لا يخفى أن الدلالة على المعاني في الكلام قد تكون باللفظ وقد تكون بغيره، فأما الدلالة الأولى فيدلّك اللفظ على الغرض المقصود منه ويوصلك إلى معناه، وأما الثانية فهي ما يمكن تسميتها بدلالة معنى اللفظ أو بدلالة المعنى، لأنها دلالة معنى على معنى، حيث نتوصل فيها إلى معنى الكلام من معنى اللفظ، لا من اللفظ نفسه، وهذا المعنى هو الذي يفضي بنا إلى معنى آخر.

وهاتان الدلالتان في النهاية متعلقتان بـ”المعنى” و”معنى المعنى”، يقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني (المتوفى: 471هـ) في تبيينه لكلا النوعين:” الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وذلك إذا قصدت أن تخبر عن “زيد” مثلا بالخروج على الحقيقة، فقلت: “خرج زيد”، وبالانطلاق عن “عمرو” فقلت: “عمرو منطلق”، وعلى هذا القياس. وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض. ومدار هذا الأمر على “الكناية” و”الاستعارة” و”التمثيل”.

ومنه فهناك دلالة أولى تتحقق في كل كلام أطلق على أصل وضعه، ودلالة ثانية تتحقق بتجاوز ذلك الوضع اللغوي، والعدول عنه إلى سواه، وهو ما يختص به علم البيان بفنونه المعروفة، التي تعتبر الاستعارة أبرزها، نظرًا لكونها أحسن وسيلة تنهض بعز الكلام، وأقوى سلاح يُخضع به سلطان البيان، فهي منه كالقلب للجسد: فمتى طلعت عليه كشفت عن عمق دلالته ومعناه، وإذا غابت عنه لفَظ أنفاسه، أو كان من ذلك قاب قوسين أو أدناه، وإذا برزت في معرض البيان توارت الصور الأخرى حياء، وخضعت في حلّتها الذهبيّة لمن تغبطها سنا وسناء، ولهذا قال الهاشمي (المتوفى: 1362هـ):”كانت هذه الاستعارة محط أنظار البلغاء، لا يعدلون بها إلى غيرها إلا عند عدم إمكانها، فهي أبلغ أنواع المجاز مفردا أو مركبا”، ولا أحد يستطيع أن يجحد فضل الاستعارة الكبير في الدلالة التركيبية على المعاني، أو يكابر عنه.

لكن هناك شيء بخصوص الاستعارة قد شاع وذاع عند البيانيين وهو تقسيمها إلى استعارة في اللفظ المفرد وفي اللفظ المركب بما في ذلك مختلف أنواع المجاز الأخرى، لكن من الخطأ أن نفهم أن ذلك النوع المفرد من المجاز خصوصًا، والاستعارة منه بشكل أخص، ليس له علاقة بالتركيب والنظم الذي ورد فيه، لأن هذا الكلام لا يستقيم ولا يدنو من الاستقامة، إذ المزية في اللفظ المفرد الذي جرت فيه الاستعارة إنما هي باعتبار النظم الذي ورد فيه.

وليس الأمر مقتصرًا على الاستعارة وحدها، بل هو عام في المجاز كله، وفي التمثيل والكناية كذلك، يقول العلامة عبد القاهر (المتوفى: 471هـ) في هذه الحقيقة والاحتجاج لها: “هذه المعاني التي هي “الاستعارة”، و”الكناية” و”التمثيل”، وسائر ضروب “المجاز” من بعدها من مقتضيات “النظم”، وعنه يحدث وبه يكون؛ لأنه لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخ فيما بينها حكم من أحكام النحو؛ فلا يتصور أن يكون ههنا “فعل” أو “اسم” قد دخلته الاستعارة، من دون أن يكون قد ألف مع غيره؛ أفلا ترى أنه إن قدر في “اشتعل” من قوله تعالى: |(واشتعل الرأس شيبا) [مريم: 4] ، أن لا يكون “الرأس”، فاعلا له، ويكون “شيبا” منصوبا عنه على التمييز، لم يتصور أن يكون مستعارًا؟ وهكذا السبيل في نظائر “الاستعارة”، ولا يخفى أن التشبيه غير مستثنى من هذا الكلام لأنه لا يكون أصلا إلا بالنظم التركيبي، نظرا لذكر طرفي الصورة فيه.

وفي المثال الذي ساقه الجرجاني وهو قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا) [مريم: 4] نجد أن اللفظ المستعار هو “اشتعل” وهو مفرد، لكن هذا لا يعني أن الاستعارة تتحقق به وحده، بل هي متحققة بإسناده إلى لفظ آخر هو “الرأس”، والدليل على أهمية هذا اللفظ الأخير في تكوين هذه الاستعارة هو زوالها بزواله، فلو أسندنا فعل “اشتعل” إلى لفظ “الحطب” مثلاً، لما بقيت هناك استعارة، الأمر الذي يثبت أن الاستعارة المفردة كذلك مرهونة بالتركيب والنظم الذي تجيء فيه، ولولاه لانعدم وجودها.

وهذا كذلك يقودنا إلى حقيقة أخرى وهي أن دلالة الاستعارة دلالة مركبة دائمة، سواء في حالة الإفراد أو التركيب، الأمر الذي يضعنا أمام إشكال مهم لا يجب تغييبه، وهو كيف نسِم ما يؤول معناه للنظم التركيبي بالمفرد تارة، وبالمركب أخرى؟ لأن هذا يشعر المتلقي بمفارقة عجيبة لا مسوغ لها، فليس يصح أن نعبر عن استعارة يتشكل معناها الذي هو روحها من التركيب بكونها استعارة مفردة، وليست تسمى بالاستعارة إلا وهي في ذلك التركيب، وعليه فهذا يدعونا إلى ضرورة إعادة النظر في هذا التقسيم النمطي المتبع من طرف البلاغيين، أقصد تقسيم الاستعارة إلى استعارة في المفرد واستعارة في المركب.

ولكون لفظ “اشتعل” في المثال السابق وهو قوله تعالى:(واشتعل الرأس شيبا) [مريم: 4]، من الأهمية بمكان في تكوين تلك الاستعارة، بحيث لا يمكن الوقوف على النظم التركيبي الذي هو فيه، إلا بعد الوقوف على اللفظ قبله، فذلك يجعلنا نجزم أن الحسن في الاستعارة – سواء كانت مفردة أو مركبة – يرجع للفظ والنظم دون تمييز بينهما، ذلك أن بعض الكلام يرجع الحسن فيه للنظم فحسب، وبعضه للفظ فقط، وبعضه الآخر يعود لهما معا، يقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني (المتوفى: 471هـ): “وجملة الأمر أن ههنا كلامًا حسنه للفظ دون النظم، وآخر حسنه للنظم دون اللفظ، وثالثا قد أتاه الحسن من الجهتين، ووجبت له”.

ويمكن كذلك إثبات أن دلالة الاستعارة دلالة مركبة دائمًا، في جميع حالاتها الإفرادية أو التركيبية، وبالتالي هي معتبرة بالتركيب لا بالإفراد، من خلال انتمائها إلى علم البيان الذي هو في الاصطلاح علم يبحث “في إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه والنقصان”.

إذ القول بأنه إيراد للمعنى بطرق مختلفة: أي تأديته بأشكال متفاوتة، لا يكون ممكنا إلا بتنوع التراكيب، وإلا وجدنا أنفسنا أمام طريق واحد، لأن اللفظ المفرد ليس له إلا صورة واحدة وهو خارج التركيب، يقول حامد عوني في شرح تعريف البيان: “ومعنى: إيراد المعنى الواحد بالطرق المختلفة في الوضوح: أن يعبر عنه بجملة تراكيب، بعضها أوضح دلالة عليه من بعض – سواء أكانت هذه التراكيب من قبيل التشبيه، أم المجاز، أم الكتابة”، والاستعارة كما لا يخفى من المجاز وخاصة اللغوي منه.

كما وأن تأدية هذا المعنى بطرق متعددة لا يمكن أن يتحقق بالدلالات الوضعية للألفاظ، التي تتعلق بدلالة المطابقة، أي دلالة اللفظ على تمام ما وضع له، – كما بينا في البداية بوجه غير هذا لكنه يتفق معه في النتيجة – يقول السكاكي (المتوفى: 626هـ):” علم البيان له فضل احتياج على التعرض لأنواع دلالات الكلم فنقول: لا شبهة في أن اللفظة متى كانت موضوعة لمفهوم أمكن أن تدل عليه من غير زيادة ولا نقصان بحكم الوضع، وتسمى هذه دلالة المطابقة ودلالة وضعية ومتى كان لمفهومها ذلك ولنسمه أصلياً تعلق بمفهوم آخر أمكن أن تدل عليه بوساطة ذلك التعلق بحكم العقل سواء كان ذلك المفهوم الآخر داخلاً في مفهومها الأصلي كالسقف مثلا في مفهوم البيت ويسمى هذا دلالة التضمن ودلالة عقلية أيضا أو خارجا عنه كالحائط عن مفهوم السقف وتسمى هذه دلالة الالتزام ودلالة عقلية أيضا”.

وعليه فتأدية المعنى بطرق متعددة تتحقق بدلالة التضمن ودلالة الالتزام المعتمدتين عند البيانيين، وليس بالدلالات الوضعية للألفاظ، التي هي دلالة مطابقة. وإنما أحببت أن أحدد الإطار الدلالي الذي يبحث فيه علماء البيان، وأذكر الدلالات التي تتعلق بها مباحث علمهم، وأبين – كذلك – أن دلالة الاستعارة دلالة مركبة دائما، لأهمية الاستعارة الكبيرة في علم البيان، الذي يتعلق أساسا بالدلالات التركيبية، والاستعارة منه رغم أن قسما منها يوسم بالمفرد، فخشيت أن يفهم من ذلك الاسم أن ذلك النوع منها خارج عن التركيب، وهذا لا يكون بحال من الأحوال، ولا يجب فهمه.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.