يشغل القصص مساحة واسعة في القرآن الكريم، وهذا يؤكد ما لهذا الفن السردي من أهمية بالغة في إيصال الخطاب القرآني والتأثير به في المتلقي، والذي يظل مشدودًا بتقنية السرد الحكائي لما لها من جاذبية وجدانية وفكرية، ما دامت تفرض عليه سلطة تأثيرية قوية في تقبل المعاني، واستيعاب المواقف بطريقة فنية بعيدًا عن الوعظ والتوجيه المباشرَين.

وباستقرائنا لكافة الأنماط والأشكال القصصية الموجودة بخاصة في القرن المكي، نجد أن القصة القرآنية قصة هادفة ذات وظيفة دلالية محورية، بعيدة عن مجرد سرد الأخبار التاريخية للتسلية المؤقتة أو المتعة المزاجية أو التعليم التلقيني البارد. وهي وظيفة مرتبطة أساسًا بخدمة مقاصد علمية وسلوكية ترمي في العمق إلى الكشف عن الصراع بين القيم الإيجابية والأخرى السلبية، من خلال استعراض مواقف الشخصيات المتضاربة، وأحداث تاريخية ماضية غنية بالعبر والمواقف والقيم النبيلة، كما ترجمها أنبياء وصالحون في سيرتهم وسلوكهم. فهي تضع أيدينا على مكمن الداء كما أبرزته حيوات الأمم السابقة وتجاربها، لتمهد الطريق في النهاية إلى كشف مكامن الدواء كما يريدها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم.

ويمكن حصر مجالات هذه الوظيفة الدلالية المحورية للقصة القرآنية في أربعة مقاصد رئيسة هامة: مقصدية إخبارية تاريخية، ومقصدية تربوية وعظية، ومقصدية نفسية، ثم أخيرًا المقصدية الجمالية.

وسنركز حديثنا في هذه الدراسة على المقصدية الجمالية فحسب، ما دامت تعتبر -في رأينا- من أهم وأغنى مقاصد القصة القرآنية، وذلك لما لها من دور تعبيري فعال في إيصال كل المقاصد الأخرى، وذلك بأسلوب فني وإبداعي مؤثر يحيل مقاصد القصة القرآنية وقيمها وعِبرها ومفازاتها لوحاتٍ فنية؛ لوحات فنية رائعة تؤثر في كيان المتلقي وتدفعه إلى التفاعل معها إيجابيًّا.

وهذه المقصدية الجمالية -مع الأسف- لم تنل الاهتمام الكبير اللائق بها من قِبل أغلب الدارسين والمفسرين للنص القرآني، اللهم إلا ما تم في إطار دراسة الإعجاز البياني للقرآن الكريم عمومًا. لكن خارج هذا الإطار ما زالت الجهود متواضعة في استيعاب حقيقة البعد الجمالي للقصة القرآنية، وهذا ما سنحاول الإلمام بجانب منه في هذه الدراسة المركزة.

التصوير الفني وإبراز الوجدان الإنساني

إن تحقق كل المقاصد القرآنية السابقة، يتم أساسًا عبر هذه المقصدية الجمالية، والتي تجعل من الجمال الفني في الصياغة والعرض، أداة وغاية في نفس الوقت. فالأغراض الدينية المختلفة يتم إبرازها من خلال سياق جمالي متميز، يؤلف بين الغرض الديني والغرض الفني في سياق محكم ومتوازن.

وما كان القرآن الكريم، وهو الكتاب المعجز بأسلوبه البياني وتعبيره الفني المتميز، ما كان له أن يهتم بهذا الحشد من القصص الهادف، دون أن يصوغه ضمن صياغة فنية وجمالية مؤثرة، تفي بكل شروط وآليات التعبير الفني وعناصر السرد الحكائي المؤثر؛ من حبكة وحوار وشخصيات وأحداث وأشكال سردية.

ويظل التصوير الفني -حسب سيد قطب- أهم طابع فني يميز القصة القرآنية، حيث يسري إلى كل عناصرها الحكائية بعفوية تضفي جمالية متميزة على العمل القصصي ككل. فالقرآن عمومًا وفي كل أساليبه الفنية، يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية، ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة والحركة المتجددة.

فالحوادث والمشاهد والقصص والمناظر، يردها شاخصة حاضرة فيها الحياة والحركة. فإن أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل، فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة، وحتى ينقلهم نقلاً إلى مسرح الحوادث الأولى. ومن ثم كان التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن عمومًا وفي القصة القرآنية على الخصوص.(1)

فالمواقف والمشاهد لم تنقل بطريقة إخبارية جامدة، ولكن بطريقة تصويرية يقدم فيها الحدث كاملاً، يجمع بين المعلومة الإخبارية والإحساس المصاحب لذالك، حيث تتضح التجربة كاملة.

كما يركز التصوير الفني على إبراز ما يكتنف الوجدان الإنساني من عواطف وانفعالات، وذلك من خلال سلوك الشخصية وموقفها من الأشياء، وعبر منظورها الخاص تجاه الأحداث. فيكشف ما بداخل الشخصية من انفعالات ومشاعر؛ كالحيرة والقلق والخوف والاضطراب والفزع والفرح والحزن… ومثال ذلك تصوير شخصية “مريم” في سورة مريم، والتفنن في تقديم ما اعتمرها من مشاعر متضاربة، حافلة بالصراع الدرامي الداخلي والخارجي، وأيضًا تصوير شخصية أم موسى عليه السلام التي عاشت ظروفًا نفسية عصيبة وصراعًا داخليًّا شديدًا، تفنن السياق الفني في عرضه في صورة القصص مثلاً.

الأداء الفني وسيلة للإبداع

ومن جهة ثانية، فإن نوعية الموضوعات المعالجة في القصة والغرض المطلوب منها، هو الذي يتحكم في طريقة بناء القصة وطريقة الأداء الفني، الذي اتخذته القصة القرآنية وسيلة للإبداع؛ من تفصيل في العرض أو إيجاز فيه أو اكتفاء بالسرد أو استماع للحوار أو المزح بنيهما أو تعقيد الموقف أو تبسيطه، فضلاً عن انتقاء المواقف المثيرة بما تتضمنه من مفاجآت وحلول.(2)

فقد يتم التركيز في سياق معين على الأحداث، إذا كان القصد إلى الإنذار والترهيب مثلاً. ويتم انتقاء أحداث معينة وجزءًا معينًا من القصة بطريقة فنية معينة تتساوق وطبيعة الموضوع المعالج.

وقد يتم أحيانًا أخرى التركيز على الأشخاص، حين يكون القصد متجهًا إلى تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم على الحق الذي يؤمنون به ويدعون إليه.

كما يأتي تصوير القرآن للشخصية القصصية حسب ما يقتضيه السياق الدرامي للقصة وموضوعها المحوري من المعالجة فتقدم الشخصية بكافة أبعادها الداخلية والخارجية، حيث نلحظ الشخصية في حركة دائمة تتخذ مسلك ما يمليه عليها الموقف، واتجاهًا يكون نابعًا من ذاتيتها. مما يحيل الشخصية القرآنية شخصية غنية بالمواقف والحركية، شخصيات نامية متطورة في أدائها الفني، تعبر عن قيم أو فكرة معينة بكل تلقائية وإقناع بعيد عن أي افتعال. انظر مثلاً شخصية موسى عليه السلام في صراعه مع فرعون ومع بني إسرائيل في رحلته الطويلة، منذ كان صبيًّا إلى أن قام بمهمته التبليغية أحسن قيام.

وقد يكون التركيز أحيانًا على الحوار، حين يكون القصد إقامة الحجة والبرهان والإقناع، بحكاية أقوال الخصم أو التعريض بشخصية ما أو التعقيب عليها، إذ يظل الحوار عنصرًا محوريًّا في مجموعه من القصص القرآنية. ولنا في حوار موسى عليه السلام مع فرعون ومع بني إسرائيل أكبر نموذج لذلك.

وقد يأتي الحدث والشخصية في مستوى واحد من الأهمية فيكمل أحدهما الأخر ويتناوبان على مركز الإهتمام كما في قصة موسى عليه السلام.

خضوع القصة للغرض الديني

وكان أيضًا من آثار خضوع القصة في القرآن للغرض الديني، أن ترد القصة الواحدة في معظم الحالات مكرورة في مواضع شتى، ولكن هذا التكرار -كما يرى سيد قطب- لا يتناول القصة كلها غالبًا، إنما هو تكرار لبعض حلقاتها، ومعظمه إشارات سريعة لموضوع العبرة فيها. أما جسم القصة فلا يكرر إلا نادرًا ولمناسبات خاصة في السياق. وحين يقرأ الإنسان هذه الحلقات المكررة ملاحظًا السياق الذي وردت فيه، يجدها مناسبة لهذا السياق تمامًا في اختيار الحلقة التي تعرض هنا وهناك وفي طريقة عرضها. فالقصة تعرض بالقدر الذي يكفي لأداء الغرض المطلوب، ومن الحلقة التي تتفق معه؛ فمرة تعرض القصة من أولها ومرة من وسطها ومرة من آخرها، وتارة تعرض كاملة وتارة يكتفي ببعض حلقاتها وتارة تتوسط بين هذا أو ذاك حسب العبرة في هذا الجزء أو ذاك. ذلك أن الهدف التاريخي لم يكن بين أهداف القرآن الأساس كالهدف القصصي سواء.

وعلى العموم فقد وفت القصة القرآنية بكل شروطها الفنية المطلوبة، وانتقت أهم الآليات والتقنيات السردية، وأولتها دورًا هامًّا في استجلاء المعاني واستعراض مواطن الاعتبار والعظة، مما جعلها عملاً فنيًّا مكتمل الأغراض مستوفي السمات الفنية والله أعلم بمراد كتابه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) التصوير الفني في القرآن، دار الشروق، ص:36 وما بعدها.

(2) “القصة القرآنية”، لـ”حمد علي قطب”، دار قباء للنشر، ص:214، 2002.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.