كان مولد أبو زيد البلخي سنة 235 هجرية، الموافقة لسنة 849 ميلادية في بلخ بقرية شامستيان الواقعة قرب نهر غربنكي، وكان أبوه معلماً للصبيان. وسافر البلخي في عنفوان شبابه إلي العراق وأقام بها ثماني سنوات لتحصيل العلوم. ومن بين الأساتذة الكبار الذين تتلمذ عليهم أبوزيد البلخي الفيلسوف أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي الذي أخذ عنه الفلسفة .. ويبدو أن البلخي قد اطلع في العراق علي مختلف العلوم وأخذ منها قسطًا وافرًا، من بين العلوم التي تبحر فيها البلخي إلى جانب الفلسفة وعلم التنجيم والهيئة ( الفيزياء)، كما برز – أيضًا- في علم الطب والطبائع، وبحث في أصول الدين.

مؤلفات أبو زيد البلخي ومصنفاته

ترك أبو زيد البلخي سجلاً  حافلاً من التراث الإسلامي، وعدداً كبيراً من المؤلفات، حيث  بلغ من كل علم من علوم العربية لُباب، ودرس أشهر مصنفاته، وله في جميعها تآليف مشهورة، حيث تذكر مختلف المراجع والمصادر أن لأبي زيد البلخي نحو ستين كتاباً  ذكر معظمها ابن النديم وياقوت الحموي وغيرهما، فمن كتب البلخي التي ذكرها ابن النديم مصالح الأبدان والأنفس، وهو الكتاب الذي سنبحر فيه هنا..

مصالح الأبدان والأنفس

البحث في ثنايا الأنساق  العلمية يكشف أنه لا يمكن التبحر في المفاهيم الطبية لعلم النفس والصحة والنفسية ، وطرائق العلاج دون المرور بالرعيل الأول من المؤسسين، والحديث عن العلامة الموسوعي الطبيب النفساني أبي زيد البلخي ومؤلفاته في  هذا التخصص، هو حديث طيب ثري، عن جزء مهم وركن أصيل من أركان رواد الطب العربي الإسلامي ، فعلي وجه السرعة، سنبحر معًا في رحلة ماتعة في الطب النفسي وعلم النفس من خلال حقبة زمنية جادت بها قريحة وعباقرة الفكر الإسلامي، فلا يكاد المتخصص في الطب النفسي وعلم النفس السريري الحديثين يصدق عينيه وهي تنتقل بين صفحات هذا السفر المدهش الذي يضم بين دفتيه أحدث ما توصل إليه علم النفس العلاجي المعاصر، يعد الكتاب أشهر مؤلفات البلخي، ولا نجده كتابًا عاديًا من كتب التراث الذي عفا عليها الزمن بل هو عمل رائد في وقته، وما يزال كذلك حتى في عصرنا هذا.

أول ما يدُهش القارئ لهذا الكتاب استطاعة البلخي التفريق بين المرض النفسي أو العصاب  (Neurosis)، والمرض العقلي أو ما تعارف عموم الناس على تسميته بـالجنون  (PSychosis) ، ثم تركيزه الشديد علي دور العوامل النفسية في الصحة والمرض النفسي والجسمي وأنه من متخصصي الطب السيكوسوماتي والشمولي الحديث.

ولقد تناول البلخي في هذا المؤلف أساسيات الصحة والنفسية مبينًا في بدايتها أن الصحة النفسية هي في الأساس التوافق بين النفس وميولها الداخلية ومهامها الخارجية، ثم عرض البلخي أربعة انفعالات هي منشأ المشكلات النفسية: الغضب، والخوف، والحزن، والوسواس، مشيراً إلى خصائصها النفسجسمية ومبينًا كيف أنها تؤثر وتتأثر بالصحة الجسمية. ثم أفاض بعد ذلك إلى عرض طرق الإرشاد والعلاج النفسي التي هي فيما يبدو مستمدة من واقع ممارساته الإكلينيكية موضحًا كيف تؤدي هذه الطرق مفعولها ويُلاحظ في ذلك كله:

 

  • منهج البلخي الشمولي في التعامل مع الأعراض النفسجسمية.
  • تبنية الاتجاه المعرفي والمعرفي السلوكي في العلاج النفسي.
  • سبقه في استخدام أساليب الإرشاد  والعلاج المعتمد في الوقت الراهن مثل أسلوب الإزالة المنظمة وأسلوب الكف المتبادل.

“المضئ لا ينطفئ فجأة وبدون مقدمات” فكذلك الجسم لا يموت إلا بمقدمات معقولة، وكان البلخي يقول لمريضه الذي استولى عليه وسواس الموت إذا أثبت الفحص الطبي أن لا يوجد عنده مرض قاتل وإذا تدبر نفسه في غذائه ومشاربه ورافق حياته التدبير الأفضل، فيطمئن لن يموت بالمرض. ويسارع ” البلخي” مستدركًا أنَّ الموت بالحوادث أو الهرم والفناء هو أمر وارد في جميع الأحوال، ولكن هذا الوسواس لا يرتبط بها لحسن الحظ.

تصحيح الأفكار هو مفتاح العلاج النفسي

جعل البلخي مريضه النفسي يؤمن بنظرية مهمة للغاية، أن إسلام النفس  البشرية إلى هواجس نفسية المصدر أكرم للإنسان من الاستسلام لشيطانه، واليأس من رحمة الله صنو للكفر، واستسلام المبتلي بهذا الداء باعتقاده بأن لا فائدة من أيّ علاج سيفقد حتمًا الاستفادة من العلاج المعرفي الذي يعتمد على تغيير الأفكار والأحاسيس، فإذا قوبل الداء بدوائه، لم يخل ذلك من أحد أمرين، إمَّا أن يزيله، وإمَّا يقلل من مكروهه.

وهكذا تقف إسهامات ” أبي زيد البلخي” في موضوعات الصحة النفسية عاتية تتحدي الزمن، فهي وإن مضى عليها اثنا عشر قرنًا إلا أنها لم تفقد مناسبتها للممارسة الإكلينيكية حتى يومنا هذا.

وفاة البلخي

تتفق كل المراجع التاريخية أن البلخي قد توفي سنة 322 هجرية، الموافقة لسنة 934 ميلادية، عليه سحائب الرحمة والمغفرة..

المراجع والمصادر

  1. يُنظر ” الفهرست” ، ابن النديم، دار المعرفة – بيروت – لبنان 1997 – المحقق: إبراهيم رمضان..
  2. ((معجم الأدباء ))، المؤلف: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (المتوفى: 626هـ)،المحقق: إحسان عباس، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت،ط1 ، 1414 هـ – 1993م

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.