منذ شهر مارس 2020 أصبحت مفردة “كورونا” من أكثر المفردات انتشارًا وحاكمية وتأثيرًا في جميع مناحي الحياة على كوكب الأرض، ولا يختلف أحد حول أنها نقطة فاصلة ما بعدها لا يمكن أن يكون مثل ما قبلها، فتلك الجائحة صبغت المفاهيم والوجود الإنساني نفسه بتقاليد وحيوات كثيرة مثيرة.

لهذا لم يكن غريبًا أن تتدفق النظريات والأبحاث –ليس فقط على المستوي الطبي الآني المهم- في جميع المجالات تدرس وتحلل الموقف، ومواطن التأثير، وتمحص عالم “ما بعد كورونا”.

ومن تلك التحليلات والتأملات العاجلة والمهمة ما تناول الشأن الاقتصادي والاجتماعي بعامة، ومنها ما تناول نواحي تتصل بالثقافة والتعليم، خاصة مع التوسع الكبير بمفهوم “التعليم عن بعد” ورواجه. حتى فى المجال الثقافي نشهد نموًا في عقد الأمسيات الثقافية عن بعد عبر تطبيقات إلكترونية بشبكة الشبكات “الإنترنت”. مما يدعو لإثارة سؤال بحثي مهم حول الكتاب “وسيط الثقافة الأهم” خاصة الكتاب الورقي ومدى تفاعله مع الجائحة، وما المعطيات التى تؤثر على رواجه أو انكماشه فى ظلها، وما يتصل بظروف توزيعه ونشره وتعاطي القراء بل وجميع عناصر عملية صناعته في ظلال الجائحة العظمي.

أول ما يلفت الانتباه أن أولى العناصر الداعمة لرواج الكتاب بنوعيه –الرقمي والورقي- واستعادة مكانته المرموقة في الثقافة وإقبال القراء، هو الحجر المنزلي واسع المدى، والتباعد الجسدي، وإيقاف غالبية الفاعليات ووجوه النشاط الإنساني بعامة التى تعتمد علي اللقاءات المباشرة بين الأفراد، ووفرة الأوقات خاصة لهواة القراءة من محبى الثقافة والذين كان يستغرق بعض وقتهم المساهمات في الأمسيات الثقافية، وبصفة عامة تجريب بعض الناس نشاط مطالعة الكتب كوسيلة لتمضية الوقت وقطعه بالمفيد بل وفي الأساس بالممتع من المطالعات.

ويتجاوز الأمر مجرد قطع الوقت في نشاط مثمر ومفيد مع وفرة الأوقات في العزل المنزلي الطويل، بل أصبحت مقاربة الكتب ضرورة نفسية، ووسيلة مهمة ضمن وسائل قال بها أطباء نفسيين فى وصايا قدموها بضرورة الابتعاد قدر الإمكان عن أخبار الجائحة، وتمضية الوقت فى أنشطة تسر النفوس، خاصة مع انتشار الاضطرابات النفسية تحت وقع الكارثة والخوف من المرض المفضي للموت.

بالتالي انتقل موضوع قراءة الكتب من القول بضرورة استثمار الوقت إلي كونه ضرورة علاجية نفسية آنية لكثير من الناس، وهو أسلوب ما يعرف بـ”العلاج بالقراءة” تم تأصيله كأسلوب علاجي معاصر يعتمد على القراءة باعتبارها من أحدث الطرق أو أساليب العلاج الجديدة في مجال الصحة بعامة، ومفهوم العلاج  بالقراءة يمكن تعريفه بشكل مبسط على أنه: “تقديم الكتاب المناسب للقارئ المناسب في الوقت المناسب”، وهذا العلم يوضح كيفية استخدام الكتاب كعلاج مكمل في المستشفيات العامة والمصحات النفسية، والحق أن العالم “ابن تيميه” قد سبق إلى استخدام هذا الأسلوب العلاجي قائلًا: “أصابني مرض، فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض. فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسرت قويت الطبيعة، فدفعت المرض؟ فقال: بلى، فقلت له: أن نفسي تسر بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجد راحة. فقال: هذا خارج عن علاجنا”

والكتب وسيلة لتعزية النفس وجلب الراحة لها، يقول الفيلسوف الأسكتلندي “ديفيد هيوم”: “لا أريد أن أنال فوق ما نلت، عندي من الكتب ما يمنحني راحة النفس”

هذا الجانب الحكيم بالتناصح العام والذاتي باستثمار الوقت، وأيضًا العلاجي النفسي المهم من العوامل التى سوف تؤدي بطبيعة الحال لرواج الطلب على الكتب والإقبال عليها.

وحتى نقف على استشراف مستقبل الكتاب الورقي في ظل الجائحة، يجب بداية أن نشير لتعريفه المشهور والذي صكته هيئة اليونسكو: “الكتاب الورقي كل مطبوعة غير دورية تحتوي على الأقل على 49 صفحة باستثناء الغلافين”. ولا شك أن هناك حاجة للوعي بأن نشر الكتب هو مغامرة محفوفة بالخطر في البلاد التى تعانى من التأخر الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، ومؤشرات الخطورة كثيفة كتدني معدل العناوين في هذه البلاد لكل مليون نسمة من السكان، وكثيرا ما وجدنا عبر السنوات الفائتة تقارير وبيانات تشير أن انتاج دولة أوروبية متقدمة صغيرة يفوق إنتاج الدول العربية من الكتب في سنة واحدة، ويشير الباحث/ أمين جبر سليم لصناعة النشر بتقديرها مجازفة حقا: “لابد من وجود عناصر أربعة في صناعة الكتاب، وهى المؤلف، والطابع، والبائع، ثم الشريك الرابع الذي يحتل المركز الرئيس في صناعة الكتاب، وهو الناشر، فهو الذي يجمع الشركاء الثلاثة الآخرين معًا، وهو أيضًا الذي يأخذ زمام المبادرة في مغامرة صناعة الكتاب”

وهذه المغامرة تشير إلى تفاقم مشكلات نشر الكتاب الورقي، وما يواجه من تحديات كثر، سواء ما قبل أو ما بعد كورونا،  وقد تناولتها أقلام وأبحاث مقدرة علي مر السنوات، منها على سبيل المثال دون الحصر: ضالة حجم القوة الشرائية، وارتفاع تكلفة الإنتاج والطباعة، وضعف الإقبال على القراءة باستثناء الروايات نسبيًا، وغياب الإدارة الثقافية وركنها الركين “التخطيط الثقافي”، وأزمة الترجمة والمثاقفة، وأزمات التزوير والاعتداء علي حقوق ملكية الإبداع والفكر، والقرصنة الإلكترونية بتصوير الكتب بالماسح الضوئي أو بغير ذلك من وسائل، وتحويلها لكتب إلكترونية، إضافة لداهية تفشي الأمية … إلى آخره.

وضاعف من هذه الأزمات المزمنة في زمن الكورونا إغلاق مكتبات البيع، وضعف ارتياد دور النشر، والاقتناء الورقي بعامة خوفًا من العدوي، كما أن المنظور أن الجائحة قد لا تختفي قبل سنة 2022 –وندعو الله تعالى أن يذهب الوباء برحمته الواسعة بأقل من لحظة إنه ولى ذلك والقادر عليه- فإضافة لمراوغة الفيروس اللعين وشراسته، والقول بتعدد طبعاته وسلالاته القاتلة، فإن نجاح أحد اللقاحات التى يجرى سباقها المحموم والمحمود الآن لن يكون قبل ديسمبر، أما تصنيعه وإنتاجه عالميًا فقد يستغرق سنة أخرى لتصل إلي أكبر عدد ممكن من مليارات البشر، مما يعنى عدم إقامة معارض الكتب، وهى الوسيلة الأهم لصناع الكتب في ترويج وبيع الكتاب الورقي، والنشر بصفة عامة، فدار نشر حكومية واحدة بمصر اقتربت مبيعات كتبها من حاجز الاثنان مليون جم سنة 2019، وغياب المعارض المحلية والإقليمية لا شك يعني تراجعًا كبيرًا فى سوق الكتاب الورقي.

من ناحية أخرة أن هذا التراجع يعني رواج مقابل الكتاب الورقي من الكتب الرقمية، وهذا يشدنا بطبيعة التناول إلى الحديث المسبق حول الصلات بين الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني، وهي قضية قديمة متجددة دائما، وبالطبع تسطع بقوة أكثر مع أزمة الكورونا، والنشر الرقمي للكتب بمفهومة المحدد: “ابتكار شاشات تضاهي الصفحات الورقية للكتب التقليدية علي أجهزة الحاسوب، وأجهزة الحاسوب الكفية، أو أجهزة القارئ الإلكتروني المستجدة مثل جهاز ماك”، والبعض يرى أن مؤشرات المستقبل تشير نحو تصاعد هيمنة الكتب الإلكترونية وعلو كعبها على مبيعات الكتب الورقية، بينما ترى أجيال أخرى أن الكتاب الورقي سيظل فارس الميدان رغم منافسيه الكثر، وأن المطبوع له بريق وشغف خاص به، ومتعة لا تقاربها متعة قراءة الكتب عبر الشاشات، هذا الشغف الذى أشار إليه الروائي/ أمير تاج السر بأنها حالة تفارق بل قد تختلف تمامًا عن حالة الرغبة في القراءة ذاتها، أنها حالة من عشق الكتب يعرفها مدمنوها، لدرجة القول شرقًا وغربًا: “إننا نفتقر إلى فهم التأثيرات النفسية والاجتماعية للمطبوع، مما يحير أي دارس للتاريخ الاجتماعي للكتاب المطبوع”، ويفسرها البعض بتعبير “المحنة النوستالجية”، والتى تعنى الشغف بالماضي.

لكن أرى منذ التسعينيات أن الصراع بين نوعي الكتاب مختلق وغير متخيل في الأساس، فالتكافل بينهما يضمن النمو لهما جميعا، ووجدت هذا الرأي أيضًا عند مفكرين كثر، منهم الباحث/ جبريل محمد العريشي: “أن الكتاب والإنترنت لن يلتهم أحدهما الآخر، ولكنهما يتوافقان إلى أبعد الحدود، لأن المبدأ واحد وهو المشاركة في الفكر والمعلومات … كما أشك أن الكتاب الورقي سيختفي بفعل ظهور تقنيات الإنترنت، بل أكاد أقول إنه سينتشر أكثر فأكثر بفعل الدعاية الواسعة التى يوفرها الإنترنت”.

وهنا نلتفت أن قيام بعض دور النشر على منصاتها الإلكترونية على الإنترنت بإهداء القراء وإتاحة بعض إصداراتها الورقية علي شكل رقمي، يؤدي إلى رواج الكتب الورقية نفسها، فالبعض لا يستطيع القراءة علي الشاشات ويرغب في تقليب صفحات الورق فى شوق حميم، كما أن البعض يرى اقتناء الكتاب الذى طالعه رقميًا علي شكل ورقي بحيث يمكن له استعادته بسهوله ومطالعته من جديد في الوقت الذي يريد، إضافة أنها وسيلة مشهورة في فكر تسويقي حديث، يعني بإتاحة المنتج وخلق الطلب عليه، من خلال تقديم العروض أو العينات المجانية.

ورغم قولي وغيرى أن الشعار المعتبر بين نوعي الكتابين هو “التكامل بديلًا عن التنافس”، لكن لابد من القول إن أزمة الكورونا ستؤدى إلى رواج أكبر للكتب الرقمية لميزات تنطوي عليها منها سهولة النقل وإتاحتها دون الحاجة إلى المخالطة بين البائع والمشترين، وتوفيرها إلى المنزل.  ومن قبل الجائحة أشار تقرير: “عمد كثير من الناشرين في الغرب إلى إضافة الإصدارات الرقمية إلى انتاجاتهم، حيث يحظى النمط الأخير بحصة ثلث مبيعات سوق الكتب في الولايات المتحدة الأمريكية وأكثر من النصف في أوروبا الغربية”، وبالطبع سيتضاعف الأمر مع عاصفة كورونا.

كما أن دور النشر أصبح حتمًا عليها العناية الفائقة بموقعها الإلكتروني وتخصيص قسمًا خاصًا للإصدار الرقمي سواء المجاني أو المدفوع، كما أصبح حتمًا عليها –خدمة للكتاب الورقي-  تأسيس قسمًا او موقعًا خاصًا لبيع الكتب عبر خدمة التوصيل المنزلي، وتحفيز هذا النشاط الذي لم يعد بديلًا بل أصبح سمة زمن الكورونا، ففي تقرير صحافي ُنشر 20/4/2020 بمواقع كثر: “فقد كشف تقرير متخصص عن “مؤشر التسوّق” للربع الأول من عام 2020 والذي يتناول بيانات وأنشطة ما يزيد عن مليار متسوّق حول العالم، عن  تغيّرات في سلوكيات الشراء حول العالم، وذلك متأثرة بانتشار جانحة فيروس “كوفيد-19” وإقدام العملاء على شراء المنتجات خلال التزامهم بالبقاء في منازلهم، حيث أن مبيعات التجارة الإلكترونية سجلت نمواً 20% بسبب كورونا”، وكما أشار الخبر أن هذا سيكون الوضع الطبيعي اللاحق برواج تلبية الاحتياجات جميعا عبر الشراء عن طريق الإنترنت.

إن الكتاب الورقي يواجه تحديات جديدة فى عصر الكورونا، ندعو الله تعالى أن يخرج من محنته ظافرًا ونحن معه جميعًا.