كان غار حراء المكان الذي التقى فيه عالم المادة والملكوت، وكشف الوحي عن أولى خطوات تغيير العالم بإعلان الرسالة الخاتمة، وكان مفتاحها ربط المعرفة بالقيم عن طريق القراءة باسم الرب وليس باسم أي شيء آخر: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾(العلق:1-5). فمصدر المعرفة هو الله، وغايتها معرفة الله، ولا خير في علم ومعرفة لا توصل إلى الله.

ونكاد نقول إن توعية الناس بهذا المنهج الجامع كان لب الرسالات السماوية كلها، ومن هنا لم تكن المعرفة في المنظور الإسلامي بما فيها معرفة الأحكام الشرعية مقصودة لذاتها، بل هي وسائل للوصول إلى بناء منظومة من القيم لا تنفك عنها ولا تنفصل، وإذا حدث بينهما انفصال أصبحت المعرفة وبالاً على الإنسان، ووكل الإنسان إلى نفسه وخبرته فكان ذلك خسار العالمَين.

وبقراءة متأنية في نماذج من القرآن والسنة، يبدو بجلاء جوهر هذا المنهج الجامع الذي يحتاجه واقعنا المعاصر لإعادة بناء منظومته الحضارية التي انفصل فيه العلم عن القيم فكان وبالاً على البشرية.

فقد ذكّرنا الخالق سبحانه وتعالى بنماذج يتجلى فيها الاتصال والانفصال بين المعرفة والقيم، وما ترتب عن ذلك من نتائج عبرة لمن يعتبر. فقد اغتر قارون بعلمه وماله الذي كانت مفاتح خزائنه تنوء بالعصبة أولي القوة قائلاً: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾(القصص:78) قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾(القصص:81).

وبارك الله تعالى في علم ذي القرنين وصنعته وخبرته حين ربط بين الخبرة وتوفيق الله في بناء سد يأجوج ومأجوج، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾(الكهف:97)، فلم يغتر بتفوقه، بل ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾(الكهف:98).

على المربي أن يلجأ إلى القرآن الكريم وما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبني القيم في النفوس على تقوى من الله ورضوان، وأن يعرض عن كل كلام لا مستند له ولو كان أثره في النفوس عظيمًا، لأنه سرعان ما يهوى ويندثر، والقيم أساسها الثبات والاستقرار.

 

وتقبل الله تعالى من ابن آدم الذي قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾(المائدة:27)، ولم يتقبل من الآخر الذي اعتمد على خبرته التي لم تمنعه من رد الفعل القاسي تجاه أخيه حين قال: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾(المائدة:27)، وهذا شأن المعرفة المنفصلة عن القيم؛ فهي لا تردع صاحبها من الوقوع في الظلم… والشواهد في عصرنا كثيرة تكشف فظاعة العلم حين ينفصل عن القيم.

وبالنظر إلى التطبيقات العملية للسنة النبوية لهذا المنهج المتكامل، نجد أنه صلى الله عليه وسلم علّم الناس الصلاة وقال: “صلوا كما رأيتموني أصلي” (رواه البخاري)، ولكنه بيّن في نفس الآن، أن الصلاة التي لا تحجز صاحبها عن الفحشاء والمنكر، لا تزيده من الله إلا بعدًا… وأمر الناس بالزكاة وبيّن لهم أنصبتها ومقاديرها وأوجه صرفها ثم قرأ عليهم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾(التوبة:103)… وعلّمهم الصيام وفرائضه وسننه ثم قال لهم: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع شرابه وطعامه” (رواه البخاري)… فما الفائدة إذن من معرفة أحكام الصلاة والزكاة والصوم ما لم تحجز صاحبها عن الوقوع في الزلل والإصرار عليه؟!

وغاية بياننا وتركيزنا على هذا المعلم من معالم المنهاج النبوي في التربية على القيم الإسلامية أمران: أولها تنبيه المربي إلى أن الغاية من التعليم لا تقف عند نقل المعرفة، وإنما النفاذ إلى مقاصدها وغاياتها واستثمارها في بناء منظومة من القيم لدى المتعلم. وثانيها تصحيح نية المتعلم وتحرير مقصده من طلب العلم الذي ينبغي أن تكون معرفة الله فيه أسمى الغايات.

 

بيان خصائص القيم الإسلامية

إن بيان خصائص القيم الإسلامية مدخل رئيس للتعامل معها فهمًا وتنزيلاً، كما أن إبراز هذه الخصائص، مدخل لبيان ما تتميز به القيم المستندة إلى المرجعية الإسلامية حين تقارن بغيرها من المرجعيات. كما تمكِّن المربي من معرفة أنجح السبل والطرق الموصلة إلى بناء منظومة القيم الحضارية الإسلامية لدى الناشئة. والناظر في الكتاب الكريم وفي سنة النبي العظيم بنظر منهجي فاحص يجد إشارات دالة ينتج عن نظمها في عقد جامع لامع، الوقوف على الخصائص التالية:

أ- القيم فطرة ربانية: خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه، ومع روح الله ومنها زُرعت القيم في كيان الإنسان؛ فحبه للخير وكرهه للشر من روح الله، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(الشمس:7-8)، وقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾(السجدة:9)، وبيّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “الولد يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه” (رواه البخاري).

والناظر في أسماء الله الحسنى وصفاته العلا، يجد منها “العدل، والبر، والرحيم، والعفو، والغفور، والشكور، واللطيف، والسلام، والمؤمن…” وغيرها من الصفات والأسماء التي طبع الله بها فطرة الإنسان حين خلقه من سلالة من طين، ثم نفخ فيه من روح العدل، والسلام، والرحمة، والغفران، والعفو، والصفح، واللطف، والشكر وغيرها من جليل القيم والخصال، ثم علمه الأسماء كلها، وحصنه وميّزه بالعقل، وأرسل إليه رسلاً تترى في الزمان والمكان تبصرة وذكرى، قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾(الروم:30)

فالإنسان ليس صفحة بيضاء لا توجيه ولا إرشاد فيها، كما أنه ليس صفحة سوداء مليئة بالآثام كما هو معروف في النظرية المسيحية، ولكنه مفطور على دين الإسلام وقيمه، وحين نزل إلى الأرض واختلط بالبيئة، اقترب أو ابتعد من هذه القيم بحسب المؤثرات. فرسم الله تعالى في كتابه وسنة نبيه وسائل وطرقًا لاكتساب الصفاء من الأدران والقرب من القيم الربانية الأصيلة في فطرة الإنسان.

بـ- قيم واقعية: رغم أن القيم الإسلامية ربانية في مصدرها، إلا أن تنزيلها على الواقع بإرشاد من الوحي، طبعها بطابع الواقعية والنسبية، وأبعدها عن المثالية المطلقة التي تعتبر شيئًا منشودًا قد يتحقق بنسب مختلفة. والغاية من هذه الخصيصة أن يبعد الإسلامُ الإنسانَ عن التشاؤم من عدم تحقق القيمة في المجتمع بالشكل المثالي المطلوب، وتحفيزه إلى العمل على ترسيخ القيم في النفوس بحسب الطاقة والجهد، ويكل بعد ذلك أمره إلى خالقه ويتضرع إليه بالدعاء، ليعينه على تحقيق قصده ومراده.

فالقيم الإسلامية بهذه الصفة إذن ليست قيمًا نظرية مثالية، وإنما هي خلاصة شريعة نزلت حسب الوقائع والأحداث، واستجابت لمشاكل الناس وقضاياهم، وليست فكرًا يبتغي المدنية الفاضلة التي لا وجود فيها للشر، وبالتالي فهي واقعية في مراميها وأهدافها قاعدتها قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾(طه:84)، والعجلة هنا الترقي في سلّم الرضا بحسب الطاقة والاستطاعة: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾(البقرة:286).

فالعدل على سبيل المثال؛ قيمة إسلامية راسخة، ولكن تحقيقه في الواقع مدافعة للظلم بقدر الاستطاعة، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار فليأخذها أو ليتركها” (رواه بشر بن شعيب).

والحب قيمة إسلامية عظمى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العدل بين زوجاته سأل اللهَ تعالى ألاّ يلومه في الميل العاطفي الذي لا يملك فيه صرفًا ولا عدلاً. والحفاظ على مال اليتيم قيمة اقتصادية عظيمة في الإسلام، ولكن يوجد إلى جانبها وعيد يحذر من أكل مال اليتيم لوجود هذه الظاهرة في الواقع، وستبقى موجودة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لأن بضدها تتميز الأشياء.

وقس على هذا مختلف القيم الإسلامية، فرغم كونها مطلقة في أصولها ربانية في مصدرها، فإن إنزالها على الواقع يحكمه التدرج والحسنى لنفي القيم السيئة بالحسنة قال صلى الله عليه وسلم: “وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن” (رواه الترمذي).

جـ- قيم عالمية: رغم أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، فإن خطابه بقيمه وأحكامه وأخباره ومواعظه ووعده ووعيده موجه للعالمين. ونحن حين ندعو إلى القيم الإسلامية، فإننا لا ندعو إلى خصوصياتنا كأمة إسلامية، فإن ذلك لا يعدو أن يكون مزيدًا من الانحباس لهذه القيم حتى لا تنطلق في فضائها العالمي الواسع وتنسجم مع الخطاب العالمي الذي يحملها للناس كافة (خطاب الوحي)، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾(سبأ:28) وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾(الأنبياء:107).

قيم الإسلام التي تضمنتها رسالة الأنبياء والرسل كافة وختمها محمد صلى الله عليه وسلم ليست للمسلمين بخصوصهم، وإنما هي منفتحة على سائر الأمم والشعوب ينهلون منها، فتقوم سلوكاتهم وتعدل من اتجاهاتهم

والقاسم المشترك بين العقلاء من الناس هو الالتزام بالقيم الفاضلة مهما اختلفت مرجعياتهم… فالعدل حسن والظلم سيّئ، والكذب والصدق ضدان لا يجتمعان، والبخل والشح مكروهان والسخاء والبذل مطلوبان.

فتلك وأضدادها قيم عالمية هي أصل الفطرة جاء بها الإسلام العالمي؛ فقيم الإسلام التي تضمنتها رسالة الأنبياء والرسل كافة وختمها محمد صلى الله عليه وسلم ليست للمسلمين بخصوصهم، وإنما هي منفتحة على سائر الأمم والشعوب ينهلون منها فتقوم سلوكاتهم وتعدل من اتجاهاتهم، فتكون هذه القيم العالمية مدخلاً إلى الإسلام عند كثير من الأمم والشعوب والأفراد.

وقد أخذ محمد صلى الله عليه وسلم بهذه القيم العالمية وجاء ليتممها. والإتمام يعني أن الإسلام أقر قيمًا إنسانية موجودة بالجبلة والفطرة لدى الناس مهما اختلفت مللهم ونحلهم، وذلك مدخل لهم كي ينتبهوا إلى قيم الإسلام الخالدة فيسارعوا إلى اعتناقه كاملاً غير منقوص إتمامًا لنعمة الله عليهم:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾(المائدة:3).

د- قيم مناسبة ومتكيفة: حين نقرأ قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة”، ندرك أن خطاب الإسلام الداعي إلى تمثل القيم الإسلامية لن يكون واحدًا؛ والخطاب يضم المحتوى والوسيلة… ومن هنا ندرك أن لكل زمان خطابه ولكل فئة عمرية خطابها، وأن الوسائل الموصلة لهذه القيم تتطور وتتغير. لذلك لم تكن القيم الإسلامية خاصة بزمان ولا بمكان، إنما هي قيم قابلة للنشر والتداول بكل الطرق والوسائل النافعة والمشروعة، تتكيف معها ولا تؤثر في جوهرها. لذلك كان تركيز القرآن الكريم، على أهمية حضور القيمة في المجتمع ولم يعين وسيلة معينة لذلك. فالعدل يتحقق في المجتمع بوسائل وأساليب مختلفة، وقد يتحقق في مختلف مظاهر الحياة العامة، داخل الأسرة، وفي الأسواق، وفي المنظمات والهيئات، وغير ذلك بصور شتى وبوسائل مختلفة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾(الأنعام:152).

وأمر الإسلام بتحقق الشورى في المجتمع ولم يحدد الكيفية والوسيلة، وأمر بأداء الأمانات إلى أهلها بعد حفظها ولم يحدد وسائل الحفظ لأنها متغيرة، وأمر بالتكافل الاجتماعي وترك طرق تحقيقه مفتوحة على اجتهادات المقدمين عليه، وأمر بالإنفاق في سبيل الله على إطلاقه ليعم الخير كل مناحي الحياة ويغطي حاجات الناس المتجددة؛ ولهذا ينبغي أن تحمل القيم الإسلامية إلى كل أهل عصر بما ساد عندهم من وسائل، حتى تكون قادرة على التأثير في سلوكاتهم والتعديل من اتجاهاتهم وتشكيل تصوراتهم.

ومن مظاهر التكيف أيضًا، قدرة هذه القيم على الاستجابة لحالة متلقيها العمرية والنفسية والوجدانية والعقلية، فلكل أسلوبه وطريقه ومنهجه؛ فالمربون الناقلون للقيم الإسلامية لهم قدرات وطاقات، والمتعلمون لهم قدرات وطاقات أيضًا، ولهذا لم يكن للنظرية التربوية الإسلامية الحاملة للقيم خطاب واحد، وإنما يتنوع خطابها بفعل مرونته ويتكيف مع مختلف الحالات.

هـ- قيم مستقرة ومستمرة: لن تصبح القيمة قيمة راسخة في نفس الإنسان، إلا إذا تكرر حدوثها في سلوكه وأصبحت سجية وجبلة لا تفارقه، فلا يقبل من الإنسان أن يكون صادقًا حينًا وكاذبًا حينًا، كما لا يقبل منه أن يكون عادلاً وظالمًا في مواقف مختلفة… ومن هنا، نفهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب صديقًا” (رواه الترمذي). وهذا اللقب لا يصل إليه صاحبُه إلا بالمداومة والاستمرار والتعود… وقد تلتصق بالشخص الصفة المعاكسة (الكذاب) بالمداومة والاستمرار والتعود أيضًا كما هو وارد في الجزء الآخر من الحديث: “والرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب كذابًا”. يقول الدكتور أحمد مهدي عبد الحليم: ومن الخصائص الأساسية في القيمة، تكرار حدوثها بصفة مستمرة؛ فمن يصدق مرة أو مرات، لا يوصف بأنه فاضل في سلوكه، وإنما تتأكد القيمة وتبرز الفضيلة الخلقية في سلوك الإنسان إذا تكرر حدوثها بصورة تجعلها عادة مستحكمة أو جزءًا من النسيج العقلي والسلوكي لصاحبها وعنوانًا لهويته.(1)

ومن هنا كان تنديد القرآن، بأولائك الذين لا يثبتون على طريق الهدى والحق، ويتراوح سلوكهم بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾(النساء:137).

وكان تنديد القرآن بالنموذج البشري الذي لا يستقيم على فعل الخير ويؤدي منه القليل، ثم يقعد عن مواصلته أو يكف عنه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى﴾(النجم:33-34)، أي ضعف عن الاستمرار في العطاء أو كف عنه مع توفر مقوماته.(2)

ولذلك كانت المجاهدة والمثابرة، لحمل النفس على استمرار التمسك بالقيم الإسلامية حتى ترقى من الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان، فيعبد الإنسان اللهَ كأنه يراه… وتلك أحلى ثمرات القيم الإسلامية التي لا تتحقق إلا بالتكرار والاستمرار والاستقرار.

 

الحكمة وفصل الخطاب في بناء القيم

القيم دواء، ولا يمكن للدواء أن يكون مفيدًا ما لم يجد لدى من يناوله أو يتناوله من الخبرة ومن الاستعداد النفسي ما يجعل الجسم يقبل المداواة بارتياح. والمتأمل في سنة سيد الأطباء عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، يقف أمام توجيهات علمية وتربوية ناظمة لأسلوب الخطاب لدى المربين، تمكنهم من الوصول إلى مقصدهم من أفضل السبل. وتتحدد هذه التوجيهات في:

• الاستناد إلى الدليل الشرعي الصحيح: من القرآن الكريم أو من السنة والسيرة النبوية العطرة ومن أقوال وتجارب السلف الصالح، ممن شهدت لهم الأمة بالفضل والصلاح المقرون بالعلم، فلا مجال لدغدغة العواطف بأخبار القصاص والوضاعين وأصحاب الخرافة، فما بني على باطل، سرعان ما يهوى في نفس الإنسان حين يؤوب إلى عقله وفكره ليسائله بقوة الحجة والمنطق.

ولذلك وجدنا في تاريخ تدوين السنة الشريفة، مواقف عانى فيها أئمة الجرح والتعديل من أخبار القصاصين ممن حسنت نيتهم، فكانوا يقولون: “نحن نكذب له لا عليه” أكثر من معاناتهم مع الكذابين والوضاعين ممن خبثت سيرتهم وسريرتهم، ولكن الله وفقهم لكشف انتحال المبطلين على اختلاف مشاربهم.

وانطلاقًا من ذلك، على المربي أن يلجأ إلى القرآن الكريم وما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبني القيم في النفوس على تقوى من الله ورضوان، وأن يعرض عن كل كلام لا مستند له ولو كان أثره في النفوس عظيمًا، لأنه سرعان ما يهوى ويندثر، والقيم أساسها الثبات والاستقرار كما رأينا.

• حسن التواصل: قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾(التوبة:128) وقال أيضًا: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾(آل عمران:159).

هذه وغيرها آيات كريمة تتحدث عن خصائص الخطاب النبوي وترسم طريقه بتوجيهات الوحي، وقد وجدنا الرأفة، والرحمة، والحكمة، والعزة، والعفو، والتشاور وغيرها من أبواب ومداخل التواصل مع الناس، ظاهرة جلية في تصرفات الرسول الأكرم وهو يدعو إلى مكارم الأخلاق؛ سكنات وحركات وكلمات نافذة إلى النفس مؤثرة في السامع إلى حد الاقتناع يجمل بكل مبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يترسمها.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمد القصة والمثل لتقريب الأفهام: “مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا” (رواه البخاري)، وقوله صلى الله عليه وسلم: “أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات أيبقى من درنه شيء”، قالوا: لا يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: “فكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا” (رواه البخاري).

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ نفسية السائل وقابليته للتعلم فيجيبه على قدر ما ينفعه؛ فقد جاءه رجل فقال: أوصني يا رسول الله، فقال: “لا تغضب”، فقال السائل: زدني، قال: “لا تغضب”، وكرر مرارًا: “لا تغضب” (رواه البخاري). ولكننا وجدناه صلى الله عليه وسلم يقول لمعاذ رضي الله عنه بعد أن أجابه عن سؤاله حين قال: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، “ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه… ألا أدلك على أبواب الخير… ألا أدلك على ملاك ذلك كله” (رواه الترمذي)، يقترح عليه الزيادة من النصيحة، والسبب؛ ما ذكرنا من حكمة في النظر إلى قابلية المتعلم للتلقي، وهي من أرقى تقنيات التواصل التربوي التي يعرفها الفكر التربوي المعاصر.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبر بملامح وجهه عن السخط والرضى، ويغير من هيئة جلسته أثناء الكلام لبيان أهمية الأمر وخطورته، كما هو الشأن في حديثه عن شهادة الزور قال راوي الحديث، وكان متكئًا ثم جلس وقال: “ألا وشهادة الزور” مرارًا حتى قلنا ليته سكت (رواه البخاري)، وفي هذا الحديث إشارة إلى تقنية التكرار أيضًا.

و يشير صلى الله عليه وسلم بأصابعه لتقريب الأفهام مثل قوله: “بعثت أنا والساعة كهاتين” وضم السبابة والوسطى (رواه البخاري).

وهكذا تنسج السنة والسيرة النبوية نسيجًا محكمًا من طرق التواصل الناقلة للقيم، حتى تترسخ في النفوس وتصبح سجية طيعة ثابتة مستقرة.

• الدعوة إلى التمثل الوسطي المعتدل: “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل” (رواه البخاري)؛ فليست العبرة بكثرة العمل، ولكن بنوعه والمداومة عليه… والوسطية والاعتدال في تمثل الأحكام الشرعية سبيل لاستمرار القيم وواستقرارها، بل يمكننا القول إن الوسطية والاعتدال دليل قائم على هذا الاستقرار، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول: “اكفلوا من الأعمال ما تطيقون” (رواه البخاري). واشتهرت في السنة النبوية قصة الرهط الذين جاؤوا إلى بيوتات النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن أعماله فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا ما قالوا وألزموا أنفسهم بما لم يلزمهم به الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم معقبًا وموجهًا لسلوكهم نحو الوسطية والاعتدال: “أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له غير أنني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني” (رواه مسلم).

بناء منهج عملي لتقويم تمكن القيم من النفوس

يجمع المربون أن تقويم المعارف والمهارات الظاهرة ميسور ومقدور، باستعمال أساليب التقويم الشائعة القائمة على اختبار الذاكرة، أو ملاحظة السلوك العملي، فحين تقول “أن يؤدي التلميذ صلاة الصبح بخشوع”، فأنت تستطيع أن تقوّم معارف الطالب بالإنصات إلى قراءته الهجرية لآي القرآن الكريم، وتقوّم سلوكه العملي من خلال ملاحظة حركاته من تكبيرة الإحرام إلى السلام، لكن أنى لك أن تقيس قيمة الخشوع، فهو شعور وجداني داخلي لا يقاس. وقد استعصى على الباحثين في التربية وعلم النفس، بناء منهاج عملي لتقويم القيم، فأنتجوا فيه بحوثًا ودراسات قليلة إذا ما قورنت بالإنتاج المتعلق بتقويم المعارف والمهارات. وخلاصة ما وصلوا إليه، أن تقويم القيم ينبني على قدرة المدرس على صياغة مؤشرات خارجية في سلوك المتعلم قابلة للملاحظة المتكررة، لكي تقوم دليلاً على نضج قيمة من القيم في وجدان المتعلمين.

وقد نظرت في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت هذه النظرية التربوية الحديثة، قائمة على أصولها في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول: “إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان” (رواه الترمذي)؛ فالذهاب إلى المسجد، سلوك خارجي قابل للملاحظة، وتكراره علامة دالة على قيمة الإيمان في نفس هذا الشخص… ويتضح هذا أيضًا من التأمل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أن رجلاً رأى كلبًا يأكل الثرى من العطش فأخذ الرجل خفه فجعله يغرف له به حتى أرواه فشكر الله فأدخله الجنة” (رواه البخاري)، وأن “امرأة دخلت النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض” (رواه البخاري)، وأن “الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات” (رواه البخاري)… فتلك سلوكات خارجية على بساطتها دالة على مدى تمكن القيم من وجدان الإنسان.

وهذا المنهج يجعلنا نقر بأن المربي ينبغي ألا يكتفي بالتذكير بالقيمة والتوعية بها، دون أن يرعاها ويتابع نموها وتطورها في وجدان المتعلم عن طريق القدرة على صياغة مؤشرات للتقويم، يتابع تكرر حدوثها في سلوك المتعلم حتى تقوم دليلاً على تمكن القيمة من وجدانه أو حاجتها إلى مزيد من الجهد. وفي ضوء ذلك يقرر السبل الكفيلة بدعم ما كان إيجابيًّا وعلاج ما كان سلبيًا عن طريق التجديد في طرق وأساليب ووسائل التربية.

تلكم قراءة راصدة وكاشفة لمنظومة القيم الحضارية في السنة النبوية، قرأناها في سياق حاجة واقعنا المعاصر حتى تجيب عن إشكالاته وهمومه، وتأسس لرؤية مغايرة لما هو سائد في واقعنا من مرجعيات تقف عند حدود ما هو مادي، فكانت أقرب ما تكون إلى الحداثة منها إلى الحضارة التي تتميز بالجمع بين الرفاه المادي والارتقاء القيمي والروحي، وتلكم معالم في المنهاج النبوي للتربية على القيم وبنائها في النفوس التي يعتبر تغييرها أساس النهوض الحضاري، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(الرعد:11).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) تعليم القيم الفريضة الغائبة، مجلة المسلم المعاصر، العددان:65-66، 1992.

(2) تعليم القيم الفريضة الغائبة، مجلة المسلم المعاصر، العددان:65/66، 1992.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.