“طالما لدينا أشياء مثل البحر، الجبال، الريح، الشمس، النجوم، القمر، لن نستطيع أن نكون تعساء. وحتى لو حرمنا من كل هذا ووضعنا في زنزانة، فبمجرد معرفتنا بأن كل هذه الأشياء موجودة وجميلة. وبأن آخرين ينعمون بها بكل حرية فذلك فيه عزاء لنا.” (سيمون فايل، رسالة إلى أنتونيوأتاريس)

مآزق

هناك مَثَلٌ ياباني يقول بكل دقة: “نستطيع شراء السرير، ولكن لا نستطيع شراء النوم”. إنّ الذهاب إلى السرير لا يضمن لنا النوم. وهو يتأمل في غيرة رفيقة فراشه، ألدو، بطل ضفاف سريت، الذي يبعث على الشفقة، قام بهذه الملاحظة الجميلة: “كانت ليلة لم أستطع معها العودة إلى البيت”. سماحة لا يتمتع بها إلا الذي لا يستطيع النوم. سماحة، نعم، لأن الأمر يتعلق بالانتقال إلى مكان يتلاشى فيه الوحي بكونك شخصا قائمًا بذاته.

يعتبر الاستيقاظ كمثل النوم، بحيث لا نفكّر في الأمر مادام الحال على ما يرام. إنّه ليكفي أن يستيقظ المرء حتى يُترك لنفسه. ولئن كان الأمر هنا متناقضا، إلاّ أنّه هو ذاته. لا يتعلق الأمر بالاستيقاظ، وإنّما يتعلق الأمر بالارتماء والانزلاق في أحضان الخدار “مورفي”؛ لكن من أجل هذا يجب الارتخاء. إرادة الارتخاء التي تتعدى نفسها حتى ولو حاولت أن تكون غير ذلك. إنّه حتى لو حاول أحدهم النوم لا يستطيع لأن إرادته تمنعه من الارتخاء الذي يحتاج إليه النعاس. ما يجب فعله هو عدم محاولة النوم، بل أن يكون الإنسان منهكا. فالذي يستجدي: “أريد النوم”، هو من سيحب التثاؤب وفرك عينه: “أريد النوم.” إنّه فقط عندما نموت تعبا علينا أن نقرر. لذا، فما لا يمكننا تقريره بالإرادة، لا يمكننا التحكم به، فأن نقع في النوم هو كأن نقع في الحب. ومثل هذه القرارات ينقصها الأثر، أو الضربة التي نحملها كصعقة الرعد، أو كضربة عمود حديدي. ضربة على أية حال، كالتي تنبعث غالبا من الداخل. إنّنا ننام ولا نسقط كما نفعل عند اليأس، فالبادرة الوحيدة هي الشعور بالنعاس: بعد القراءة، أو عند رؤية التلفاز، أو شرب الخمر. كل واحد لديه مرقده الذي يأويه من تعب كسب قوت يومه. هذا الكسب الذي نحصل عليه بعد عناء، والذي يجعلنا متوترين؛ كل ذلك التوتر علينا التخلص منه. بالإضافة إلى إرادة الارتخاء التي لا يمكنها التحكم في نفسها، بل هنالك عائق آخر يجعل النوم إشكالية صعبة. فلأن النوم في حد ذاته يطرح مشكلا، فإنّه ليس النعاس فقط الذي نبحث عنه. ما الذي يفسر مقاومة الأطفال للنوم “لا أريد النوم” رغم أن النعاس الذي يتبع اعتراضهم يظهر أنهم يقاومون النوم بكل قوة رغم حاجتهم إليه. كيف يمكننا شرح هذا الرفض الذي يعترينا في عمق الليل، والذي يخرجنا من سريرنا رغم تعبنا؟ من أين يأتي ترددنا الذي يعيق نهاية يومنا أو توقيف تشغيلنا للتلفاز أو المصباح الكهربائي. النوم من جهة ظاهرة طبيعية فكل الحيوانات تنام وسباتها يمتد لفترات. الإنسان كحيوان ينام وهذا طبيعي.

مصطلح “الطبيعة” يحدد المواصفات الفطرية والأولية للأشياء، سواء من جهة ما يتعلق بماهية الشيء، أو ما يحدّد طبيعته. فالطبيعة هي ما ينبعث من ذواتنا وينبثق منها كالشجر، أو الشعر إذا كان الإنسان بأفعاله تكتمل طبيعته الحيوانية، فإنّه بذلك، أيضًا، تكتمل طبيعته الإنسانية المستحقة.  نقول عن الشخص الذي يقضي نصف يومه في مشاهدة التلفاز أنه شخص تابت، نابت أو أنه نوع من الخضر: حين ننعته بالنبات فهذا يضفي عليه طبيعة أخرى حيث لن يبلغ تميز ماهيته إلا وهو في وضعية الاستيقاظ. إنّه يلزم الإنسان أن يتحرك حتى يُفَعِّل ملكات النوم لديه، بل وحتى تجد هذه الأخيرة معانيها الكاملة. مشكل النوم هو أن الإنسان خلق ليكون مستيقظا قائما بذاته. غير أنّ ذلك لا يجعله فعلا محددا لوجوده ككائن حي.

توافق

التوافق كما تنم عن ذلك هذه الكلمة، هو الشكل الذي تتخذه الإرادة عند الاستقلال الذاتي الذي يتطلبه النوم أولا، والاستغراق فيه بعد ذلك. التوافق يلغي الإرادة لأن النوم لا يقوم إلا باختفائها، التوافق هو أيضا إرادة أن تكون الأشياء كما هي. هي أن تقبلها كما هي دون إضافة. هي أن تقرر حل الإرادة التي لا سلطة للإنسان عليها لأنها تخرج عن إرادته. والتي تستطيع مناقضة ورفض الطبيعة التي تشكل جزءا منه. الإرادة هي أن تقول نعم حين تقول “لا” لنداء الطبيعة. إذا حدث وأخذت الإرادة والطبيعة الشخص إلى أبعد مما يجب فإن كل راحة له بعد ذلك تصبح مستحيلة.

لكن بفضل الإرادة التي لا تريد ما كانت تبغيه وبناءً على الطبيعة المثالية التي تفرض طبيعتها فلا يمكن للإنسان إلا أن يستكين وينام. مقطوعة لبتهوفن تشمل الكتابة الغريبة التالية: «هذا ما يجب أن يحصل فاليكن إذاً». النوم الذي يعقب التعب لا يمنع أن تبقى الأشياء على ماهي عليه وأن تظل كذلك حتى الصباح. فالنوم يشبه الموت الأبدي. يمكن دائمًا أن نبحث عن اللمسة التي تجعل عملاً فنيا ما كاملاً أو عن الكلمة التي تحدد الفكرة. يمكن عند العتمة أن نبحث عن الكلمة التي تواسي الشخص الذي يرقد بجانبنا أو نأمل في كلمة نسمعها منه، حتى ننام في هدوء. فـهل لا زلت تحبني ونحن على عتبة ليل سيفرق بيننا؟ وإذا كان هذا هو واقع الحال أتعدني أنك ستستيقظ غدا؟ يمكننا ذلك ولكن علينا النوم، علينا إطفاء الضوء وعدم الوقوف أو اللف والدوران، فالأشياء كما هي منتهية في لا نهائيتها. بعضها غير أكيدة وغير دائمة. لننم الآن في هدوء. وكما قال روني شار: “لا تستطيع أن تعيد قراءة نفسك ولكنك تستطيع التوقيع”؛ وهذا معناه أنك لا تستطيع العودة إلى أحداث يومك لتصححها حتى تريح ضميرك. كل ما تستطيع فعله هو تحمل مسؤولية ما فعلت حتى تعمل على تحسين نفسك والعمل أفضل غدا. في الوقت الراهن على المرء التوقيع في نهاية يومه، التوقيع معناه أن يقبل ما فعله وأن يتقبل الأمور على ما هي عليه.

دعه يتواجد دعه يسير

التوافق هو أن تترك الأشياء تتواجد. وهذا لا يعني أن تسير الأحداث وفق نفسها. الرجل الذي لا يكترث بالحياة والذي لا يعطيها أكثر مما تستحق ينام ملء جفنيه، لأن في قناعته وفي إهماله يجهل النسيان الذي يطوي ضميره اليقظ، ينسى الفظائع واللامبالاة المؤلمة وكل السخط الذي يحمله سريره الوثير الذي يأوي إليه. “للجهل حقيقة مؤسفة، لأنه لا يمتلك الخير، ولا الجمال ولا المعرفة فهو يؤمن بأنه متوفر بشكل كاف حتى يدحض كل شيء”، على حد قول ديوتيم. كاهنة المأدبة، «نوم العادل» الذي يعادل عمقه نقاء ضميره، الظلم يعود غالبًا على صاحبه خاصة غير الجاد. الذي لا ضمير أخلاقي له ينام ملء جفنيه على «أذنيه الاثنتين» وهو أمر مستحيل جسديا. كما أنه يستحيل أن يظل أصما لنداء فعل الخير.

نداء فعل الخير الذي يلبيه الإنسان يغار من سمعنا. أليست الأذن هي العضو الوحيد الذي لا يغلق من نفسه؟ لكننا نستطيع غلق عيوننا كما نغلق أفواهنا أيضا وذلك حتى لا نتذوق وحتى لا نرى. كما أننا نستطيع أيضا كتم أنفاسنا حتى نتجنب التنفس أو الشم عبر الأنف. فقط آذاننا لا تستطيع أن تغلق من نفسها. هذه الاستحالة تبدو كما لو أنها تدعو الإنسان إلى الاستماع. الإنسان لا يستطيع عدم الإصغاء حين نناديه: «ادعاء الصمم» لا يتم إلا إذا سمع المناداة. التجاهل عند الإنسان ليس دائمًا سلبي أو بريء، هو أيضا نشط ومتعمد. هو عدم مبالاة حين يتم تجاهلنا. الإنسان دائما بمقدوره الإجابة لا ليلبي وينصت وينصاع بل لأنه يرد ليلقى نداءً عليه تلبيته. كلمة «لبى» مأخوذة من الإغريقية بمعنى أنصت وأصغى.

نفهم من ذلك أن الإنسان العادل يسعى إلى تطوير طبيعته، ولا يستطيع النوم إلا بأذن أو عين واحدة ولا يستطيع ذلك ملء عينيه أو ملء أذنيه. لا يستطيع النوم المرمم المتوافق. الحديث عن التوافق هو القدرة على الحديث عن العراك الذي يمزقه. إنه أيضا محاولة للخروج منه. لا يكون هنالك توافق إلا إذا كان لدى الرغبة معركة: لا تتوافق الرغبة إلا إذا رفضت عند الوهلة الأولى. ولكن هذه المعركة على النقيض ننتصر فيها عند الهزيمة: هل التوافق نصر: الحياة أغنى من أن تخلق ما يحد تحققها. وهذا يخصنا أيضا، فالرغبة الإنسانية تحدّد النداء الذي يوجهه والذي يقبل كمجال نشط يوما أو حياة كاملة. التوافق يجب أن يعطينا القدرة على الأشياء. يجب أن تكون لدينا القدرة على الليل الذي يحل, على شيخوخة أيامنا الغراء الصباحية, على اكتمال كل شيء. «كل حزن يكفيه يومه». كما قال المسيح فوق الجبل. طبعا سنشعر بالعناء كلما استجبنا للنداء الذي يجعلنا نستيقظ كل صباح وهذا مع ذلك ما يجعلنا نتسامح مع كل عمل ناقص أو غرض غير مكتمل.

العمل المشترك، الإنتاج المشترك 

أولا عدم الاكتمال يعطي للتوافق بعدا عالميا، بل كونيا. عندما يصادف التوافق محدودية السلطة يصبح مجرد إحساس مرافق نقيض أو انسجاما عاما. تطبيع مع الكون كله كما قال أحد الرواقيين. لكي أنفصل عن عمل ما ينبغي إنهاءه، لكي تكون لدي فرصة للراحة، على أن لا تحمله أكتافي. علي أن أعرف أنه عمل كوني يجعلني أقف منتصبا. هناك في الطرف الآخر من العالم حيث الشمس اللامعة وحيث يستيقظ المرْء باكرا، ليعطي للإنسانية شكلا كاملا. إنه غرورنا الذي يجعلنا نبقى مستيقظين. غرور يستحوذ على كل سلطة لدينا. هو الجزء الذي نقوم بالسهر عليه مع الاحتفاظ بمساهمة بقية الاشخاص في الاهتمام بما يخصهم. لكي يتم الحصول على سلام الأرواح الذي لا ألعب فيه إلا دورا يسيرا داخل هذه السنفونية التي تسير الكون. ومن تم فإن ما يجري على العمل يجري على إنتاجيته. إذا كنا تؤخر نومنا فلأننا نعتقد أننا نحمل في نعاسنا عبق الحياة- ونحن غير متأكدين أننا سنكون على موعد معها صباح الغد. لا نريد التعلق بهذه الحياة ولا بوعودها: أفراح، ضحك، الحب المتبادل والأحاديث المشتركة، أشياء وأفعال تجعلنا نبقى مستيقظين إلى آخره.

نريد أن نستفيد من كل هذا، نريد أن نجعل المتعة تستمر أكثر فترة ممكنة. كل هذا يؤخذ منا لأن رغبتنا في الاحتفاظ به تجعلنا ندفع ثمنه على حساب الأرق. وهذا يفسد فرحتنا غدا. الخوف من فقدان ما نملكه، هذا على النقيض يأخذ منا كل شيء. من يريد أن يملك حياته يفقدها. الخوف من الحياة والصراع من أجل امتلاكها يفقد الإنسان الإحساس بالعيش. لا نعيش إلا لنصارع الحياة التي نغار منها في محاولتنا الدائمة لامتلاكها والتي لا تتعدى المرء نفسه. وهكذا، فالشمس التي ترسل أشعتها لا تنتظر أن ترتد إليها تلك الأشعة. كما أنّه ليس حبك لحياتك هو الذي سيدفعك إلى التعلق بها حدّ أن لا تخسر منها شيئا، حيث عادة ما نصرّح بعبارة «أريد الاستفادة من الحياة». لكن، ومن دون قصد، تعتبر الاستفادة (من صديق أو من وضعية معينة) استغلالا من خلال حسبة فقيرة، أو جرّاء قلق افتراسي. إنّ «قرمشة الحياة ملء أسناننا»؛ هذه العبارة جميلة من غير شك، لكنها تبقى في إطار أكل الحياة. هذا يتطلب منها أن تعطينا أفراحها ومتعها ولكن لا يبق منها إلا جوهر الأشياء التي كنا نريد امتلاكها. أن يحب المرء حياته معناه أن يكرس نفسه لها: أن يأخذ حلاوتها ويشعر بنكهتها، أن يحتضنها كما لو كانت منحة. ليس استغلال الحياة ولكن. تذوقها. هذا يسمى متعة الحياة: ليس أن تعيش هذا أو ذلك في بحث عن تجارب قلقة. متعة الحياة أو سعادة النفس. فرح لا مشروط متعلق بالحياة التي نحياها كما عشناها وكما منحت لنا والتي لم نأخذها يوما ما في كليتها. عندما نقرر عدم التمسك بها عندها فقط نستطيع امتلاكها: هكذا نستطيع استقبالها كحاضر. هكذا نستطيع عيشها كحاضر دون أن نهتم بغد مزعوم.

ما نملكه لا نستطيع الحصول عليه إلا متى قررنا التخلي عنه. هذا ما تقوله هذه الحكاية الصغيرة الموجهة إلى الأطفال الحالمين وهي توشوش في قلوبهم ما عليهم تعلمه من معارف: «كان يا مكان، في قرية قديمة قدم الزمان، عائلتان تقطنان منزلين: الأولى كانت غنية وباذخة، والثانية كانت بسيطة ومتواضعة. كل أب أسرة أنجب طفلا لديه سبع سنوات. سبع سنوات هو عمر يعقل فيه الإنسان. حيث يستطيع الأب أن يتحدث إلى ابنه رجلا لرجل، وذلك حتى يطلعه على كلام يتعلق بالحياة. ذات صباح أخذ أب الأسرة الغني ابنه وكذا أب الأسرة الفقيرة إلى جولة بعدما أيقظاهما. الغني وابنه تنزها على مشارف الربوة وتجولا في جنبات القرية. فجأة توقفا وهما يتأملان حركية القرية الصباحية والضباب الذي يكسو أرجاءها فقال الأب لابنه: «هل ترى يا بني كل هدا سيصبح ملكا لك يوما ما. “ثم بدأ كل واحد منهما ينزل إلى سفح الهضبة وفي الطريق صادفا الأب الفقير وابنه اللذان يصعدان الثلة من أجل الهدف نفسه، عند وصولهما إلى أعلى الهضبة. كل ما قاله الأب الفقير هو أنه اختار كلمات أكثر ملائمة لطفله بعدما تأملا منظر القرية من أعلى: أنظر يا بني». هكذا فالأول يريد الامتلاك، إلاّ أنّه فقد لحظة التأمل الآنية؛ بينما الثاني لا يستطيع امتلاك شيء، لكنه يعيش لحظة تواصل حقيقي مع ابنه.

يفترض الامتنان الذي نشعر به عند امتلاكنا للأشياء، حتى عندما نتخلى عن رغبة امتلاكها، أنّه علينا قبول المسلمة التالية: نحن لا نملك ما يجعل لحياتنا نكهة. لا نملك بريق المساء عند الصيف، هذه الزهرة المتفتحة المشبعة بالشمس، بريق أعين الطفل الضاحكة، الكلمة التي لديها معنى، جمال العالم وطيبة الناس: لا شيء من هذا نستطيع امتلاكه. ربما فقط كنا ضمن هذه الأشياء التي تخلق سعادتنا الدنيوية. وحتى الحياة في طفرتها هل هي حقا متوفرة ومهداة لكل إنسان حتى ينتبه إليها، وعوض أن يقفل يده يمدها ويفتحها اعترافا وعرفانا للحياة. علينا تقبل أن لا نكون المصدر ولا المتلقي الوحيد لفرحة التواجد في هذه الحياة. بل علينا الاستمتاع بلحظة الاستيقاظ كما نستمتع بلحظة النوم، أناس آخرون سيتقاسمون شغف وفرحة الحياة، اليوم، أو في طريقهم إلى السعادة. لن نحمل لا في نومنا ولا في موتنا شيئا يستحق أن تعاش من أجله هذه الحياة. الأرض كروية حتى لا تحرم أي شخص في الوقت نفسه من وليمة الوجود.

النـــوم.. أو في المـوت الصغير مقال: لمارتن ستيفان   (Martin Steffens)

ترجمة الحسين أخدوش