاهيمهم للتغليظ عليه في اليمين. ولم يجد الفاتح بأساًَ فيها -مع فهمه للرومية في قولٍ- ما دام القصد تسكين خواطرهم.
وهذه ترجمة الوثيقة:

عهد إلى ذميّي “غَلَطَه” (1)

هذا عهد ذميي “غَلَطَه”. أُعطي العهد لمّا فتح أبو الفتح السلطان محمد خان إسطنبول. كُتِب بالرومية وختمه السلطان بالطغراء.
أنا السلطان الكبير والشاه العظيم السلطان محمد خان بن السلطان مراد. أُقسم بالله خالقِ السموات والأرض، وبحقّ روحِ حضرةِ الرسول عليه الصلاة والسلام الطاهرة المنورة المطهرة، وبحق المصاحف السبع، وبحق روح جدي، وبحق روح أبي، وبحق حياتي، وبحق حياة أولادي، وبحق السيف الذي أتمنطقه، إذ يُرسل أهل “غَلَطَه” وناسُها مفتاحَ القلعة المذكورة طلباً للسلمِ، إلى عتبتي العُليا، مع “بابلان براويزين” و”ماركيز ده فرانكو” وترجمانهم “نيكوروز بابوهو” معلنين الطاعة والانقياد لي، فإني:
1. قبلت أن يقيموا عباداتهم (طقوسهم) وأركانهم على الوجه الجاري حسب الأسلوب القديم القائم في عاداتهم وطقوسهم، وأن لا أُهاجمهم لهدم وتخريب قلعتهم.
2. وأَمَرتُ أن يُقرّ في أيديهم أموالُهم وأرزاقُهم وأملاكُهم ومخازنُهم وبساتينُهم وطواحينُهم وسفنُهم وقواربُهم وعمومُ أمتعتهم ونساؤهم وأولادُهم وعبيدُهم وإماؤهم، ولا أتعرّض إلى شيء، ولا أُكرِهُهُم على شيءٍ في ذلك.
3. وعليهم أن يعملوا، ولهم أن يسافروا برّاً وبحراً مثلما في سائر ممالكي، فلا يَمنَعهم أو يزاحمهم أحد، وأن يُؤَمَّنوا ويَسْلَموا.
4. وأنْ أَضع عليهم الخراج يؤدونه عاماً بعد عام مثل غيرهم. وأن أرعاهم بنظري الشريف فأحميهم مثل ممالكي الأخرى.
5. وأن تكون كنائسهم مُلكَ أيديهم ويقرأوا حسب طقوسهم، ولكن لا يَدُقّوا جرساً أو ناقوساً، وألاّ أستولي على كنيسةٍ لهم لأجعلها مسجداً، وهم لا يبنون كنيسةً جديدة.
6. وأن يُقبِل أو يغادر تجارُ جَنَوة بحراً وبرّاً، ويدفعوا جُمركهم على العادة الجارية، ولا يعتدي عليهم أحدٌ.
7. وأمرت ألا يُشغّل دُورهم صقّارٌ أو خادم، وأن يَسلَم ويُعفى أهلُ القلعة المذكورة وتجارها من عملِ السخرة.(2)
ليعلموا على هذا الوجه ويعتمدوا علامتي الشريفة.
تحريراً في أواخر جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثمانمائة.
________________
الهوامش:
(1) متون القوانين العثمانية وحكم الشرع فيها، أحمد آق كندوز، 1/478.
(2) الصقارون: صنف من الجيش العثماني. والمقصود بالخادم أو العبد في المصطلحات العثمانية: الموظف المكلف بخدمات الدولة في درجات الوظائف كافة مدنية وعسكرية. وعمل السخرة من الأعمال المفروضة لإنجاز بعض المصالح العامة للدولة من غير أجر، كضريبة مالية مقررة لغرض سد احتياجات الدولة والجيش، وتخفيفاً للعبء المالي عن كاهل الرعية في البلاد المفتوحة، وبدلاً عنها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.