إن المسؤول عن أزمة القيم، ليس شخصًا مشخّصًا نسميه ثم نقدّمه للعدالة الأخلاقية التي يكون الضمير فيها قاضيًا، ولا مذهبًا فلسفيًّا خطر على عقل فيلسوف جاهد طويلاً كي تبرق في ذهنه هذه الفكرة، أو تكون هذه الإرادة التي تريد أن تشبع نهمها الغرائزي وقواها الغضبية والشهوانية. كلّا! إن المسؤول عن أزمة القيم بخاصة المتعالية منها هي رؤية مخصوصة إلى الإله والإنسان والكون، رؤية إلى العالم أمسكت بالوجود وانفعلت فيه وعبّرت عن نفسها من خلاله، وسارت في موكب هذه الرؤية الإنسانية بخاصة الأوروبية منها، التي أضحينا نؤرّخ لها من ميلاد العصور الحديثة، كبيان على شهادة ميلاد رؤية جديدة إلى العالم، كان على الإنسان أن يسكن فيها وأن يسكن إليها، لكي ينجز مشروع التقدّم، ويعي الكون وعيًا علميًّا ويصل إلى السعادة المفقودة. وكان هذا التَّعاقد بين إنسان الحداثة والرؤية الحديثة إلى العالم لزمن مفتوح يكون الإنسان فيها سيّدًا على العناصر كلّها، كان هذا التَّعاقد مصدرًا لاعتزاز الحداثة بمشروعها.

يبدو أن العلة الكامنة خلف هذا الانشطار في تأسيس الأخلاق، وأوجه التدابر والتنافر بين مذاهبها، أنه لم تعد هناك نظرة موحَّدة إلى العالم تجمع هذه الجوانب الإنسانية في ناظم كلّي يرتب هذه الحاجات ضمن سلّم في القيم، يمنح لكل جانب من جوانب الإنسان

غير أن هذا الاعتزاز بهذه الرؤية الحديثة إلى العالم لم يتجه بالقيمة إلى مكانها الحقيقي، وقامت العقلنة بعملية التحوير والإفراغ للقيمة من دفقها الروحي والحيوي، وجمّدتها في أنساق العقل المتصلبة، في حين أن القيمة ليست موضوعًا للعقل، ولا موضوعًا للعلم، إنّما هي موضوع للوجدان. لقد توهَّم العقل الحداثي أن إدراك القيمة يعني تحليلها، غير أن إدراكه لها تحليليًّا تسبَّب في تدميرها وإفراغها من مضمونها الشعوري، المضمون الذي يُعاش ولا يحلّل، المضمون الذي يُدرك القيمة بقدر تفاعلنا وجدانيًّا معها، ويتصاعد بقدر امتلاء القلب بعشقها وحبّها، وليس بقدر إسكانها في أنساق المجتمع المنفعية المتغيّرة، أو اختزالها في دوافع نفسية لا واعية.
إذن وبعد أن استبانت المآلات الانحطاطية لمشروع الحداثة الأخلاقي، الذي يفصل القيمة عن منابعها الحيوية بسب الرؤية العلمية إلى العالم، وبعد أن استبان هذا المشروع الذي أفقر الذّات الإنسانية من حيث روحانية القيم، فإن ما يلوح في المستقبل هو أهمية التشريع لحالة نقل القيمة من رتبتها الجزئية والاختزالية إلى رتبة المقومات الكلية، أو من أبستمولوجيا الفصل إلى أبستمولوجيا النَّماذج المؤسسة والكلية، التي ترى في منظومة القيم معايير كلية تنتظم وتتقوم بها مختلف الفاعليات الإنسانية من المعرفة إلى الحياة في النظر كما في العمل. إننا نروم إعادة تنزيل القيمة بمعناها التوجيهي وبمعناها التأسيسي الكلّي، وهذا موقوف حصوله على إعادة بناء المفهوم الحقيقي للقيمة، واستعادة دوره التفعيلي والتوجيهي، وذلك في صُلْب الإشكالات الراهنة التي يظهر فيها الانفصال بين القيمة والحياة، وكيف عالجتها اجتهادات معرفية معتبرة تعطي للقيمة منزلتها الكلية، إدراكًا منا بضرورة استئناف النظر في السبل المنهجية الجديدة، التي ندخل بها طريق تخليق الوجود الإنساني، لأن العالم يشهد تحوّلاً منتَظرًا نحو نظام أخلاقي جديد، يستوجب منا تجديد سؤال القيمة الأخلاقية، من حيث مكانتها ودورها المنهجي في العلوم وفي الثقافة وفي السلوك وفي الفنون.

لماذا يجب أن نجدد منظومة القيم؟

إن المعيار الأساسي الذي نمر به عبر موضوع القيم قبل الكلام في ماهيتها أو مفهومها، الكلام أولاً في جملة المسوغات التي تجعل مسألة القيم مركزية وأساسية، بخاصة أن ما تطالعنا به مشكلات الإنسان المعاصر (الشعور بالاغتراب، فقدان المسوغات، الانفصال بين المبدأ والسلوك، أفول الواجب، العقل الأعمى، المعرفة المعلولة، عزلة الأخلاق، ما بعد الأخلاق) يؤشر على مدى انعدام قيمة القيم والدخول في لحظة العراء من المعنى أو الفراغ من الأسس.
ويمكن لنا رصد هذه المسوّغات التي دفعت بالقصد الإنساني إلى استعادة سؤال القيم مجددًا، ليس باعتبارها رهانًا وإنما باعتبارها ضرورة في الآتي:
1- حلول العدمية وإمساكها بالحياة، وهذا بعد أن تفككت الشرعيات الكبرى أو ما يسميها “جون فرنسوا ليوتار” “موت السرديات”، أو بالأقوى؛ الأسس المرجعية التي تمنح المعنى للسلوك والحياة. والأدهش أن هذا “الموت للسرديات” زحف أيضًا، فضلاً عن الدين والأخلاقيات الدينية، إلى وعود الحداثة والرؤية العلمانية للمعرفة والحياة، منها -تمثيلاً- مذاهب القرن الثامن عشر المتصلة بتحرير المواطن، أو الإقرار بأن التاريخ مبحث عقلاني غائي تشكله الروح الواعية بذاتها، أو الماركسية ووعودها في مجتمع من دون طبقات، أو العَلموية (الإفراط في الثقة بمنهج العلم) مع فرانسيس بيكون ويوتوبياتها حول إنهاء المرض والشيخوخة، أو التحليل النفسي الفرويدي بوعوده التي لازم فيها بين التحرر من الإكراهات وحصول الصحة النفسية للإنسان الحديث. والشاهد الأمثل على هذا الانقلاب الأخلاقي صورة الأخلاق الكانطية؛ فإذا كان الواجب الكانطي يعبّر عن صيغة أخلاقية كلية وشاملة، فإن الواجب في عصرِ ما بعد الحداثة أضحى سردية قديمة فقدت مشروعيتها، واللازمة المنطقية هي أن حلول العدمية وموت الأيديولوجيات يؤديان إلى نزع الشرعية عن المبحث القيمي وما وراء الأخلاق، فضلاً عن موت الأيديولوجيات.
إن الفردية المنبثقة عن هذا الموت قد طلعت من جديد، ومعناها أن يتخذ الفرد من ذاته مثلاً أعلى وقيمة توجيهية معيارية. إن الفردية المعهودة في تجربة الحداثة تُبصر في المجتمع جدارًا عازلاً عن بلوغ ذاتها بسبب أخلاقه المغلقة، بينما الفردية تبتغي أخلاقًا مفتوحة، ومن شعاراتها التي كانت ترفعها التحرر من إطارات المجتمع أو الدولة أو المؤسسات الدينية، بينما الفردية المعاصرة التي وصفها “جيل ليبوفتسكي” في مؤلفه “عهد الفراغ محاولة في الفردانية المعاصرة”، فإنها لم تَعُد تشير إلى انتصار الفردانية على القواعد الإلزامية، أو كسر ألواح الأخلاق المغلقة، بل تدل على إنجاز أفراد غربيين على الأنظمة، على القواعد، على شتى الإلزامات مهما كان مأتاها، على الخضوع لسلطة واحدة، ماذا نلقى في هذه الفردية المعاصرة؟ مُتَع النرجسية بأكثر مما نجد من سبيل للاستقلال الذاتي، نلقى تفجّر الاستمتاع بأكثر من غزو للحرية، أولوية قيم الاستمتاع، إباحيات، نفسانيات، ولجنا عصر النّرجسية، إنه زمن السلوك النّرجسي.
2- المكانة المحورية للقيم في نظام الحياة الإنسانية، إذ هي التي تحدد نظام الحاجات ومستوى إشباعها، ذلك أن ثمة حلقتين: حلقة الفكر وحلقة الإرادة، فالفكر يفكّر في الحاجات ويحدد مراتبها (روحية وعقلية وحسية)، أما حلقة الإرادة فتحدد التوجه لتتحرك الجوارح إلى نيل مقصودها، وتقسّم القيم التي تشبع الحاجات إلى قسمين: قسم القيم المعيارية، وقسم القيم النسبية. والمقصود بالقيم المعيارية تلك التي لها معيار تقيس به صوابية وسائل إشباع الحاجات وسياساتها. وفي هذا المعيار نقرر الوسائل الصائبة من الخاطئة والحلال من الحرام.. أما القيم النسبية فهي التي ليس لها معيار عقدي مسبق، وإنما تستند في صوابيتها ومشروعيتها على نسبة رغبات الأفراد والجماعات. والعامل الحاسم في هذا النوع من القيم هو ما تجمع عليه الأكثرية في المجتمع. وخطورة هذا النوع من القيم أنه متذبذب الصَّوابية والبقاء بتذبذب رغبات الأفراد والجماعات، ولذلك يفرز أشكالاً مضطربة من المشكلات النفسية والاجتماعية. وفي مستوى الواقع المشهود فإن القسم الثاني هو الذي هيمن، لأن الانفصال عن القيم العليا قد فتح المجال على تعددية مفتوحة، بتنا معها لم نعد نعرف ما الذي نعنيه بكلمة القيم.. وثمة مناحٍ فلسفية أسهمت في تجريد القيم من طبيعتها المقدسة، ونظرت إليها كمنظورات تعكس من جهة أولية نمط وجود الكائن، وتعكس من جهة أخرى قناعًا صامتًا يطلب الهيمنة والسلطة، وأرست في نقديتها أن الاعتقاد بوجود قانون أخلاقي كلّي قد تصدّع أمام الإقرار بأن مصدر الأخلاق هو إنساني بحت. فالميل إلى الاعتقاد بالنسبية التاريخية والثقافية، مثل المحاولات المتعددة لتجريد القيم من قدسيتها وتحويلها إلى أغطية أيديولوجية تتستر خلفها آليات سلطوية، أسهمت في زعزعة الاعتقاد الفلسفي والديني والفني بالحق والخير والجمال كقيم مطلقة.. هذه الأزمة القيمية الكبرى التي هزّت بعمق القرنين الماضيين، أفضت إلى تشويش الثوابت اليقينية في اتجاهات متعددة.
جلي إذن أن ثمة لفتة إلى قيمة القيم في ظاهرة الأزمة بحدّ ذاتها، وذلك بإرادة النظر إليها باعتبارها تُمثّل الهوية الجوهرية التي تمنح القيم الأخرى قيمتها، وفي منظور الأخلاقية الدينية تُرفع الدلالة الوجودية الإنسانية إلى مقام الدلالة الأخلاقية. فالأمانة التي كَلَّف بها الإلهُ الإنسانَ هي الأخلاق، ويقول المرحوم “إسماعيل الفاروقي” مؤكدًا على هذه الحقيقة: “وما الأمانة أو المشيئة المقدسة التي عجزت السماوات والأرض عن تحملها، إلا القانون الإلهي المؤسَّس على حرية الخليقة، أما فيما يتعلق بالسماوات والأرض، فإن إرادة الله تعالى تتحقق بالأمر الإلهي التكويني”. ومن هنا فإن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يتوفر في فعله الشرط الأخلاقي وهو الفعل الحر. والقيم الأخلاقية أرقى من القيم الأولية الطبيعية، حيث إنها تستبطن قبولها هي والقيم النفعية الوسائلية مسبقًا وتُجاوزها، ومن ثم تتبوأ مكانة أسمى من كليهما. ومن الواضح أن القيمة الأخلاقية للفعل الحر هي الشق الأسمى من الإرادة الإلهية التي لأجلها خَلَق الله الإنسان، وأنعم عليه بأن جعله خليفة بأمره في الأرض.

إن حاجة الحاجات راهنًا هي التربية على القيم لتكييف الطبيعة مع قانون القيمة بمنهجية تركيبية تكون فلسفة الثنائية القُطبية نبراسًا هاديًا لها.

3- ازدياد الحاجة في نسق اهتمامات الإنسان المعاصر إلى منابع أخرى للمعنى؛ وسبب هذا الازدياد لمصادر أخرى للمعنى وقيمة الحياة بدلالة تتجاوز الدلالة النفعية؛ فشل مشاريع نَسْبنَة القيم في تلبية هذه الحاجة الإنسانية العميقة، أو في تقديم إجابات مقنعة عقليًّا، وشافية نفسيًّا لأسئلة الوجود والمعنى ومصير الإنسان بعد أن قرئت أنظمة القيم الأخلاقية الهادية والسامية وفق مقولات النسبية التاريخية. وأسهمت في هذه النتيجة أو هذا المآل المؤسسات التعليمية الغربية وأنظمتها المعرفية، التي تمكَّنت من إحداث القطيعة بين الحقيقية الروحية الأخلاقية والحقيقة العلمية، من خلال نقد النظرة الدينية إلى العالم ونشر العلمنة بما هي انفصال عن القيم التوجيهية، وعلى مكارم الأخلاق في المجال العام أولاً، وفي المجال الخاص ثانيًا، وكونت بعد هذه القطيعة مع أخلاق الدين، منظومات أخلاقية لا تحمل توجيهًا أخلاقيًّا رافعًا نحو مكارم الأخلاق، وإنما تحمل رؤية إلى العالم تجد ركائزها المحورية في:
• اختزال رحابة العالم في الدلالة الحسية والمطابقة بين الوجود والمحسوس.
• توجيه المعرفة نحو المصادر الحسية ونحو تنمية دوافع القوة والهيمنة، وذلك بفصلها عن أيّة مقاصد أخلاقية وأبعاد توجيهية.
• ابتكار منظومة قيم مجتمعية لا تتأسس على مرجعيات دينية وفيما بعد عقلية مثالية، وإنما هي مرجعيات نسبية مؤقتة، تعكس إرادة تدبير الكائن لشروط وجوده ضمن ظروف حياتية مخصوصة، فهي تارة معيار أخلاق الواجب وتارة معيار العواقب المنفعية.. وأحيانًا إرادة القوة بما هي مبدأ شرعة القيم الجديدة، وأحيانًا أخرى معيار الفردانية. ولا عجب بعد هذا الانفراط في المبادئ، أن يطالعنا حكماء الأخلاق المعاصرون بظاهرة الخروج عن الأخلاق بصورة كلية.. ونذكر من هذه الاتجاهات الخارجة عن الأخلاق، اللاطبيعيون ورئيسهم في ذلك هو “جورج إدوارد مور”، ومذهب النسبية الأخلاقية في نسختها الأنثروبولوجية، والنزعة الانفعالية مثلما تظهر لدى “أجي آير”، وفكرته عن البرهان الأخلاقي المستحيل.
وإنه ليبدو أن العلة الكامنة خلف هذا الانشطار في تأسيس الأخلاق، وأوجه التدابر والتنافر بين مذاهبها، أنه لم تعد هناك نظرة موحَّدة إلى العالم تجمع هذه الجوانب الإنسانية في ناظم كلّي يرتب هذه الحاجات ضمن سلّم في القيم، يمنح لكل جانب من جوانب الإنسان حاجته التي تجعلها شرطًا للتوازن ضمن نسق كلي ملمحه الجوهري هو التركيب بين الطبيعة والضّمير.. وهذا التركيب هو روح المنهج المتوازن، الذي تتوسط أحواله بين الشدة واللين، بين الطبيعة والفضيلة، بين المادة والقيمة.. وبالتالي فإذا لم يتوفر هذا الناظم المنهجي التركيبي، فإن مآل أساس الأخلاق سيزيد في تشعبه وسيلانه، ويبتعد أكثر عن التكامل الأخلاقي بين الطبيعة والضمير كصيغة من صيغ التركيب المنهجي الكلي، والذي يمكن أن نطلق عليه صفة الفلسفة ثنائية القطب، الضمير والطبيعة، أو الطبيعة والقيمة.
وإذ تبيّن هذا، فإن حاجة الحاجات راهنًا هي التربية على القيم لتكييف الطبيعة مع قانون القيمة بمنهجية تركيبية تكون فلسفة الثنائية القُطبية نبراسًا هاديًا لها. وهذا بسبب مصادمة الأنساق الأخلاقية الغربية المؤسَّسة -في أغلبها- على الاتجاهات الفلسفية والمادية، ومصادمتها للهيئة الخلقية والروحية التي انطوت عليها نفس الإنسان. إن للعالم جانبين؛ روحي وآخر مادي، الأول ينتمي إلى الطبيعة التكوينية غير الحرّة، والثاني ينتمي إلى عالم القيم أو عالم الطبيعة الأخلاقية الإنسانية. وإن أغلب مناحي الاضطراب تأتي من سعي الجانب المادي إلى اجتناب الروحي، أو من تهميش الروحي للجانب المادي، وهو أحد أعراض مشكلات القيم في الفلسفات التربوية المعاصرة. والفلسفة ثنائية القطب تقدّم حلاًّ جذريًّا، لأنها موصولة أكثر بالقناعات الأولى والصور الإدراكية الأصلية التي تُشرْعن للتفكير والتفعيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة سطيف / الجزائر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.