الاستشراف عملية شاقة، تحفها مخاطر محاكمة الواقع ودراسة مشكلاته بغية تقويمها، وترصدها تبعات نقد الأنساق الثقافية والفكرية لبنية الفرد المعرفية، لإعادة صياغتها وفقًا لمتطلبات الحاضر وضرورات المستقبل، وفي إطار الثابت والمتغير من الدين. لكن يبقى الاستشراف فعلاً إيجابيًّا يحرك دواعي النقد والمراجعة ورصدًا متواصلاً للواقع، ربما يتحول إلى نقطة انطلاق باتجاه عملية التجديد والإصلاح، أي إصلاح الفضاء الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وتحقيق الوحدة والحرية والمساواة والعدل والمواطنة.
ومن هنا تتجلى إشكالية العودة إلى البحث في البيئة المنتجة للسؤال التاريخي: ما السبيل لاستشراف فاعلية الأمة في ظل غياب حس التمثل الواقعي للتحديات والقدرة على تمثل الممكنات تمثلاً واقعيًّا؟ هل يا ترى يعود ضعف فاعليتنا إلى خلل أساسي في تكوين الأمة ومكوناتها؟ أم أنه عرَضٌ سيزول مع الوقت وبزوال الأسباب؟ وهل الإصلاح نزعة تطهرية خلاصية ترمي التمركز حول الذات دفاعًا عن هوية مغتربة أو ماض مجيد؟ أم أنه مشاركة في صناعة العالم على قاعدة التواصل والاستيعاب والبناء تحقيقًا لشرط الفاعلية في التاريخ والشراكة في صنع المستقبل؟
إن من التساؤلات حول هذا الوضع، ما يقتضي الوقوفَ على الفرد المسلم ومحاولة تشخيصه بكامل مكوناته، ليس من ناحية العبادة فقط، فقد يكون الخلل واقعًا به في طرق تفعيل عقيدته وعبادته على أرض الواقع. وما تعانيه الأمة يعود في الأساس إلى فشل المشاريع النهضوية في بناء الإنسان الرسالي؛ فلو نظرنا إلى الفرد باعتباره نتاج الأمة والأمة غير سليمة وغير خالية من العيوب، وسايرنا كون حال تردي الفرد من تردي الأمة -شأنه في ذلك شأن البذرة التي تُغرس في أرض مجدبة تعرقل عناصرَ النماء الكامنة في البذرة- فإننا بذلك نوقّع على ترخيص يمنح الفرد في أمتنا عذرًا قويًّا في تراخيه وكسله وإحباطه، ويولد لديه حسًّا مفعمًا بالضعف والنقص والهوان، ويحول دون بحثه عن عناصر القوة الذاتية الكامنة فيه.
ولو نظرنا من جهة ثانية إلى المشكلة من زاوية فاعلية الفرد أهمَّ مكونات الأمة، فالأمة ما هي إلا جمع من الأفراد، فإن كان هذا الجمع صالحًا في ذاته، فاعلاً ونشطًا في محيطه، كانت الأمة في عطاء ونتاج وفاعلية البناء الحضاري المنشود. أما إن كان هذا الجمع من الأفراد معتلاًّ في ذاته متكلاً في نظرياته، مستهلكًا لخطابات غيره، متراخيًا في إنتاج معارفه وفق متطلبات محيطه، فهذا بلا شك سينعكس على واقع نتاج أمته الحضاري.
إن فاعلية الأمة لا يمكن أن تتحقق كما يشير المفكر الأستاذ محمد فتح الله كولن في كتابه “ونحن نبني حضارتنا”، إلا من خلال فاعلية إرادة خدمة أفرادها من الداخل، لأن الأمة ليست كائنا بذاتها، وإنما هي رمز لجمع من الأفراد كعنصر أساسي في معادلة البناء بقدراتهم الإيمانية والعلمية، واستعداداتهم النفسية والاستقرائية في المشاركة والمساهمة في مجريات المتغيرات العالمية، واستلهامهم الشعلة الحقيقية والطاقة المحركة للنهضة في كافة الميادين.
ومن ثم يمكن القول بأن الفرد نتاج البناء الروحي والقيمي والمعرفي والتربوي السليم في بيئته. والأمة بقيمها ومبادئها وبأهدافها واقع يجب أن يتلاحم مع قدرات الفرد، لتقديم فاعلية الدور الإرادي الإنجازي الحضاري لأمتنا، على قاعدة “كل منكم على ثغر من ثغور الإسلام، فلْيَحمِ كل منكم ثغره”، من منطلق الجاهزية المعرفية والعقلية والنفسية، والوحدة الاقتصادية والسياسية والإعلامية والتربوية.
والفاعلية الإنجازية لها متطلبات أساسية من أهمها: تقوية الدور الفاعلي الإرادي، بإيجاد حركة فاعلة وقوية بحصانتها المعرفية والمهاراتية، تشارك وتساهم بقوةٍ في دورة الإنجاز الحضاري، إنْ على مستوى مجتمعاتنا أو على المستوى العالمي. وهذا يتطلب إعادة النظر في الإصلاح التربوي، وإعداد كوادر ومؤهلات تستخرج المعارف وتطور المهارات، وهذا يتطلب أن يَخرج المثقف عن “أَنَاه” ومصالحها الضيقة، ويفكر بمستوى الأمة وتطلعاتها. فالمثقف لا يقاس بحجم المعلومات المتوفرة في ذهنه أو الأوسمة المعلقة على صدره، وإنما يقاس بمدى مساهمته الجادة في مشروع الأمة الحضاري وبمستوى التزامه بتطلعاتها وهمومها.
فرجل الاقتصاد والمال مثلاً، لم يمتلك تأثيره في المحيط الاجتماعي من وجود الثروة وحدها لديه، وإنما امتلك التأثير حينما حوّل إمكاناته المادية إلى مجموعة من الحقائق الاقتصادية والتجارية في المحيط الاجتماعي، وبالتالي مارس رجل الاقتصاد والثروة دوره وتأثيره في المجتمع عن طريق هذه الحقائق. وكذلك الأمر بالنسبة للسياسي والمفكر والمثقف والعالم… فينبغي ألا يكتفي الفرد في الأمة بنتاجه النظري، وإنما من الضروري أن يسند هذه الأنشطة بحقائق ثقافية علمية سياسية اقتصادية وتكنولوجية تعطي لهذه الأنشطة بُعد الديمومة والاستمرار. ففاعلية القول المجرد في التأثير ضعيفة، واكتفاء الفرد بذلك يجعله في الكثير من الأحيان خارج الحراك الحضاري للأمة المتجهة إلى التطوير والتقدم. ولذلك كان علينا أن نحدد المعنى العام لفكرة التوجيه؛ فهو بصفة عامة “قوة في الأساس، وتوافق في السير، ووحدة في الهدف”. فكم من طاقات وقوى لم تُستخدم لأننا لا نعرف كيف نُكتّلها، وكم من طاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها لأنها لم توجَّه نحو امتلاك حصانة الفاعلية. والتوجيه المقصود هو تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت، فهناك ملايين السواعد العاملة والعقول المفكرة في البلاد الإسلامية، صالحة لأن تُستخدَم في كل وقت، فالمهم هو أن ندير هذا الجهاز الهائل المكوَّن من ملايين السواعد والعقول، في أحسن ظروفه الزمنية والإنتاجية، وهذا الجهاز حين يتحرك يحدد مجرى التاريخ نحو الهدف المنشود.
وهكذا، فإن غياب إستراتيجية واضحة في توجيه الطاقات الشابة، وعدم الاستثمار في التربية والبحث العلمي باعتبارهما قطاعًا إستراتيجيًّا، والشحّ في الإنفاق عليهما، عواملُ انعكست سلبًا على الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للأمة الإسلامية، وكلها عوامل تبرز مستوى فشل المنظومة التربوية في تحقيق أحد أهم أهدافها، وهو إيجاد أفراد فعالين في تدخلاتهم. وقد أدى فشل سوء التدريب ونقص فعالية الأفراد، إلى الشعور بعدم الثقة بالنفس، وإلى السلبية في مواجهة التحديات، والشعور باليأس والإحباط لدى غالبية جيل شبابنا ممن نتواصل معهم سنويًّا من خلال فصول الجامعات. والفشل والإحباط قد يؤديان إلى ممارسات اجتماعية سلبية يضطر الفرد الالتجاءَ إليها، مثل الاتكالية والتحايل والغش والهروب عن الواقع من خلال تعاطي المخدرات والكحول، كما أن اليأس والإحباط قد يؤديان إلى التطرف الإيديولوجي والديني.
وقد أمعن مالك بن نبي في التنقيب حول مشكلات التخلف المزمنة، متجاوزًا الظواهر السطحية إلى الجذور الجيولوجية التراكمية المتغلغلة في الأعماق، وباحثًا عن السنن والقوانين الكفيلة بتحول الشعوب من حالة العجز إلى القدرة والفعالية، ومن مشكلة الاستعمار إلى مرض القابلية للاستعمار، ومن حالة تكديس الأشياء إلى حالة البناء والمشاركة والإنجاز، ومن المطالبة بالحقوق إلى القيام بالواجب أولاً، والانتقال من عالم الأشياء والأشخاص إلى عالم الأفكار، التي بها نبدأ بحل مشكلة التخلف، ويجب أن نصل إلى قناعة حتمية بأن مفاتيح حل المشكلات هي في الذات لا عند الآخر.
إن استرداد دور فاعلية شباب الأمة رهين بتفعيل ثقافة الامتياز والإنجاز، دون تضييع الوقت في الرد على المنافسين، والخوض في جدالات الصعاب التي تحيط بالمشروع الحضاري المراد إنجازه، والسر كل السر في المضي قدمًا نحو تحقيق النجاح، والرهان ليس في الرد على معيقات النجاح، وإنما في التميز بالأداء والتفوق في العطاء والإنجاز المعرفي، ولعل الفائزين في المنافسة الحضارية هم مَنْ يسعون لتحقيق أعلى معدلات وأرقى مستويات الأداء في مجالات الحضارة المختلفة، وبخاصة مجالات الإنتاج والاقتصاد والثقافة. وفي زمن الثورات العربية فإنّ طبيعة المخاطر المهدّدة للثقافة العربية، لا تتعلق بعمليات العولمة وتداعياتها الثقافية والسياسية والاجتماعية فقط، بقدر ما تتعلق بمدى قدرتها على تجاوز أزمتها المعرفية، خاصة ما يتعلق منها بالتنمية الشاملة للقدرات، وتوسيع إطار الديمقراطية، وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني، وتفعيل قيم الحوار والتعددية، وقبول الرأي والرأي الآخر، وتوفير حرية البحث العلمي، وإنشاء منظومة تربوية تقوم على تأهيل وإعداد كوادر تعليم عالية المهارات، واحترام عقل المتلقي، وتوفير وسائل تمكينه من الاستيعاب الناقد للمعلومات والآراء وإبداع الأفكار، واختصار الزمن في مناهجنا التعليمية، وإطلاق العنان للطاقات الشابة نحو نهضة علمية في كل المجالات لكي تفكر وتبدع وتعزز ثقتها بإمكاناتها. وذلك عن طريق إنشاء مراكز للبحوث الإستراتيجية العلمية والتقنية المتخصصة، ومراصد فلكية وأرضية، ومؤسسات للطاقة مجهزة بأرفع التجهيزات العالمية، ومراكز الدراسات المستقبلية في العلوم الإنسانية، ويكون من مهام هذه المراكز استقطاب الكفاءات المسلمة حول العالم.
إن نظرة مقارنة للقواسم المشتركة بين الثقافات الفاعلة التي ولدت حضارات شامخة وعهود أنوار ذهبية عبر التاريخ، تظهر أن الثقافة الفاعلة تتميز بسمتين أساسيتين: الأولى: القدرة على توليد تضامن داخلي يتمثل بتعاون أفراد المجتمع الناهض وتلاحم وتكامل جهودهم. والثانية: القدرة على تحرير الطاقة الإنجازية المبدعة للفرد والجماعة، وبالتالي تمكينهم من تطوير أدواتهم وزيادة فاعليتهم، وهذا يقودنا إلى تحديد المساهمة الرئيسة للمثقف في تأسيس ثقافة الفاعلية، وإحداث نهضة إصلاحية على كافة المستويات، وذلك بالدخول في عملية نقدية للثقافة السائدة (الاتكالية، الانهزامية، وفقدان الثقة بالذات، الغش، ثقافة الاستهلاك، ثقافة المؤامرة، الإحباط واليأس، الفرقة والتجزئة، تقديس الذات، ونفي الآخر…) بغية تخليصها من نماذج سلوكية وانحرافات تصوّرية تحول بينها وبين تحقيق قيمها ومثلها العليا على أرض الواقع، بالإضافة إلى العمل على تطوير نماذج عملية تطبيقية تسهل مهمة تنزيل القيم الإسلامية الخالدة على أرض الواقع، وتحويلها إلى مؤسسات مجتمعية وممارسات عملية.
ومن المؤكد أن تنمية ثقافة الفاعلية الإرادية في زمن “ربيع الشباب العربي”، تحتاج إلى تفعيل “ثورة ربيع ثقافي” في مجتمعاتنا، ودمجها العضوي في مؤسساتنا التعليمية ومجتمعاتنا، كحاجة ملحة لأسئلة التمكين المعرفي لما بعد “الربيع العربي”، وذلك بما تحمله في طياتها من قيم معرفية وثقافية هامة. إنها القيم المتصلة بالماضي والحاضر والمستقبل، إنها الروح الإرادية والمنهج النقدي لبناء الذات وفق آليات وأنساق سلوكية وتصورية ونفسية تستفز حالة ركوننا إلى المسلّمات الموجودة، ويحثنا الاتكالي على المخلّص الذي سيشرف على مراجعتها وإعادة النظر فيها.

(*) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل بـ”القنيطرة” / المغرب.
المراجع
(1) التربية وتفعيل الدور الحضاري، لغياث بوفلجة، كلية العلوم الاجتماعية الجزائر.
(2) إعادة تشكيل العقل المسلم (سلسة كتب الأمة 4)، لعماد الدين خليل.
(3) العقل العربي وإعادة التشكيل (سلسلة كتب الأمة 35)، لعبد الرحمن الطريري، تقديم عمر عبيدة حسنة.
(4) أزمة العقل المسلم (سلسلة المنهجية الإسلامية 1)، لعبد الحميد أبو سليمان، ط3، المعهد العالمي للفكر الإسلامي والدار العالمية للفكر الإسلامي، 1994.
(5) مشاريع الإشهاد الحضاري، لعبد المجيد عمر النجار، ج/3.
(6) شروط النهضة، لمالك بن نبي.
(7) وجهة العالم الإسلامي، لمالك بن نبي، ترجمة: عبد الصابور شاهين، دار الفكر، دمشق.
(8) العولمة والتحدي، لمحمد محفوظ، مجلة التجديد العربي.
(9) تجديد الفكر الديني في الإسلام، لمحمد إقبال، ترجمة: عباس محمود، القاهرة، 1968.
(10) المثقف والنهضة، لؤي صافي، مجلة الاجتهاد، عدد:52، سنة:2002.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.