إن الإمام النورسي في حركته بالدعوة إلى حقائق الإيمان، يملك عُدّة متينة متوازنة مؤثرة فاعلة، شاعرًا بحيوية الدعوة في أعصابه، وتوهجها في ضميره، وانطلاقها في دمائه.. تمنعه من الراحة والدعة، وتشغله بها عن نفسه، مندفعًا بصدقه وإيمانه بدعوته التي تصبغ جوارحه ونظراته وحركاته وإشاراته.. فينفذ كلامه إلى القلوب محركًا العواطف، وباعثًا الحياة في الفِطَر السليمة بما يمتلك من عقلية واقعية تصويرية.
تلك العقلية التي تنطلق من الفهم الدقيق القائم على تدبر معاني القرآن الكريم، وإطالة النظر فيها، وترديدها والوقوف عندها، والتغلغل في مراميها ومقاصدها.. فإن الله عز وجل أنزل كتابه ليتدبر الناس آياته لا لمجرد أن يتلوه بلا فهم ولا تدبر: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ)(ص:29)، (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)(محمد:24).
ولقد أدرك الإمام النورسي أهمية ذلك منذ صباه وشبابه المبكر، وتأكد لديه منذ استجابته لإشارة “الإمام الرباني” الغيبية بتوحيد القبلة، وذلك لأن القرآن وتدبره يعرّف المسلم بربه وخالقه، وطريق الوصول إلى رب العالمين، وما أعده الله للمستجيب لنداء القرآن من الكرامة إذا ما قدم عليه يوم القيامة.
وفي المقابل، فإن هذا التدبر القرآني يعرّفه ما يدعو إليه الشيطان وحزبه، والطريق الموصلة إليه، وما ينتظر المتبع لدعوة الشيطان من الإهانة والعذاب السرمدي. وبالفعل استطاع الإمام النورسي أن يركز جهده وانتباهه في مخاطبة القلب والعقل، عارضًا الحقائق الإيمانية والمعاني الربانية عرضًا عمليًّا محسوسًا بأسلوب تصويري يبث الحياة في القلب، وينشر الحركة في العقل. ومن هذه الأساليب والوسائل التي استخدمها لتحقيق ذلك:

قد دأب الإمام النورسي على التأمل في آفاق الكون، وحث طلابه على أن ينظروا إلى كل ما أمامهم في الآفاق نظرتين في نظرة واحدة طويلة؛ نظرة العين الباصرة التي ترى الصفحة الخارجية الصماء

1- القصة والحكاية

القصة تمتاز بأنها تُصوّر نواحي الحياة فتعرض الأشخاص وحركاتهم، وأخلاقهم وأفكارهم، واتجاهات نفوسهم، وبيئتهم الطبيعية والزمنية، حتى لكأن السامع يراهم رأي العين، ويسمع منهم سمع الأذن، ويعاشرهم ويعيش بينهم.
كما تمتاز الحكاية بأن النفس تميل إليها، فغريزة حب الاستطلاع تعلق عين السامع وأذنه وانتباهه بنسق القصص البارع.
ومن هنا كانت القصة خير الوسائل التي توسّل بها الإمام النورسي لإبلاغ حقائق الإيمان إلى أعماق القلوب، مبينًا أن سبب إيراده “التشبيه والتمثيل بصورة حكايات في هذه الرسائل (رسائل النور)، هو تقريب المعاني إلى الأذهان من ناحية، وإظهار مدى معقولية الحقائق الإسلامية ومدى تناسبها ورصانتها من ناحية أخرى، فمغزى الحكايات إنما هو الحقائق التي تنتهي إليها والتي تدل عليها كناية. فهي إذن ليست حكايات خيالية وإنما حقائق صادقة”.
ونعرض -على سبيل المثال- مطلع حكاية قصصية من هذه الحكايات، تاركين عرضها لكلمات الإمام النورسي: “إن رُمْتَ إيضاح أمر الحشر وبعض شؤون الآخرة على وجه يلائم فهم عامة الناس، فاستمع معي إلى هذه الحكاية القصيرة:
ذهب اثنان معًا إلى مملكة رائعة الجمال، وإذا بهما يريان أن أهلها قد تركوا أبواب بيوتهم وحوانيتهم ومحلاتهم مفتوحة لا يهتمون بحراستها، فالأموال والنقود في متناول الأيدي دون أن يحميها أحد.. بدأ أحدهما -بما سوّلت له نفسه- يسرق حينًا، ويغصب حينًا آخر، مرتكبًا كل أنواع الظلم والسفاهة، والأهلون لا يبالون به كثيرًا.
فقال له صديقه: ويحك ماذا تفعل؟ إنك ستنال عقابك وستلقيني في بلايا ومصائب؛ فهذه الأموال أموال الدولة، وهؤلاء الأهلون قد أصبحوا جنود الدولة أو موظفيها، ويستخدمون هذه الوظائف ببزّتهم المدنية، ولذلك لم يبالوا بك كثيرًا، اعلم أن النظام هنا صارم، فعيون السلطان ورقباؤه وهواتفه في كل مكان. أسرع يا صاحبي بالاعتذار، وبادر إلى التوسّل. ولكن صاحبه الأبله عاند قائلاً: دعني يا صاحبي، فهذه الأموال ليست أموال الدولة، بل هي أموال مشاعة لا مالك لها، يستطيع كل واحد أن يتصرف فيها كما يشاء، فلا أرى ما يمنعني من الاستفادة منها، أو الانتفاع بهذه الأشياء الجميلة المنثورة أمامي، واعلم أني لا أصدق بما لا تراه عيناي. وبدأ يتفلسف ويتفوه بما هو من قبيل السَّفْسَطة.. وهنا بدأت المناقشة الجادة بينهما، وأخذ الحوار يشتد؛ إذ سأل المغفل: وما السلطان؟ فأنا لا أعرفه، فردّ عليه صاحبه: إنك بلا شك تعلم أنه لا قرية بلا مختار، ولا إبرة بلا صانع وبلا مالك، ولا حرف بلا كاتب.. فكيف يسوغ لك القول: إنه لا حاكم ولا سلطان لهذه المملكة الرائعة المنتظمة المنسقة؟”.

2- ضرب الأمثال

المثل قول واضح موجز حكيم، ينتصب صدقه في العقول فيألفه الناس ويجري بينهم. فضَرْب المثل إنما هو تشبيه حالة ما بأقرب الأمثال شبهًا بها وأكثرها مماثلة لها، وهو تشبيه يُحدث في النفس حركة التفات بارعة يلتفت بها الإنسان من الكلام الجديد إلى صورة المثل المأنوس فيلمح ما بينهما من التشابه أو التطابق، فلا يلبث أن يتلقى الأمر الجديد بمزيد من القبول والارتياح، ويجري ذلك كله في أقل من لمح البصر. وهذه الحركة النفسية البارعة لها ما لسائر الحركات من تجديد وتنشيط.
ولذلك، فلا عجب من أن نجد المئات من الأمثال مبثوثة في رسائل النور، ومن ذلك ما يضربه الإمام النورسي في حديثه عن الاشتراك في الأعمال الأخروية فيقول: “ولنفهم هذا بمثال: اشترك خمسة أشخاص في إشعال مصباح زيتي، فوقع على أحدهم إحضار النفط، وعلى الآخر الفتيلة، وعلى الثالث زجاجة المصباح، وعلى الرابع المصباح نفسه، وعلى الأخير علبة الكبريت. فعندما أشعلوا المصباح أصبح كل منهم مالكًا لمصباح كامل، فلو كان لكل من أولئك المشتركين مرآة كبيرة معلقة بحائط، إذن لأصبح منعكسًا في مرآته مصباح كامل مع ما في الغرفة، من دون تجزؤ أو نقص.

من الأساليب والوسائل التصويرية العقلية التي مارسها الإمام النورسي، الوقوف على الآثار ومواضع الذكريات وقوف الحي المنتبه ذي الوجدان المتحرك اليقظ؛ فيناجي الآثار، ويستخبرها ما فعل الليل والنهار

 

3- مقابلة الحقائق المغيبة بأحوال دنيانا العملية

الإمام النورسي حين يتكلم عن الخير والشر، والحق والباطل، والإيمان والكفر، والحشر والحساب إلى غير ذلك من الحقائق التي لا ريب فيها وفي وجودها، يعرضها عرضًا يلمس بها القلوب لمسًا بأن يختار مما يقابلها من أحوال دنيانا العملية، فيعرض الحقيقة وشبهها.
وليس هذا النوع من قبيل ضرب الأمثال، وإن كان هو والأمثال والحكايات والنظر إلى صور المعنويات يمثلون وسائل رئيسة في عرض الحقائق الإيمانية في رسائل النور، إلا أن ضرب الأمثال خاص بتشبيه حال المعنويات بحال تناسبها من الواقع.. أما هنا فمقارنة بين أمور واقعة فعلاً في عالم لا نراه، وبين أمور شبهها بعض الشبه تقع في عالمنا المنظور، مثل قول الإمام النورسي: “شخص سخي كريم ذو شفقة ورأفة، أعد ضيافة جميلة للفقراء المحتاجين، فبسط ضيافته الضخمة على إحدى سفنه الجوالة، واطلع عليهم وهم يتنعمون بإنعامه تنعمًا بامتنان، تُرى كم يكون ذلك الشخص الكريم مسرورًا فرحًا، وكم يبتهج بتنعم هؤلاء الفقراء وتلذذ الجياع منهم، وثنائهم جميعًا عليه، يمكنك أن تقيسه بنفسك.
وهكذا فالإنسان الذي لا يملك ملكًا حقيقيًّا لضيافة صغيرة، وليس له من هذه الضيافة إلا إعدادها وبسطها، إن كان يستمتع وينشرح إلى هذا القدر لدى إكرامه الآخرين في ضيافة جزئية، فكيف بالذي تنطلق له آيات الحمد والشكر، وترفع إليه أكف الثناء والرضا بالدعاء والتضرع من الجن والإنس والأحياء كافة، الذي حملهم في سفينة ربانية جبارة -تلك هي الكرة الأرضية- ويسيّرها فيسيح بهم في عباب فضاء العالم، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، داعيًا جميع ذوي الحياة إلى تلك الضيافة التي هي من قبيل فطور بسيط بالنسبة لما بسط في دار البقاء، التي كل جنة من جنانه كسُفرة مفروشة أمامهم، مشحونة بكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، أعدها لعباده الذين لا يحصون، وهم في منتهى الحاجة وغاية الشوق إلى لذائذ لا تحد إشباعًا للطائف لا تحد؛ ليتناولوا من تلك الضيافة الحقيقية، وليتنعموا تنعمًا حقيقيًّا في زمن خالد أبدي. فَقِسْ بنفسك على هذا ما نعجز عن التعبير عنه من المعاني المقدسة للمحبة، والتعابير المنزهة لنتائج الرحمة المتوجهة إلى الرحمن الرحيم”.

4- النظر إلى صور المعنويات

إن الإمام النورسي أبدع في النظر إلى صور المعنويات، ونقل معانيها التجريدية إلى آثارها وأوصافها المحسوسة ونتائجها وثمارها الملموسة، فها هو -رحمه الله- يجسد قيمة أداء الصلاة لوقتها قائلاً لطلابه: “لكي ندرك عظمة الصلاة وروعتها في وقتها، وكونها معينًا لا ينضب، ورأس مال ثمين؛ فلنفكر في هذا المسجد العظيم الذي يُسمى العالم الإسلامي، وقيام المئات من الملايين بالوقوف في الصلاة جماعة، يدعو كل فرد من هذه الجماعة لعموم المصلين، يقرأ: (اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ويكون شفيعًا للجماعة بأكملها ويدعو لهم أيضًا.
إن الذي لا يشارك في تلك اللحظات، لا يتسلم حصته، وكما أن العسكري الذي لا يحمل صحنه ويذهب لاستلام حصته من الأكل، لا يحصل على نصيبه، فإنه لن يستطيع أخذ نصيبه من الطعام الذي تم إعداده في المطبخ المعنوي للجماعة الكبرى. بينما الذي يصلي في وقته ويشارك جيش الجماعة ويردد “آمين” لدعائهم، يستطيع بلوغ هذا المرام”.

5- النظر في الآفاق

لقد دأب الإمام النورسي على التأمل في آفاق الكون، وحث طلابه على أن ينظروا إلى كل ما أمامهم في الآفاق نظرتين في نظرة واحدة طويلة؛ نظرة العين الباصرة التي ترى الصفحة الخارجية الصماء، ونظرة العين الباطنة البصيرة التي تنظر إلى ما في الآفاق على أنه فعل فاعل هو الرب الرحمن الرحيم.. فترى العين مع القلب والعقل الوجودَ الممتد كتاب الله المنشور المنظور، وهذه الكائنات العجيبة التي تملؤه هي سطور حيّة نقرأ فيها قدرته عز وجل وعلمه وحكمته وكرمه ووده وبره.

إن الإمام النورسي أبدع في النظر إلى صور المعنويات، ونقل معانيها التجريدية إلى آثارها وأوصافها المحسوسة ونتائجها وثمارها الملموسة

كما بيّن الإمام النورسي أنه من جميل تقدير الله، أنه جعل مطالعة هذا الكتاب ميسورة للعالم والجاهل، والقارئ والأمّي.. فما على الإنسان إلا أن ينظر ويسمع ويحس، ثم يفكر فيما وقع عليه حسه في إطار نسبته إلى الخالق عز وجل. فإن هذا التفكير يشهد في معالم الصنع ودلالاته، الكثير من العبر والآثار الدالة على معاني صفاته جل شأنه، فيثير في القلب إحساسات رقيقة، وينفتح له الملكوت الفياض بالروحانيات، فيهتز القلب وتخشع النفس، وتفيض العين ويستنير الطبع.. ويصبح الإنسان قبضة من نور الله سبحانه وتعالى، موصولاً به بمشاعر ساجدة خاشعة، راجية محبة، مفعمة بأسباب الفهم والمعرفة.
هذه المعاني العظيمة -وغيرها- مبثوثة في رسائل النور، وبخاصة رسالة “التفكر الإيماني الرفيع، والمعرفة التوحيدية السامية”، التي يقول-رحمه الله- في مقدمتها: “لقد امتزج قلبي بعقلي منذ ثلاثة عشر عامًا، ضمن انتهاج مسلك التفكر الذي يأمر به القرآن المعجز البيان، كقوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الحشر:21) وأمثالها من الآيات والأحاديث النبوية الشريفة التي تحث على التفكر حثًّا عظيمًا”.
ولم يتوقف الإمام النورسي عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى المسلك العملي مع طلابه؛ “فعندما يتجول في المروج الممتدة، يطالع ويتصفح كتاب الكائنات الكبير حوله، ويقول لطلابه أثناء التجوال: اقرؤوا أنتم كذلك أيها الشباب من هذا الكتاب الأعظم للكون والخلق، فهذه حيوانات صدوقة مخلصة، إن جريهم وعواءهم دليل على صدقهم. ما شاء الله.. انظروا إلى كمال وجمال هذا الخلق، إنه لا يقل عنكم في جمال الصنع”.

6- الالتفات إلى الآثار

من الأساليب والوسائل التصويرية العقلية التي مارسها الإمام النورسي، الوقوف على الآثار ومواضع الذكريات وقوف الحي المنتبه ذي الوجدان المتحرك اليقظ؛ فيناجي الآثار، ويستخبرها ما فعل الليل والنهار، ويكلف خياله أن ينصب سرادق الحياة الماضية وأن يقيم معالمها، ومن خلال استنطاقه للآثار يخاطب طلابه بأن أصحابها مضوا إلى غايتهم وهم أشد ما يكونون تعلقًا بالحياة، وأنهم كما سافروا لا محالة مسافرون، فيحثهم على التزود بتقوى الله، ويحذرهم من ضدها. ففي يوم قال لطلابه وهم بين القبور: “إن شواهد هذه القبور الحجرية توجه لنا التحذير مثل المعلمين، يعطون لنا دروسًا وعبرًا، وكأن لسان حالهم يقول لنا: ستأتون أنتم أيضا”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) باحث في المجال الحضاري والتربوي / مصر.
المراجع
(1) الكلمات (من كليات رسائل النور)، لبديع الزمان سعيد النورسي، دار النيل للطباعة والنشر، سنة 1427هـ-2007م، القاهرة.
(2) اللمعات (من كليات رسائل النور)، لبديع الزمان سعيد النورسي، دار النيل للطباعة والنشر، سنة 1427هـ-2007م، القاهرة.
(3) تذكرة الدعاة، البهي الخولي، مكتبة دار التراث، ط8 (1987م)، القاهرة.
(4) الشهود الأواخر، لنجم الدين شاهينر، مجلد:3.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.