مع نهايات القرن المنصرم وبدايات الألفية الجديدة، بزغ توجه جديد في المنظمات الاقتصادية العالمية والمؤسسات التربوية والدينية والتعليمية والأكاديمية والأمنية، يدعو إلى التخلي عن المفهوم التقليدي للقيادة المستند إلى الهرمية والوصاية وسلطة المركز، وتبنِّي أنماط ونماذج قيادية جديدة تشجع العمل الفريقي التعاوني، والمشاركة في صنع القرار، والاهتمام بالمرؤوسين وتعزيز نموُّهم.. كل ذلك في إطار أخلاقي إنساني يتزامن فيه الارتقاء بأداء المنظمة ونوعية إنتاجها والاعتناء بالعامل والاهتمام به.

من هنا لم يكن مستغربًا أن يبدأ نمط جديد في القيادة يطلق عليه “القيادة الخادمة”؛ يدعو إلى إيلاء الموظفين العناية المتزايدة وتلبية حاجاتهم بوصفها الأولوية الأولى للمنظمة، بطرح نفسه نمطًا قياديًّا فعّالاً ونظرية معاصرة مشروعة في القيادة المنظمية.

من المبادئ الأساسية للقيادة الخادمة؛ خدمة المجتمع، إنها تُساهم في تأسيس ثقافة خدمة الآخرين، وتنادي بالفضائل الإنسانية التي تحتاجها المجتمعات المختلفة.

إن القيادة الخادمة تُشجِّع الأفراد على إحداث توازن في حياتهم بين ممارسة القيادة وخدمة الآخرين، فهي تحث القادة على أن أولويتهم الأولى هي خدمة أتباعهم، وفي الوقت نفسه تشجع الأتباع على استثمار الفرص الموقفية لممارسة القيادة، إذ إن الغاية من القيادة الخادمة هي تحسين حياة الأفراد أنفسهم، ثم رفع مستوى منظماتهم من بعدهم.

مفهوم وطبيعة القيادة الخادمة

القيادة الخادمة (Servant Leadership) تقوم على فكرة ذكية وهي أن القيادة عندما تقود الأفراد، تخدمهم لكي يكونوا أكثر استعدادًا لكي يقوموا هم أنفسهم بخدمة الآخرين. وإن مما يكمل تلك الفكرة حقًّا، هو أن الأفراد الذين يجب استخدامهم أو تحفيزهم وتشجيعهم لإنجاح القيادة الخادمة أن يكونوا من نمط الأفراد الذين يميلون للخدمة أولاً، أي لديهم الاستعداد عند خدمتهم أن يكونوا خدمًا للآخرين.

والقادة في ذلك هم القادة الخادمون الذين يُقَدِّمون النموذج في الخدمة أولاً، ويقودون لكي يخدموا العاملين، ويكونون محفِّزين ومشجِّعين على أن يقوم العاملين بخدمة الآخرين.

للوهلة الأولى يبدو الأمر غريبًا حينما تقول “إن القائد خادم”، لكن الحقيقة الموضوعية التي تتجلى من خلال ذلك، تجعل هذا المفهوم أكثر تجسيدًا لحقيقة القيادة ودورها في تحقيق أهداف المنظمات الإنسانية العاملة، إن الأمريكيين والأوربيين يقولون: “إن المسؤولية الأولى للقائد هي توضيح الأهداف للعاملين معه، وثم في النهاية تقديم الشكر على الأداء المُنجز، وهو بين هاتين المُهمَّتين يعمل معهم كخادم لهم”.

القيادة الخادمة (Servant Leadership) تقوم على فكرة ذكية وهي أن القيادة عندما تقود الأفراد، تخدمهم لكي يكونوا أكثر استعدادًا لكي يقوموا هم أنفسهم بخدمة الآخرين.

إن هذا المفهوم الشائع الاستخدام في الفكر الأمريكي والأوروبي للقائد كخادم، عادة ما نجد له مرادفًا للاستخدام في تاريخ الفكر الإسلامي قديمًا، فإن المَثَل يقول “سيد القوم خادمهم”، وهذا ما يتوافق مع الفكر الإداري المعاصر، لكن العقول التي لا ترقى إلى هذا المستوى من التفكير، حاولت أن تطمس معالم هذا المَثَل السليم من خلال القول “صغير القوم خادمهم”، وهذا الفهم القاصر لا يتوافق مع حقيقة القيادة وتأكيدها بأن أكثر القادة قُدرة على تحقيق إنجاز الأهداف التي يُرجى بلوغها هم أكثرهم انسجامًا مع مفهوم “كبير القوم خادمهم” لا صغيرهم.

إن المفهوم العلمي المعاصر لكلمة القائد يُركز على أن القيادة تمثل القدرة أو القابلية التي يستطيع من خلالها الفرد توجيه جهود الآخرين نحو تحقيق الهدف المُراد إنجازه بكفاءة وفاعلية.

أبعاد القيادة الخادمة

  • المهارات المفاهيمية: حيازة المعرفة عن المنظمة والمهام الموكلة له بحيث يكون في وضع يُمكّن القائد من تقديم المساعدة والدعم الفعّال، وتسهيل مهام الآخرين خصوصًا المرؤوسين المباشرين.
  • التمكين: تشجيع وتقديم التسهيلات للآخرين وخصوصًا المرؤوسين المباشرين، من خلال تحديد وحل المشاكل، فضلاً عن تحديد متى وكيف يتم إتمام مهام العمل على أكمل وجه.
  • مساعدة المرؤوسين على التطور والنجاح: تقديم الاهتمام الحقيقي لنمو المرؤوسين من خلال توفير الدعم والتوجيه اللازم.
  • الاهتمام بالمرؤوسين أولاً: استخدام الإجراءات والعبارات الواضحة للآخرين، تلبية احتياجاتهم من العمل واعتبارها أولوية (المشرفين الذين يمارسون هذا المبدأ غالبًا ما يقومون بإعطاء أولوية قصوى لمشاكل المرؤوسين الذين يواجهونها في أداء المهام المُسندة لهم).

فوائد القيادة الخادمة

أ- تطوير المنظمة: نقاط القوة الرئيسة لنظرية القيادة الخادمة هي مساهمتها في التطوير التنظيمي، يتجه القائد الخادم من نمط القيادة التقليدي الذي يُركز على الهيمنة على المرؤوسين وتلقينهم ما يجب القيام به إلى نمط القيادة الخادمة، حيث يخوّلهم بالعمل ويلهمهم. وهذا الإلهام يؤدي إلى جهود جماعية، وناتج العمل يكون أكثر وأعظم من الجهود الفردية.

إن المفهوم العلمي المعاصر لكلمة القائد يُركز على أن القيادة تمثل القدرة أو القابلية التي يستطيع من خلالها الفرد توجيه جهود الآخرين نحو تحقيق الهدف المُراد إنجازه بكفاءة وفاعلية.

بـ- تطوير الموظفين: القيادة الخادمة لا تُلقي بأهداف المنظمة على عاتق الموظفين، بل على العكس، تبذل القيادة الجهد والوقت لمساعدة الأتباع على فهم نقاط القوة والضعف الخاصة بهم. القائد الخادم يساعد مرؤوسيه على الوصول لقمة طاقاتهم الجسدية والفكرية، وبذلك يصل المرؤوسون إلى التوازن في حياتهم، وتساعد المنظمات على تطوير رأس المال البشري والمحافظة عليه.

جـ- خدمة المجتمع: تُعدُّ خدمة المجتمع من المبادئ الأساسية الأولى للقيادة الخادمة، فالقيادة الخادمة تُساهم في تأسيس ثقافة خدمة الآخرين، سواء داخل المنظمة أو خارجها، وتبرُز أهمية القيادة الخادمة على مستوى المجتمع من كونها تنادي بالفضائل الإنسانية التي تحتاجها المجتمعات المختلفة. فمع ظهور القيادة الخادمة نشهد ازدهار الحركة الاجتماعية، كما سيكون لدى المجتمع قيم مُثلى تصب في الصالح العام، ونموذج أكثر قوة من خلال ما تفرزه القيادة الخادمة من مبادئ الإنصاف والعدل. كما أن القيادة الخادمة تقوم بإنجاز المهام التي تلبي الحاجات الإنسانية الأصلية في المجتمع بالنمو التربوي الواعي.

(*) كاتب وباحث فلسطيني.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.