من أنبل الدراسات الإسلامية وأهمها؛ تلك التي تتعلق بالنفس البشرية التي ورد ذكرها في 295 موضعًا من القرآن الكريم، وجاء التأكيد على أهمية تزكيتها بعد أطول قسم في الكتاب العزيز. غير أن علم النفس المعاصر ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالدراسات الغربية والشرقية البعيدة عن القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولا تكاد الدراسات النفسية تُذكَر إلا وتبادر للأذهان نظريات علم النفس، ومجالاته، والصراع المحتدم بين مدارسه المختلفة.

لقد تنقّل “علم النفس” عبر محطات كثيرة قبل أن يستقر مؤخرًا في مجال “السلوك” فهمًا وتحكّما، وتنبؤًا وتعديلاً؛ لتصبح دراسة السلوك المحصّلة النهائية في دائرة اهتمامه.

وخلال رحلته الطويلة ظل علم النفس يتنقّل بين فرضيات ونظريات شتى؛ بحثًا عن فهم أدقّ للنفس البشرية، بدأت بمباحث حول الرّوح وحقيقتها، ثم الفلسفة وبعدها النّفس ذاتها، ثم العمليات العقلية التي انتقل منها إلى الإحساس والحواس الظاهرة، ومنها إلى مباحث الشعور واللاشعور، ثم إلى العقل الباطن، ليستقر أخيرًا مع السلوك! وهي الرحلة الشاقة التي عبّر عنها “روبرت ودورث” (Robert Woodworth) بقوله: إن علم النفس فَقَدَ “روحه”، ثم فقد “عقله”، ثم فَقَدَ “حسّه”، ثمّ فَقَدَ “شعوره”، ثم فَقَدَ “لا شعوره”، ثم لم يبق منه إلا “السلوك الظاهري”(1).

بين مفهومين

على الرغم من استقرار علم النفس المعاصر في مجال السلوك، إلا أن الوجهة التي ظلّت تولّيها نظريات السلوك في الدراسات النفسية لم تستقر لحظة؛ ذلك أنها تأثرت برياح التغيير الناتجة عن السباق السياسي المحتدم بين الشرق والغرب آنذاك، فكلما ظهرت نظرية شرقية في جانب من السلوك، أعقبتها نظرية أخرى من الغرب تنافسها وهكذا.

ومَن قُدّر له أن يتعرف على حقيقة علم النفس المعاصر ثم انتقل إلى الدراسات النفسية الإسلامية، وجدها القادرة على تملّك زمام الريادة بدون منازع، والمؤهلة لتقييم سائر النظريات النفسية المعاصرة. والسرّ يكمن في أنّ هذه الدراسات بدأت كاملة، وواضحة، ومحدّدة منذ انطلاقتها الأولى، ولم تضطر إلى ذلك التنقل الطويل في مجالات النفس البشرية.

وفي هذا المقال جملة من المفاهيم النفسية الإسلامية حول بواعث السلوك الإنساني ودوافعه الكامنة، وسنفرد مقالاً آخر لتناول مجالات استصلاح السلوك الإنساني وعلاج انحرافاته إن شاء الله تعالى.

السلوك بمفهومه النفسي المعاصر

على الرغم من أن “تزكية النفس” تمثل المجال النفسي القرآني بامتياز حيث لا تنافسه فيه أي مدرسة نفسية أخرى، إلا أن هذا المجال لا يمكن فهمه بدون الرجوع لدراسة السلوك الإنساني بمفهومه المعاصر، للتعرف على الحلقة المفقودة.

إن الباحث في الدراسات النفسية يظهر له استحالة تسلّم الدراسات الإسلامية النفسية المعاصرة راية “السلوك الإنساني” من نِتاج النظريات النفسية المعاصرة؛ لأنها عاجزة -حتى الآن- عن إيجاد فهم دقيق وواضح لحقيقة السلوك الإنساني نفسه، رغم اهتمامها به، وحديثها عنه، وبناء نظرياتها حوله لفترة طويلة.. بالإضافة لعدم قدرتها على اتخاذ قرار التحول عنه إلى غيره من مجالات النفس المتعددة. والسبب عائد لطبيعة الاحترازات في المنهج العلمي -كما سيأتي- إضافة لضبابية الرؤية المادية للنفس البشرية، والفواصل الدقيقة غير الواضحة بين علم النفس وغيره من العلوم الإنسانية.

لقد أصبح علم النفس في محطته الأخيرة أضعف من أي وقت مضى، وبات عاجزًا عن تقديم المزيد؛ لكثرة ما فَقَدَ من خصوصياته، والتداخلات الكثيرة مع العلوم النفسية الأخرى التي انتزعت منه قسرًا مباحث كان يفخر بها.

وحين نقوم باستعراض المحاولات التي قدّمها علم النفس المعاصر لتعريف السلوك الإنساني، نجدها تدور حول مفهوم واحد يتمثل في التفاعل الذي يحكم الاستجابات الصادرة من الكائن الحي، مع المواقف البيئية والاجتماعية المحيطة به. وهو ما يفسر السبب الذي جعل السلوك الإنساني في الدراسات النفسية المعاصرة يقبع متمحورًا حول شكله الظاهري المادي فحسب، ولا يكاد يخرج عنه.

مقدمة أم نتيجة؟

بعيدًا عن التعقيد والغموض الذي يكتنف “حقيقة” السلوك الإنساني في علم النفس المعاصر، نجد أن الوضوح يظهر في حديث القرآن الكريم عن النفس البشرية عمومًا، وبخاصة عند التأكيد على خفاء حركتها، وعظيم تأثيرها على الاستجابات الظاهرة التي لا يمكن فهمها بمعزل عن القيم والبواعث الكامنة التي تنطلق منها، سواء أكانت قيمًا مستقيمة سليمة أم مشوّهة سقيمة.

والسلوك الإنساني الظاهر -من منظور السنة المطهرة- يتم التعامل معه بكونه نتيجة تتحكم فيها عوامل خارجية عدة، ومؤثرات داخلية أقوى تتمثّل في القيم والإرادات الكامنة، قال صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه” (رواه البخاري).

وهذا الحديث الشريف المنيف أصل في دراسة علم النفس.. فهو يتناول الفرق بين إرادتين مختلفتين لعمل واحد، ويفرّق بين المهاجرين، لا بسبب حركتهم الظاهرية المتمثّلة في السير الطويل وتحمّل المشاق والتعب، وإنما بسبب الباعث لهم؛ فهذا مهاجر إلى الله ورسوله، وذاك مهاجر لأمّ قيس التي ما أراد من هجرته إلا أن يتزوّجها.

كما يفرّق الحديث الشريف بين العوالم الثلاثة للنفس البشرية:

1- عالم الانبعاثات الكامنة، المتمثلة في القناعات والإرادات، والدوافع المحركة للفعل أو عدمه.

2- عالم “النوايا”، وهي الاستجابات الصادقة لتلك الانبعاثات، والتي يتشكل من خلالها العزم المؤكد على الفعل أو الكف.

3- عالم السلوك الذي يتحقق معه الفعل الظاهر، أو الكف عنه، مع وجود دواعيه والقدرة على فعله.

ويكمن أهمية النية في أنها مرحلة وسيطة يظهر عندها بوضوح حركة العزم الصادق؛ فهو إما أن ينتقل إلى الأعلى في صورة سلوك ظاهر، أو يظل عزمًا خفيًّا حتى تتوافر أسباب ظهوره(2). ومن هنا فالدوافع والإرادات تمثّل الوقود الذي يتحرك به السلوك الإنساني، والنوايا بمثابة الشرارة التي تقدح تلك الإرادات، والسلوك هو الحركة الناتجة بعد ذلك.

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا)

تتعامل الدراسات النفسية المعاصرة مع الجزء البارز من جبل الجليد الضخم للسلوك البشري، غافلة عن حقيقة الجزء الأكبر الغائر منه في أعماق النفس. وهو ما يفسر خضوع السلوك الإنساني في هذه الدراسات للمؤثرات البيولوجية والاجتماعية الظاهرة، دون التصدي للبواعث والمؤثرات الكامنة.

ولعل اتباع “المنهج العلمي المعاصر”، سبب رئيس في إغفال الدراسات النفسية المعاصرة للمؤثرات الكامنة وعدم اعتبار أثرها في تشكيل السلوك الإنساني؛ ذلك أن هذا المنهج يستند على مجموع المشاهدات والتجارب، لبناء فرضيات تصلح لأن تتحول إلى نظريات تقود فيما بعد إلى حقائق. وهو بذلك لا يؤمن بالغيب، ولا يعترف بتأثير الإيمان ولا بالقيم، إلا في حدود المشاهدات والتجارب العملية.

وبما أن علم الكتاب والسنة هو المصدر لسائر العلوم الإسلامية ومنها علم النفس، فإن الحقائق التي يُخبر عنها، لا تحتاج إلى براهين سوى صحة الاستدلال من القرآن الكريم، وصحة الثبوت والاستدلال من السنة النبوية.

وحين يتعلق الحديث عن “النفس البشرية”، فإن خصوصية الرجوع للكتاب والسنة تكون أظهر وأشهر؛ لأن السلوك الإنساني غير السوي متقلب ومعقّد بطبعه بخلاف الظواهر الكونية، ولأن معرفة الحقائق النفسية الكامنة تفتقر إلى الرجوع للعليم بمكوناتها، والخبير بمؤثراتها سبحانه، قال تعالى: (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير)(الملك:14)، وقال جل شأنه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)(الشمس:7-10)؛ فأقسم سبحانه بـ”النفس”، مقرونة بذاته العليّة جل شأنه، لتأكيد تمام علمه بها، وإحكام خلقه لها بما يعينها على أداء مهمتها.

إن السلوك الإنساني لا يمكن فهمه بدون التعرف على النفس التي تتحكم في مساراته وبواعثه الأولى، ومن هنا ظهرت حاجة المتخصص في علم النفس للحقائق التي أخبر الله تعالى عنها مقرونة بالنفس البشرية، ومنها:

أ- أن الله سبحانه خالق هذه النفس بصفاتها البديعة التي لا يُرى إلا آثارُها، ولا يعرف كُنه خلقها إلا هو سبحانه، قال تعالى: (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ)(الكهف:51)، وقال سبحانه على لسان عيسى عليه السلام: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب)(المائدة:116).

بـ- خضوع هذه النفس المطلق لربها، قال تعالى: (يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ)(الرعد:42)، وقال سبحانه في آية أخرى صريحة: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)(الرعد:33).. فهو سبحانه قائم على كل نفس؛ يُحصي عليها جميع ما تعمل.

جـ- علمُ الله تعالى بضعف النفس البشرية؛ ولذا لم يكلّفها من الأعمال ما لا تطيق، قال سبحانه: (وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون)(المؤمنون:62).

د- قابلية هذه النفس للتغيير نحو الأحسن أو الأسوأ، قال تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(الرعد:11).

هـ- قوة تأثير النفس على السلوك الظاهر، كما قال تعالى على لسان السامري: (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)(طه:96).

و- حاجة هذه النفس إلى عصمة ربها حال اضطرابها وانحراف سلوكها الظاهر، قال سبحانه على لسان امرأة العزيز: (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)(يوسف:53).

فإذا كان هذا شأن النفس وتأثيرها على السلوك، فإن مسار الحديث عنه لا بد أن يقود للحديث عن “النية”.

النية موجّه السلوك الأكبر

تتحرك التربية الإسلامية وفق مسارين اثنين؛ مسار تحويل الإرادات الكامنة إلى نوايا صالحة، ومسار تحويل السلوك الظاهر إلى عمل صالح، ولا يخرج عنهما شرطا قبول العمل في الإسلام؛ الإخلاص لله تعالى، والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم.

والفارق بين التربية الإسلامية الراشدة وبين غيرها، يكمن في إضفاء الحقائق الإيمانية للإرادات والسلوك والاحتياجات الإنسانية؛ فهي من جهة تقوم بإشباع حاجات الإنسان الفطرية من أكل، وشرب، ونوم وجنس، وغيرها.. لكنها -من جهة أخرى- ترتفع بها صوب كمالات التكريم الإنساني المتصل بمرضاة الله تعالى، وتقوم بتوجيهها لتصبح لها إرادات صالحة يتقرب بها العبد إلى ربه، شأنها شأن العبادات الأخرى من صلاة وصوم وصدقات ونحوها.

ومما يظهر المنزلة الكبرى للنية الصالحة في الإسلام، دخولها في سائر العبادات؛ إذ لا عبادة صحيحة بدون نية، ودخولها في كثير من المعاملات، وبها ينتقل العمل من حيّز الواجب إلى السنّة والعكس. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من عبد كانت له نية في أداء دَينه، إلا كان له من الله عون” (رواه الإمام أحمد)، وقال صلى الله عليه وسلم: “اليمين على نية المستحلف” (رواه مسلم).

وفي حديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حركة مضادة ينتقل بها العمل الصالح إلى عالم الخفاء بهذه النية الصالحة بدلاً من ظهوره، كما في حديث الهجرة، قال صلى الله عليه وسلم: “من رأي منكرًا فاستطاع أن يغيّره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان” (رواه أبو داود).

ومن هنا كانت تربية النفس على بعث النوايا الصالحة عبادة مجردة بذاتها يُثاب المؤمن عليها؛ إذ يكفيه أن يعزم عزمًا صادقًا على فعل طاعة ما، أو الكفّ عن معصية ما، ليكتب الله تعالى له ثواب تلك العبادة وإن لم يفعلها، قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك، فمن همّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله تعالى عنده حسنة كاملة، فإن همَّ بها فعملها كتبها الله تعالى عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن همَّ بها فعملها كتبها الله تعالى سيئةً واحدة، ولا يهلك على الله إلا هالك” (متفق عليه).

(*) المشرف العام لمركز رؤية الثقافي بـ”مكة المكرمة” / المملكة العربية السعودية.

الهوامش

(1) روبرت ودورث، مدارس علم النفس المعاصرة، ترجمة: كمال دسوقي، ط1، دار المعارف بمصر.

(2) النية في حقيقتها عزم القلب وميله.

Leave a Reply

Your email address will not be published.