إن الحديث عن علم المقاصد بالنسبة إلى الشريعة الإسلامية بمثابة الحديث عن القلب الذي به تنبض، وفلسفتها التي لا يمكن فهم معاني وحكم الشريعة واستيعابها وتفسيرها إلا في ضوء مقاصدها، كما أن علم المقاصد هو بريد الاجتهاد، ومفتاح العلم الموصل إلى الصواب، وبوصلة المواكبة للتطور العلمي والثقافي للأمة، فهو علم تخصصي من الدرجة الأولى ولم يوضع لكل من هب ودب، بل هو علم خاص للمؤهلين له علميًّا وفكريا، “وليس كل مكلف بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة لأن معرفة مقاصد الشريعة نوع دقيق من أنواع العلم، فحق العامي معرفة الشريعة دون معرفة المقصد، لأنه لا يحسن ضبطه ولا تنزيله، ثم يتوسع الناس في معرفة المقاصد بمقدار ازدياد حظهم من العلوم الشرعية لئلا يضيعوا ما يلقون من المقاصد في غير موضعه فيعود بعكس المراد” كما أنه لم يوضع للمنفلتين، أو ممن لم يمكنهم فهم الآليات الأخرى فيهربون إلى المقاصد التي جعلوها رديفًا ومطية لتحقيق الكثير.

وكما لا يخفى على شريف علمكم أن المقاصد تعتني بالضروريات والحاجيات والتحسينات، أي أبواب مصالح الشريعة الإسلامية، وكل باب من هذه الأبواب يضمّ تحته ما لانهاية من المسائل الفرعية التي يضخ كل جديد ومستجد على الدوام والاستمرار، حيث تحتاج في فهمها وتأويلها ولاستنباطها وتنزيلها إلى تمكن من قدر من العلوم لا يستهان به ولا يتأتى إلا لمن كان العلم هو شغله الشاغل، وليس مارا عليه مرورا الكرام، حيث يعلوا عرش المطلوب لخوض غمار هذا العلم  -المقاصد- اللغة وعلومها وأصول الفقه وأبوابه والحديث وعلومه والفقه ومقتضياته وغيرها من العلوم التي لا يسع المجتهد إغفالها أو غض الطرف عنها. ثم يأتي العلم بمقاصد الشريعة وليس مجرد معرفة سطحية أو عادية، بل يكون أداة في بيد المجتهد تمكنه من البناء والتقويم وقد أكد العلماء على ذلك كثيرا، “إذ اعتبر الغزالي المقاصد قبلة المجتهدين من توجه إلى جهة منها أصاب الحق”، كما يعتبر ابن تيمية – رحمه الله- الغوص في مقاصد الشريعة وأسرارها من أجل العلوم التي يحتاجها العالم حتى يميز بين صحيح القياس وفاسده، بل يعتبر حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها خاصة الفقه في الدين”.

كما لا يمكن لعلم المقاصد وحده أو لغيره من العلوم الشرعية أن يتفرد بإدارة هذا الكم الهائل من الأحْكام والِحكم دون تأسيس قاعدة علمية رصينة قوامها ما تقدم ذكره آنفا.

وقد كان علماء المقاصد -رحمهم الله عليهم- قديمًا وحديثًا يريدون أن يكون علم المقاصد خادماً لعملية الاستنباط الفقهي، ويكون موازياً لعلم الأصول وابناً شرعياً، وأن يرتكز الفقه على العلمين في صناعة الفتوى ومواجهة المستجدات التي لا يقبل عليها إلا العالم المجتهد، بحيث لا يُمكن صناعة الفتوى بدون علم الأصول والمقاصد معاً. ولا يُتصور وجود فقيه لا يُدرك القواعد والمناهج والضوابط الأصولية، وكذلك لا يتخيل وجود فقيه عالم لا يدرك مقاصد المسائل وأبوابها وتفريعاتها. لكن حينما ينفكّ علم الفقه عن الأصول والمقاصد، أو ينفلت المقاصدي عن علم الأصول والفقه فسوف نكون أمام كارثة منهجية وأمام اعوجاج يصعب تقويمه. وعليه فلا يتخيل عقلاً وشرعًا أن تتم عملية الاستنباط بتفرد المقاصد فقط، إذ لا يمكن اتقانه واستيعابه إلا بعد التعمق والتمكن من تفاريع العلوم الشرعية، بل هو علم آلة خاص للمجتهد وخصوصا أن المقاصد حتى يومنا هذا لم تؤطر أو تُقنن على غرار أصول الفقه، ولا تزال في طور النموّ والتشكّل والتكوين إذ تعتريه المزالق التي لا يأمنها إلا العالم الرباني.

والغريبُ حقّا أننا أصبحا إزاء مجموعة من الحركيين أرادوا ذبح هذا العلم في عز شبابه وأحوج ما تكون الأمة في حاجة إليه الآن، فيتعاملون مع علم المقاصد على أنه الفقه أو أنه علم منفرد، فمن أدرك المقاصد صار فقيهاً مجتهدا، فلا يفرقون بين الفقه وبين المقاصد كعلمين مختلفين، فمثلا هناك مصطلح “الفقه”، فيمكن إطلاقه على عدة معان، منها الفقه الذي هو العلم المعروف بأبوابه وفروعه ومسائله، ويمكن إطلاقه في سياق آخر فتقول: “فقه الصلاة” وتقصد به هنا فلسفة الصلاة، وحكمة الصلاة، أو وعي الصلاة، وقد يُراد به أيضا أحكام الصلاة وهو المشهور، فينصرف على العلم، وكل هذا يتضح من سياق الكلام وقرائنه. لكن عندما تقول “مقاصد الحج”، “مقاصد الصوم”، فأنت أمام شخص يريد أن يتحدث عن حكمة الصلاة وغايتها والمرامي من التشريع الحكيم لها، ولا يُمكن للمستمع أن يفهم أنّ القائل أو الكاتب يقصد علم المقاصد. فالمشتغلون بالمقاصد هنا لم يفرقوا بين علم المقاصد وبين لفظ المقاصد الذي استعملوه في كلّ الموضوعات، فصرنا نسمع “مقاصد العقيدة”، “مقاصد الأموال”، “ونحو ذلك من جمل إنشائية، وعبارات فضفاضة، يُعقد من ورائها ندوات ومؤتمرات، وفعاليات، وتُطبع كتب في لحظتها لا يُفهم منها سوى تحويل للفقه من مساره المعروف إلى جداول وأسهم، ورسومات وبيانات إحصائيات لا غير. ثم بعد معاينة هاته الكتب تلفيها غير مستقرة على أبواب وفصول ومسائل المعهود في حقل البحث العلمي، وجعلوا المقاصد بابا مفتوح على مصراعيه لكل فكرٍ يخطر على بال أحد، تارة كذا، وتارةً كذا، وتارةً هو كلام حُلوّ عذب سائغ لا يُختلف فيه أو عليه. وللتقريب فلك أن تتخيل أن شخصاً يريد الحديث عن أصول الفقيه فهل يجوز له أن يقول “أصول التفسير”، ويقصد بكلمة أصول هنا علم أصول الفقه؟! فهذا ضرب من المحال.

ثمّ في نفس الوقت يتعاملون مع المقاصد من جانبها اللغوي فقط، أي في إطار الحكمة الشرعية، لا في إطار العلّة المنضبطة أصوليا، والمصالح المعتمدة لا المصالح المتوهّمة. ولم يتمكن هؤلاء القوم من التفرقة بين المصالح المتوهمة والمصالح المستحسنة قطعيًّا، بسبب فقدانهم لأدوات الاجتهاد الأخرى، أو لافتقادهم الاطلاع التام على بقية دوائر العلوم، فدائرة الاستنباط الفقهي تنحصر عندهم في المقاصد وحدها.

كما لا يُمكن لأحد أيا كان أن يضرب صفحًا عن جهود العلماء، غير أن هذا العلم العظيم كان في مرحلة الاستكشاف والنمو، وللأسف الشديد تمّ ذبحه على يد بعض المعتنين به حديثاً واستعجلوا توظيفه سياسياً وفقهياً لخدمة المخرجات النهائية التي لا تبرح حتى تثير بلبلة حولها، والدليل على ذلك تضارب الفتوى بين المؤسسات والمراكز الرسمية والفقهاء في العالم الإسلامي على ذات الوقائع، ومن هنا صارت الفتوى خلف الانتماء وليس العكس. فالمفترض أن عملية الاستنباط تتم في إطار منهجي علمي مبني على قواعد بعيدا عن كل التجاذبات والانتماءات أيا كانت مجاريها.

إن علم المقاصد علم تخصصي من درجة الأولى، ولا يمكن اتقانه والإحاطة به إلا بعد التعمق وإدمان الغوص في تفاريع العلوم الشرعية قاطبة، بل هو علم آلة يتفرد به المجتهد لصناعة الفتوى، كما أن هذا الأمر لا يمنع طبعًا بسط مقدماته لصغار الطلبة والباحثين والمثقفين والمتعلمين، لينهلوا منه، ويوسعوا به مداركهم.