بداية لابد أن نوضح ماذا نعني بمصطلح الرؤية الحضارية في التراث الإسلامي؟ ولكي نجيب عن هذا السؤال إجابة حاسمة، يجب علينا أن نشرح المحتويات العامة والخاصة للرؤية الحضارية، ونفرق أيضًا ماهية هذه الرؤية؟

وللإجابة نقول: إن الرؤية الحضارية تعني شمولية الأنساق التي يكون بناؤها في تناغم عضوي.

فهناك النسق المعنوي (الثقافية ومشتقاتها) وهناك أيضًا النسق المادي (المدنية ومشتقاتها).

وإذا ما قمنا بإجراء دراسة مسحية لتراثنا، فسوف نجد أن هذه الأنساق متجمعة، كان لها دور بارز في تشكيل البنية العامة لهذا التراث الشمولي في تكوينه.

وبعد أن قدمنا محاولتنا لتعريف ما المقصود بالرؤية الحضارية، نرى لزامًا علينا أن نتطرق إلى تعريف مصطلح التراث، وبناء عليه نستطيع أن نقول إن هناك فرقًا جوهريًّا بين الإسلام كدين، وتراث الأمة كإفراز حضاري، وذلك من منطلق أن تراث أمتنا ليس الإسلام وأن الإسلام ليس تراث أمتنا.

بعد ذلك نأتي للإجابة على التساؤل المثار آنفًا، ونقول إن التراث هو الإنتاج الحضاري الذي يتحدد من خصائص أمة من الأمم، المتفاعلة مع البيئة التي نشأت فيها، بكل ما تحتوي عليه من تجارب وأحداث طبقتها بصفة خاصة، وأسبغت عليها ملامحها الثقافية، ومميزاتها الحضارية، التي ميزتها عن الأمم الأخرى، التي لها بدورها أنماط حياتها وأعرافها وتقاليدها.(1)

وتبرز أهم إنجازات الأمة الحضاري، من خلال تفوق المسلمين في المجالات العلمية المختلفة، مثل الطب والعلوم الجغرافية والفلك والرياضة والدين والفلسفة(2) لكن انخراطهم في الفلسفة وحضارات الأمم الأخرى بعيداً عن هيمنة الدين وموازينه المتينة كان من جملة العوامل التي أودت في النهاية بحضارتهم وأوقعتهم فريسة لأعدائهم، ونظرًا لضيق المجال المتاح للمقال نكتفي بهذا السرد السابق، دون ذكر البصمات العلمية لهذه العلوم وتراث أمتنا الحضاري تاريخياً، قد جسد كل خصائص هذه الأمة تجسيداً متناغماً نسبياً لا بإطلاق – إلا بعض النشاز في بعض حقب التاريخ المظلمة، التي سرعان ما كانت تنقشع عندما تعود الأمة إلى منا بعها وأصالتها.

التراث الإسلامي من منظور حضاري

ومن هنا فإن دراسة التراث الإسلامي من المنظور الحضاري، تعد إحدى القضايا الحساسة التي تتعلق بتكوين الأمة، وبلورة ملامح هذا التكوين، وهي أيضاً تتعلق بهوية هذه الأمة الفذة، والتي تعتبر خير أمة تفطر عنها قلب الطبيعة –على حد تعبير الأستاذ الدكتور عبد الفتاح سلامة– ولقد سبق لبعض الباحثين أن تناول هذه القضايا الحيوية، بروح علمية منهجية نابضة بالرؤية الإسلامية، التي تجسد موقف الإسلام كدين وحضارة تجاه الكون الرحيب، والإنسان خليفة الله على الأرض لكي يُرسي دعائم العدل، ويؤسس ملامح حضارة إنسانية سامية لحمتها الإيمان بالله تعالى، وسدتها إعلاء قيمة هذا الإنسان والارتقاء به في عالم الكمالات الإنسانية.

ولذا وجب علينا كباحثين حضاريين ونحن بصدد تحليل أبعاد هذه القضية الحيوية منهجيًّا، ودراستها دراسة دقيقة أن نتناول ظاهرة حيوية، ألا وهي موقفنا كمسلمين معاصرين نعيش في الهزيع الأخير من هذا القرن، تجاه تراثنا الحضاري الذي أفرزته العقلية المسلمة يوم أن كان لنا حضارة يانعة.

ولقد أسهمت إفرازات هذا التراث الحضاري الفذ، في تشكيل كياننا بملامحه العامة والخاصة، تتبلور لنا معالم موقفنا السلبي تجاه تراثنا، من خلال تلك الرؤية الصائبة التي رآها بخصوص هذا الصدد، الأستاذ الدكتور (طه جابر العلواني) عندما قال: “إننا مجرد مستهلكين له؛ أي لإفرازات تراثنا الحضارية، وإننا أيضًا نعيش في حالة غياب ثقافي”.

ويستكمل لنا الأستاذ الدكتور (طه العلواني) رسم ملامح المأساة، أي مأساة تعاملنا مع تراثنا، ونظراتنا إلى إنجازات العصر الحضارية أي في شقها المادي (المدنية) فيقول: “لكن الذي نريده بإسلامية المعرفة، هو تنبيه المسلمين إلى أنهم يعيشون حالة غياب ثقافي، فتلك الثقافة التاريخية التي يظن البعض أنها هي الثقافة الإسلامية، وهذا أمر صحيح لا نجادل فيه – ليست ثقافة أنتجها العقل المسلم المعاصر، وليس فيها أي أثر لهذا العصر، وإنما أنتجها عقل مسلم في حقب ماضية، لها طابع تلك العصور وآثاره وفهمه للكون والحياة والإنسان، والعلاقات والمشكلات وغيرها، فمسلم اليوم مستهلك لتراث أسلافه دون أن ينتج عقله(3).

تنقيب ومعالجة

وبخصوص تنقيبنا عن آفاق الرؤية الحضارية في تراثنا الإسلامي، ومعالجة طروحاتها في فكرنا الإسلامي المعاصر، نجد أن هناك بعض الثغرات العلمية والمنهجية، التي جانب فيها الصواب بعض الباحثين، الذين تناولوا هذه القضية الحيوية بالتشريح والتحليل، فمثلاً أحدهم يقول: “إن المسلمين لا يعرفون هويتهم”. وعند تحليل هذه المقولة نجد أنها بعيدة عن الواقع والتاريخ، والتكوين الحضاري لأمتنا، وهذا لأن هوية المسلمين معروفة عند الله عز وجل وكذلك لباقي البشر، كما يؤكد ذلك أستاذنا الدكتور (عماد خليل) المفكر الإسلامي الكبير.

وإنما الذي أصابه الانبهام، أو إذا شئنا الدقة، الانطماس، هو ذات المسلمين، فالمسلمون في حاجة ماسة إلى إعادة تشكيل ذاتهم تشكيلاً حضاريًّا نابعًا من الإسلام، أي هم في أمس الحاجة إلى التغيير الذاتي.

ولقد جانب الصواب الأستاذ الدكتور (طه جابر العلواني) في محاولته المشار إليها آنفاً، وذلك أثناء حديثه عن تمثيل القرآن في تاريخنا لثلاثة أشياء فقط، وأشار إليها وهي في نظره كالآتي:

علم الحلال والحرام، علم الغيب، ما يتعلق بالعبرة والاتعاظ(4).

لذلك نستطيع أن نقول: “إن المنظومة الثلاثية، تمثل بعدًا أساسيًّا في تراثنا الحضاري، في واقعه التاريخي، ولكنها ليست هي كل ما احتواه التراث من قيم، لذا يجب علينا أن نقوم بعملية استقراء حي لتراثنا الحضاري، كما أفرزه العقل المسلم، إبان ازدهار حضارتنا الباسقة، حتى يتسنى لنا ملامح الرؤية الحضارية فيه”.

خلاصة الأمر

وبناء على ما سبق، فسوف نجد أن تراثنا الإسلامي، هو تراث حضاري بكل ما تعنى هذه الكلمة من معنى، وهذا راجع إلى أنه كان تراثاً شاملاً، فلقد كان فيه العلوم الطبيعية، والعلوم الإنسانية بآفاقها الإنسانية، والتي ارتكزت كلها على ذلك المحور الحيوي، ألا وهو القرآن الكريم –رافد الحضارة الأمثل في كل زمان ومكان– وإن اختلفت مسألة الاعتماد عليه قوة وضعفًا حسب مراحل القوة والضعف التي مرت بها أمتنا.

أما مقولة التجديد وعدم الشمولية، وأيضاً عدم استلهام عطاء القرآن في تكوين بنية تراثنا الأساسية، فهي مقولة استشراقية، رددها بعض دعاة الاستشراق في ثقافتنا العربية المعاصرة، ولا سيما في جانبها التغريبي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك تلك المقولة المتهافتة التي ذهب إليها الدكتور –حسن حنفي– الذي يقول “إن الإنسان كان غائباً في تراثنا الإسلامي الحضاري”.

وإذا ما أردنا تبين مدى تهافت تلك المقولة الهشة، فإننا سوف لا نكلف أنفسنا مئونة البحث والتنقيب، بل نكتفي بقولنا إذا كان الإنسان فعلاً غائبًا في هذا التراث الشامل، فمن يا ترى الذي أبدع إفرازات هذا التراث الحضاري السابق.

ويجب علينا أن نقوم بعملية فرز دقيق لمحتوياته وعطاءاته، وتقبل منه ما يتلاءم مع الإيقاع الحضاري للعصر، وهذا بطبيعة الحال ينطبق على المتغيرات من هذا التراث، أما الثوابت فهي منهج الله السرمدي.

ولقد اهتم الإسلام اهتمامًا كبيرًا بصانع هذا التراث، وأعني به الإنسان خليفة الله في الأرض، لكي تكتمل لنا بانوراما الدور البارز لتراثنا، وإنساننا المسلم الذي صاغه الإسلام صياغة –أقل ما يقال فيها– إنها صياغة حضارية، وذلك عندما اعتبر الإسلام الإنسان محورًا حيويًّا في عملية الصناعة الحضارية بكل أبعادها المعنوية والمادية.

ومن هنا تبقى تلك الصيحات العالية التي احتوتها، رؤية الأستاذ الدكتور جابر العلواني، بمثابة نذير خطر أطلقه أحد العالمين في ثغر من ثغور الإسلام الباسل في هذا العصر، حتى يفيق المسلمون من سبات نومهم العميق، يقوموا بهتك أستار ذلك الظلام الكامن الذي حول حياتهم إلى ليل بهيم.

وكذلك عليهم أن يعودوا إلى روح دينهم الذي فك أسار العقل البشري، وجعله يحلق في سماء العلم والمعرفة، ويجب على المسلم أن يأخذ بالأسباب حتى يدخل دورة حضارية جديدة، عنوانها (حضارة إسلامية معاصرة) ويعمل جاهداً على الانعتاق من ربقة تلك الدورة الثقافية التي يحياها الآن –على حد تعبير أستاذنا الدكتور رشدي فكار– المفكر الإسلامي الأصيل، والمنفتح على حضارة الغرب انفتاحاً ثقافياً لا استهلاكياً، والله من وراء القصد.

الهوامش

  1. تجديد الفكر الإسلامي، د/ محسن عبد الحميد، دار الصحوة، القاهرة ص10
  2. دراسات في الحضارة الإسلامية، د/ إبراهيم أحمد الشريف، دار الفكر، القاهرة، ص 303- 307
  3. جريدة الشرق الأوسط، د/ طه جابر العلواني، العدد 3725-الأربعاء-208- 1989م – حوار صفحة الدين والتراث.
  4. المرجع السابق.