التدافع بين الحق وأهله، والباطل وحزبه.. سُّنة ماضية إلى يوم القيامة. لذا فالحملة المعاصرة على الإسلام وشريعته وشعائره وقيمه ورموزه.. هي حملة قديمة جديدة متجددة، حملة تبغي الوقوف حائلا ً دون عودة المسلمين لاستمساكهم بالإسلام منهاجاً لحياتهم، والدعوة إليه منقذا لغيرهم، حملة متواصلة لصد إقبال البشرية على هذا الدين لسماحته ووسطيته وعدله وحلوله التي تستنقذها من أزماتها المستعصية، وماديتها الطاغية. وهي تأتي لكسر الممانعة القيمية الإسلامية الراسخة التي تحول دون تمييع القيم، وعزل الدين ليضيع الأساس الإلهي للأخلاق، ومن ثم فرض الهيمنة والارتهان والإلحاق الثقافي والاقتصادي لتتغول ظواهر القوة الطاغية والاستكبار والفساد والإفساد والتحلل والجشع والأنانية، ولتشيع قيم الاستهلاك واللذة، وصناعة الفقر والمرض، ولا تولي دون أدني اعتبار لما يتهدد الإنسان والأسر والمجتمعات والبشرية من أخطار. إن السؤال المطروح بإلحاح: كيف واجه ويواجه الخطاب الفكري الإسلامي هذه الحملات المتواصلة، قديمها وجديدها، متجاوزًا المواقع الدفاعية وردود الأفعال الشعبـية إلى المبادرة والأفعال الإيجابية؟

لقد شاءت سنة الله تعالى في خلقه أن يواجه رسله، وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، من أقوامهم المعاندين حروبا شرسة.. جحودا واستكبارا وغرورا وافتراء وصدا عن سبيل الله ودعوته، كما شاءت إرادته سبحانه أن تكون معجزة الإسلام الخالدة قرأنا، ورسالة “اقرأ”، ومهمة النبوة الخاتمة هي “البيان المبين” في توائم وتلائم مع ما وصلت إليه البشرية من ثورة فكرية ومعرفية وإعلامية وتقنية، وهذا يستلزم حسن البلاغ المبين بأدواته ووسائله وأهله.. ومتى، وكيف، ولماذا، ومن نخاطب؟

فالباطل وملئه وأذنابه -وعلى الرغم من ظواهر التفرق والضعف والوهن الحضاري التي تعاني منها الأمة الإسلامية- يواصلون حملاتهم المتنوعة.. عسكرية ثقافية إعلامية، ونشر دعاوى انتشار الإسلام بالعنف، وارتباطه “بالإرهاب”، وأنه منافٍ للعقل، وهجوم على الحجاب ومكانة المرأة في الإسلام الخ.

ومع تعهد الله تعالى بإظهار دينه الحق لهداية العالمين.. فإنه تعبدنا بالدعوة إليه، ولا شك أن خطاب الفكر الدفاعي وفق مواقعه ومعاييره وأدواته ودعاته أمر لازم لبقاء الأمة، ورد الكيد المستمر عنها، والهجوم عليها. بيد أن ديمومته يسبب انشغال المسلمين عن أهدافهم وغاياتهم، ويستنزف جهدهم وطاقاتهم، ويشتت مشاعرهم وأفكارهم، ويشل فاعليتهم وإيجابيتهم، ويصرف انتباههم عن أولوياتهم ويبقي أن “خطاب العقيدة غير خطاب الدعوة، وخطاب الدعوة غير خطاب الدولة، وخطاب المعركة غير خطاب الحوار، وخطاب العلاقات الاجتماعية غير خطاب الولاء والبراء”، كما أن الخطاب الدعوى في أهله يختلف عن خطاب الآخر.

الخطاب الفكري لأبناء جلدتنا

خطاب يواصل أهدافه ومقاصده وغاياته -دون تشتت أو حيد من توالي الحملات ومواجهتها- إلى التدبر والعمل بالقرآن والسنة، والتفقه والتزكية والتطهير من الشبهات والشهوات، ومعرفة الحق، والأخذ بكل ما هو نافع، والمسارعة لكل ما هو خير لتحقيق فاعلية الأفراد، ومن ثم فاعلية الأمة. ويلتزم الحكمة والقصد والدراية والوعي الزماني والمكاني لإيصال الرسالة الدعوية عامة شاملة مميزة واضحة مفهومة حسنة ميسورة.

وهو خطاب مسئول عن أولوياته ومراحله، فهو لا يتناول المسائل الفرعية الخلافية فيقم الدنيا ولا يقعدها بينما “أمور كبرى معطلة، والواجب المقطوع به مهمل، وأبواب من الشريعة موصدة، والقطعيات منبوذة، والبينات مجهولة”، يفند الثنائيات المثارة والمصطنعة (العقل/النقل، العلم/الإيمان، التراث/الحداثة، الأصالة/ المعاصرة، التقليد/ التجديد، العروبة/ الإسلام الخ).

كما يتبني هموم الناس الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية الإعلامية، ويخاطبهم بما يعرفون ويفهمون، بعيدا عن التفاصح: “حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكذب الله ورسوله” (أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم: رقم 127)، خطاباً للروح والوجدان ويُعمل العقل (التي وردت مادته ومشتقاتها في القرآن الكريم نحو 49 مرة، وحوالي 750 موضعًا للحث على التدبر والتفكر والتعلم والبحث، كما يطرح الوسائل المتعددة والبدائل المشروعة. ويؤكد علي ارتباط الجزاء بالعمل، ويحث على العمل الصالح، وتمثل قيم الإحسان والإتقان والتعاون والتواضع والتوكل والتقوى.. وغيرها من القيم التي يسعى لتكريسها، ومدافعة الفساد والإفساد والظلم، كما يستنهض الهمم، يقرر الحقوق ويؤكد على الواجبات، ويقتحم ما هو مغلق بغية التنوير الحقيقي وإزالة الشبهات.

كما تكمن الأهمية القصوى في مقاربة الخطاب الفكري لمشروع النهوض الحضاري المستند إلى الفطرة الإنسانية، ومرجعية النص السماوي المعصوم والخالد والثراء التطبيقي التاريخي للنهوض بالواقع المسلم للخروج من الوهن الحضاري، وتداعي الحملات والأكلة على قصعة المسلمين، حريص على ما يجمع الأمة ولا يفرقها، لتحقق شهودها الحضاري المسموع الكلمة، القوي الأثر، المحترم الجناب.. واقعاً معاشاً، ومن ثم تقديمه للآخر اقتداءً وإنقاذًا، وتحملاً للمسئولية الإنسانية.

خطاب الآخر

من المعلوم أن مواقع الدفاع وردود الأفعال قد تكون مساوية للأفعال في القوة، ولكنها وهنا بيت القصيد مضادة لها في الاتجاه، محدودة ومقيدة الخيارات والأزمان. الأمر الذي يتولد عنه التباعد والتنافر والشقاق ويحقق ما يصبو إليه دعاة ” صراع الحضارات، وتصادم الثقافات”، مما يُبعد البشرية عن روح التعاون التعارف الإنساني. فيجب خطاب الآخر بحسن البيان بلسان المخاطب وبما يفهمه وما يحتاجه وما يعانيه. فخطاب الآخر لا يحتاج فقط لمن يجيد اللغات واللهجات المختلفة له، ولكن يحتاج أيضا لدراية ثاقبة لطريقة تفكيره، ومشاعره، ومشاكله.. تلك الإفراز الطبيعي لمجتمعات عاشت العقلانية والعلمانية والوفرة الإنتاجية المتعاظمة.. ونمط حياة “ما بعد الحداثة”.. تلك الفوضى الشاملة، وتصارع المصالح، والحيرة والذهول، والعدمية البحتة. فإنسان هذا شأنه بحاجة للتناصح الذي يكشف عن صوابية وشمولية وإنسانية ووسطية الخطاب الإسلامي زادا لا ينضب لتوجية العقول والأذهان، توازنًا بين الشوق الروحي، وغذائه القيمي والأخلاقي، وبين مطالب الجسد وحاجاته المشروعة، تحررًا حقيقيًّا للفرد والمجتمعات.

وينبغي أن يكرس التعاون لحل مشكلات وأزمات البشرية المتراكمة والمعقدة؛ الأزمة الأخلاقية.. تميع وسيولة قيم “الحداثة وما بعد الحداثة”، ونزع القداسة عن العالم، وإخضاع كل الأفكار والآراء والمعتقدات والقيم للتساؤل والشك، وافتقاد اليقين في كل شيء، فليس ثمة ما يمكن الحكم عليه بالصواب والخطأ، في حين أن المرجعية الإلهية للقيم والأخلاق والعدالة الضابطة لشتى مناحي الحياة العامة والخاصة، وتقدير كل ما هو بشري مرن مشاهد اجتهادي مناطه العقل والعلم محاطًا بسياج من: التقوى، من ثوابت الخطاب الإسلامي، وبهذا الخطاب الوسطي الإسلامية يكسب إنسان “ما بعد الحداثة” أنموذجًا للقيم السامية والثابتة والشاملة والواضحة والواقعية والمنفتحة.

كما أنه خطاب يعالج العنصرية، والاستعباد، والاستكبار، وتدنى الحقوق الإنسانية والحريات الحقيقية، مؤكدا اعترافه بالتعددية الثقافية والعقدية والإثنية، واختلاف الأجناس والألوان واللغات، فأصل البشر واحد ثم تفرق شعوبا وقبائل.. ليس للتخاصم والتصارع والتناحر، بل للتعارف، فالتنوع يدعو إلى التعاون والتكامل، وهما أعمال كسبية (وليست وراثية / عنصرية) يتسابق فيهما الناس جميعًا، والتصالح على العرف الحسن والمعرفة الرشيدة دونما اعتداء أو تعدٍ أو إكراه.. فخطاب الإسلام يعلو على كل مذهب يطل برأسه طالباً الزعامة في الأرض، وهو يجلو عن الإنسانية ما تراكم من صدأ المذاهب، وترهات العنصريين.

المبادرة بتقديم خطاب دقيق يعالج اقتصاد “ما بعد الحداثة اللاإنساني” والرأسمالية الجشعة، ومشكلة الجوع، وتزايد معدلات الفقر والديون، وانتشار أسلحة الدمار الشامل والحروب، والجريمة المنظمة، بربطة بالأخلاق والقيم.. الرحمة والتراحم والتكافل والتعاون، فشريعة الإسلام ووسطيته تُعظم قيمة العمل وتنهى عن القعود عنه، كما وتنهى عن الاحتكار والاستغلال والجشع والغش، تأمر بطرق كسب وإنفاق مشروعين، وتنمى الوازع الأخلاقي فيهما، على مستوى الفرد والمجتمع والدول. وفقه الإسلام يعارض جمع الثروات في أيد معدودة، والأرض لمن يحييها محاربة للإقطاع والاستغلال، والـ”بنوك بلا فوائد”، مما يجعل رؤوس الأموال تنهض في الاستثمار وإيجاد فرص العمل. إن مبدأ “إنفاق العفو” من كل شيء كفيل بإحداث توازن بين الأغنياء والفقراء: “من كان معه فضل ظهر فليعـُد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له”، فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل (رواه مسلم في صحيحه).

ولعل خطاب (الأخر) الذي يعاني من تآكل دور الأسرة، ومحاولات الإجهاز عليها (تحت شعار القضاء على كل أشكال التمييز بين الرجل والمرأة)، وقصر مفهوم العلاقة بين الرجل والمرأة على تحقيق اللذة أيا ما كانت، مع تقنين الإجهاض، فظهر مصطلح “الجندر”، وكُرست أنماط “غير تقليدية” من المعاشرة الجنسية يعيد الاعتبار للأسرة “الرابطة المقدسة” وأهدافها من تحقيق التوازن العاطفي والنفسي والجسدي والتناسلي، ودورها التربوي والاجتماعي والإنساني.

وإذا كانت قوي الاستكبار والفساد تجند إمكانات هائلة من طائرات ومشافي وأطباء، ومدارس وجامعات، وإذاعات وإعلاميين وأنثروبولوجيين للتعرف على الملل والنحل والمذاهب والأعراق في شتي البقاع للتمكن من السيطرة والهيمنة والتبشير وصنع الزعامات والحركات لاستغلال الثروات كيفما تشاء، أفلا يكون للوقف الإسلامي وللعمل الدعوي الرسمي والشعبي والفردي- والذي لا يسعى للسيطرة والاستغلال والهيمنة-قصب السبق في هذه المجالات وغيرها إعانة وهداية للبشرية.

إن وسائل الأعلام من أهم قنوات التواصل والتأثير ورسم الصور والاتجاهات، وصناعة العقول وصياغة الاهتمامات، وتشكيل الرأي العام، ولقد ساهم الأعلام العالمي -والذي يقع في أيدي من لا يحمل تعاطفا مع الإسلام والمسلمين- في تشويه صورة المسلم ودعوة الإسلام، والتركيز على صور نماذج مشوهة لخدمة أغراضه وأهدافه، فعجزنا ليس فقط في عدم القدرة على نشر الدعوة وإيصالها للناس، بل عن حماية صورتنا الإسلامية الصحيحة من التشويه والنمطية، لذا فمن الضرورة بمكان إنشاء وكالات أنباء، وقنوات فضائية، ومواقع معلوماتية، وإذاعات وصحف ومطبوعات ودوريات بمختلف اللغات واللهجات.

ينبغي نشر الخطاب الفكري الذي يضع عن الإنسانية إصرها وأغلال المخدرات، والقمار والرقيق الأبيض، وانتشار الأمراض المعدية وغير المعدية، وأزمة البيئة وتلوثها، ومشكلات العلم والفن، لتكتسب البشرية هدايتها للحق والمعروف كل حق وكل معروف، ونهيها عن المنكر كل منكر، وتمتعها بالطيبات كل الطيبات، واجتنابها الخبائث كل الخبائث. وبات من المعلوم إن الاحتكاك المباشر بـالآخر له عظيم الأثر، لذا فالجاليات المسلمة بالخارج والبعثات العلمية والتعليمية والتجارية لها دور كبير، وعليها عبء ثقيل في التعريف بهذا الدين، وإعطاء القدوة، وتغيير الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين.

ويجب عقد مؤتمرات وندوات توضح سماحة ووسطية الخطاب الإسلامي، وأثر الحضارة الإسلامية في الحضارة الإنسانية، وإشعاعها علي الغرب، ومدي استعدادها للاضطلاع بدورها في حل مشكلات البشرية.

قيام السفارات وملاحقها الثقافية بدورها الفاعل والنشط، وإعطاء القدوة لهذا الدين ولا يقتصر دورها على حفلات الاستقبال وبعض المساعدات للمبتعثين في الخارج. وجملة القول: في ظل الحملات المتواصلة، قديمها وجديدها، نحن بحاجة ماسة لنهوض المسلمين بمسئوليتهم الدعوية والحضارية، متجاوزين المواقع الدفاعية، وردود الأفعال الشعبية، إلى المبادرة والأفعال الإيجابية، وتقديم الأنموذج السامي والواقعي والوسطى والمنفتح والثابت الذي يضع الإجابات المقنعة، والحلول الشاملة لأزمات البشرية المعقدة، وليهديها سُبلها، ويعيد إليها توازنها، وينقذها من الهاوية.