يجب أن ننتبه من البداية إلى أن مدلول السرقة عند الطفل يختلف عن المدلول الذي عند الكبار. فالسرقة لدى الكبار عمل مشين، يتنافى -بطبيعة الحال- مع القيم والمعايير الأخلاقية، لذا نستطيع أن نتصور مدى انزعاج الآباء واضطرابهم عندما تخبرهم المدرسة -على سبيل المثال- بأن أطفالهم قد ضُبطوا متلبسين بالسرقة! وقد لا يحدث هذا الاضطراب إذا قيل لهم إن أطفالكم كسالى أو متخلفون دراسيًّا؛ ذلك لأنهم لا يعتبرون أنفسهم قد فشلوا في تعليم أطفالهم قواعدَ العلم وأسس المعرفة والثقافة فحسب، بل وأخفقوا أيضًا في تهذيبهم وتقويمهم، وأن أطفالهم قد صاروا يواجهون مستقبلاً مترديًا يؤكده هذا الانحراف الخلقي.
تؤكد معظم الدراسات السيكولوجية، أن هناك أنواعًا من السرقة يأتيها الطفل بدوافع بعيدة كل البعد عن دوافع السرقة في مدلولها السلبي المهين الذي لدينا نحن الكبار. فقد يسرق الطفل لأنه لا يدرك معنى الملكية، والأجدر بنا والأصوب أن نهتم ببحث واستقصاء الدوافع والأسباب التي أدت إلى سلوك السرقة قدر الاهتمام بالواقعة نفسها. أما دوافع السرقة وأسبابها فيمكن سردها كالآتي:
1- الجهل بمعني الملكية
عندما يمدّ الطفل يده ليستولي على ممتلكات غيره، إنما يمدّها لأنه يرغب في استخدام تلك الممتلكات لا ليسرقها كما نتصور، فهو يجهل تمامًا معنى أن نحترم ملكية الآخرين، فنموه لم يمكنه بعدُ من التمييز بين ممتلكاته وممتلكات غيره، وهو أيضًا لا يدرك أن احترام ملكية الآخرين تعني ألاّ يحصل عليها أو يستخدمها إلا بإذن من أصحابها، وإلا عُدّ الأمر اعتداءً على حقوقهم.
وقد ينبه الأب أو الأم إلى ذلك بالزجر تارة وبالعقاب تارة أخرى، ولكن لا يفتأ الطفل أن يعاود الفعلة مرة أخرى، ذلك لأن المعنى لم يرسخ بعد في ذهنه، وإنه لا يتصور أنه فعل أمرًا مذمومًا. ومثل هذا الطفل لا يمكننا أن نعدّه سارقًا، ويكفي من أجل تعويده على سلوك الأمانة، أن ننمي فكرته عن الملكية الخاصة والملكية العامة؛ وذلك بأن نخصص له أدوات خاصة يتناول بها طعامه، وأخرى يستخدمها في الاعتناء بأمور نظافته الشخصية، وأن نخصص له كذلك اللُّعَب والكتب والأدوات التي يحتفظ بها في مكان يخصه وحده.. في الوقت الذي نطالبه بضرورة الحفاظ عليها من التلف والعناية بها، وعدم إهدارها أو فقدها.
2- الغيرة والانتقام

الطفل قد يسرق في المواطن التي تثار فيها غيرته الشديدة، فقد يسرق من والديه إذا وجد أنهما انصرفا عنه وأهملا شؤونه، والسرقة هنا انتقامية كردّ فعل لتجاهل الوالدين له. ومن ناحية أخرى قد تكون السرقة نوعًا من التنفيس عن الغضب، ولذا فقد تكون الأشياء المسروقة من ممتلكات الوالدين وقد لا تكون، فقد يلجأ الطفل إلى سرقة زميل له يشعر تجاهه بالضيق أو الغيرة ولا يستطيع مواجهته أو مصارحته فيسرق أدواته، وقد يحطّمها لأنه يسرق بدافع الانتقام والتشفي.
3- الرغبة في الامتلاك
قد يسرق الطفل شيئًا لأن لديه رغبة ملحة في استخدام أو امتلاك الشيء المسروق، إذا وجد الطفل بحوزة صديقه لعبة أعجبته وهو لا يمتلك مثلها، فقد يفكر مليًّا في سرقتها واستخدامها في خفية تامة، ليستمتع بلذة ملكيتها ونشوة استعمالها، وفي هذه الحالة لا يسرق الطفل إلا ما يروقه من الأشياء. وفي بعض الحالات يعيد الطفل الشيء المسروق خفية أيضًا بعد أن يستخدمه ويحقق رغبته. ومن هنا يتحتم على الآباء أو الأمهات توفير الأدوات و المقتنيات واللُّعَب التي تروق أطفالهم قدر الإمكان، حتى لا يلجأوا إلى السرقة بدافع الرغبة في الامتلاك.
4- الخوف من العقاب
يحدث أن نجد طفلاً قد ضيّع -مثلاً- عُلبة ألوانه بالمدرسة، فيذهب إلى المنزل يشكو لأبويه، حتى يمكنه الحصول على النقود ليبتاع أخرى، فيأبى والداه أن يأتياه بمثلها، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يهددانه بالعقاب الصارم إذا لم يجد علبة ألوانه المفقودة.. في هذه الحالة يبدأ الطفل يفكر في سرقة النقود اللازمة لشراء علبة الألوان اتقاء العقاب، وبعد أن يبتاع مثلها يهرول الصغير إلى والديه، ويخبرهم أنه قد وجد علبة ألوانه في صوانه الخاص.
وعندما يقتنع الأبوان بذلك، يزول بذلك خطر التهديد والعقاب، ويستنشق الطفل عبير الأمن والاطمئنان، ويكون قد تعلم أن السرقة قد تقي من العقاب أحيانًا.

لذا نحذر الآباء من شدة العقاب إذا ما فقد الصغار أدواتهم، لأن هذه الأمور تعد مسلكًا طبيعيًّا يحدث لكل الصغار. والواجب على الآباء، أن يوجهوا صغارهم بالمودة والحب متغاضين عن العقاب لأول مرة، وأن يقوموا بتلبية مطالبهم وإعطائهم البديل.. أما إذا تكرر الموقف مرة أخرى، فليتعرفوا على أسباب هذه الظاهرة، فقد يكون الطفل ضعيف الذاكرة، أو سريع السهو والنسيان، أو أن هناك أطفالاً في المدرسة اعتادوا على سرقة مثل هذه الأدوات.. ونؤكد أن الخوف من العقاب، يدفع الصغار دائمًا إلى الإتيان بأساليب سلوكية غير مرضية كالسرقة والكذب.
5- التفاخر والتباهي
يعاني بعض الأطفال من حرمان امتلاك الأدوات واللُّعَب التي تروقهم، إما لضيق ذات اليد، وإما لسوء تقدير الأبوين شأن توفير ما يحتاجه أبناؤهم من أدوات ولعب؛ ثم يذهب الطفل إلى المدرسة أو النادي فيروعه الأمر، لأنه يرى بحوزة أقرانه أصنافًا منها، ومما يزيد الأمر سوءًا أن يجد من رفاقه التفاخر والتباهي بما يملكون، والسعادة الغامرة بما ينعمون؛ فتدبّ الغيرة في قلبه، ويترسخ بداخله الشعور بالنقص، لفقده الأمل في اقتناء مثل هذه الأدوات واللُّعَب.
والنتيجة المتوقعة هي أن الطفل يفكر مليًّا في الأمر فلا يجد سوى السرقة مفرًّا ومخرجًا، فيلجأ إلى سرقة مثل هذه الأشياء من أصدقائه ليلهو بها ويتمتع بصحبتها.. وعندما يسأله أبواه عن مصدر هذه اللُّعَب والأدوات، فإنه يدّعي أن أصدقاءه أهدوه إياها، أو أن المدرسة كافأته لفوزه في إحدى المسابقات.
ولعل الطفل قد يسرق النقود ويشتري هذه اللُّعَب ويحتفظ بها بعيدًا عن الأنظار، حتى يحين موعد ذهابه إلى المدرسة فيضع هذه اللُّعَب أو بعضها في حقيبته المدرسية، ليتمكن من التباهي أو التفاخر بها أمام أقرانه، مدعيًّا أن والديه قد اشتروها له. ولا شك أن هذا الطفل يعاني من شعور شديد بالنقص، ويشعر دائمًا بأنه دون مستوى أقرانه، لذلك على الأبوين توفير ما يمكنهم توفيره من تلك الأدوات واللُّعَب.
6- التقليد والمحاكاة
يتابع معظم الأطفال باهتمام شديد ما يجري في عالم الكبار، فنجد الطفل يستمع لأقوال والده ويحاول فهمها وترديدها، والفتاة تهتم بما تردده أمها فتتابع أحاديثها بإنصات شديد.. هذه السمات من شأنها أن تؤثر على الطفل، فهو على استعداد دائم للوقوع تحت تأثير الآخرين، ويطلق علماء النفس على هذه الحالة “القابلية الشديدة للاستهواء”؛ بحيث يكون الطفل على استعداد للتأثر بما يسمعه أو يشاهده، خاصة ممن يكبرونه سنًّا، ويشغلون أدوارًا مهمة بالنسبة له مثل الأب أو الأم. ومن ثم يتضح أن الطفل في تلك المواقف، إنما يقوم بعملية توحد مع أنموذج معين، وبهذا يميل إلى التقليد والمحاكاة، وقد يحدث أن تمتد يد الأم إلى حافظة نقود زوجها، لتأخذ دون إخباره بعض النقود، فيراها الطفل دون أن تشعر بوجوده، ثم يأتي الأب ليكتشف الأمر ويثور، والأم تتهرّب من المسؤولية، أما الطفل فإن عقله في مثل هذه الحالات يتعكَّر، وغالبًا ما يسأل نفسه، هل أظل صامتًا، أم أروي ما رأيت فأكشف أمر أمي فيدب الصدام بينهما؟ ومهما يكن موقف الطفل، فقد تأثر تأثرًا سلبيًّا بفعلة أمه النموذج والقدوة له. والأرجح أن هذا الطفل سيغير من قيمه التي اكتسبها، ويعدل من اتجاهاته التي سبق له وتبناها، وبمرور الوقت لا يسأل الطفل والده عما يريده من نقود، بل ستمتد يداه إلى حافظة والده ليأخذ منها ما يريد. وبهذا يصبح الطفل معتادًا للأخذ دون إذن، لأنه رأى القدوة والانموذج يفعل ذلك فقلّّدها وحاكاها.
6- أصدقاء السوء
الطفل تتسع دائرته الاجتماعية دائمًا، ويتمثل ذلك في وجود أصدقاء له يذهب ويجيء معهم من وإلى المدرسة، يقضي بصحبتهم فترات الراحة والاسترخاء، والطفل يجد نفسه مشدودًا إلى أصدقائه يبدي ولاءه وإخلاصه لهم، وحينما لا يساعده الأب أو الأم في اختيار الأصدقاء، فقد ينحرف الطفل ويسيء الاختيار. والشاهد على ذلك أن تعرف طفل إلى صديق يقطن بجواره في المسكن، يكبره بعدة سنوات، كان يرافقه في رحلات قصيرة في أيام العطلات الأسبوعية، ولسوء الحظ كان هذا الصديق منحرفًا سلوكيًّا فقد اعتاد السرقة، ولما كان الطفل يقع تحت تأثيره، وكان الأبوان في غفلة عن ابنهما، فقد انتهت هذه الصداقة باشتراكهما في سرقة النقود وبعض الأشياء. لقد وجد الصغير في هذا السلوك متعة في إثبات ذاته وقدراته، كما وجد لذة في الجرأة والشجاعة التي تصاحب السرقة. لذا من الضروري على الأبوين مساعدة طفلهما على انتقاء أصدقائه الانتقاء الصحيح والملائم.
تنمية سلوك الأمانة عند الأطفال
يجب أن يدرك الآباء، أنه قبل تكوين اتجاه الأمانة لا بد من حدوث اعتداءات من الطفل على ملكية غيره، وهذا أمر طبيعي يجب أن يقابله الآباء بالمرونة، إلى أن يتعلم الطفل أساليب التعاون من أخذ وعطاء. كما يجب عليهم عدم التهويل، فيقابل الآباء ذلك بالضرب والإهانة، كما أنه من الخطأ الدفاع عن هذا السلوك، فهذه الأساليب لا تساعد على تكوين اتجاه الأمانة.
فتأسيس شعور الملكية لدى الطفل بأن يخصص له مقتنياته الخاصة، وإعطاء الطفل مصروفًا يوميًّا يتناسب مع عمره ووسطه الاجتماعي الذي يعيش فيه، والتسامح قدر الإمكان في حالات السرقة العابرة والتي تحدث بلا دوافع نفسية، كذلك عدم دفع الطفل إلى الاعتراف بالسرقة حتى لا يعتاد الكذب، وعدم معايرة الطفل أمام الآخرين في حالة السرقة، حتى لا يشعر بالمهانة والنقص.. كل هذه الأمور تساعد على تنمية سلوك الأمانة لدى الأطفال، علمًا بأن الطفل لو أحس بمشاعر المحبة والحنو والعطف والرعاية، فإنه لن يلجأ إلى السرقة.
كما أن احترام ملكية الطفل الخاصة شيء ضروري، ومن هذا المنطلق لا بد أن نعلمه كيف يحترم ملكية الآخرين؛ عن طريق مداومة التوجيه والإرشاد، وغرس القيم الدينية والأخلاقية في وجدانه، مع تقديم الأنموذج والقدوة الطيبة أمامه؛ فلا ننهى عن سلوك نقترفه ثم نأتي به نحن الكبار، مع عدم اتهام الطفل بالسرقة، ونحذر من خلع ألقاب على الطفل من شأنها أن تقضي على سلامة صحته النفسية.
كما لا بد من دراسة الدوافع التي دفعت الطفل دفعًا إلى السرقة، فهل السرقة عابرة أم متكررة؟ وهل السرقة تقوم بوظيفة نفسية في حياة الطفل كتعويض فقدانه للحب أو الحنان أو الرعاية؟ أم لها وظيفة اجتماعية كالتباهي أو التفاخر أو إثبات الذات؟ فإذا وضعنا أيدينا على مواضع الداء الحقيقي، تمكنّا من وضع العلاج المفيد.

(*) متخصصة في مجال التربية النفسية والسلوكية / مصر.