الحوار والتكوثر في حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم

الحوار كلمة قرآنية مباركة وردت مشتقاتها 13 مرة في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾(الكهف:37)، ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾(المجادلة:1).
والصحابة درجوا على محاورة الرسول صلى الله عليه وسلم في قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية وطبيعية وتاريخية وعقائدية، كما ورد أنه لما جاء نعي النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صلوا عليه”، قالوا: يارسول الله نصلي على عبد حبشي؟ فأنزل الله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾(آل عمران:199) (رواه النسائي).
كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه بالحوار المتصل، والحوارُ ينشط العقل ويحرك الذهن ويحفز القابلية للتعلم ومتابعة الترقيات الروحية والفكرية. والعقلُ المحاور نقيض العقل المتعصب؛ فالعقل المحاور يترقي بصاحبه إلى أفق العلماء، بينما العقل المتعصب ينفي صاحبه عن زمرة العلماء.
وبما أنّ الرسول الكريم المثال في سماحة العقل المحاور والذهن المتوقد إلى درجة التكوثر، ومع أن التكوثر من مشتقات الكثرة، إلا أن الرسول الكريم اختص بالكوثر ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾(الكوثر:1). والكوثر هو الخير المتصل الكثير، وينبوعه العقل المتكوثر العارف بالله وفي خط نقيض عقل التكاثر ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾(التكاثر:1)، وعقل التكاثر يقوم على التسابق في تكثير الأموال والتباهي بمتاع الدنيا، فكل تكوثر تكاثر في طاعة الله وحبه ومعرفته، ولكن ليس كل تكاثر تكوثرا، لأن مطلق التكاثر قد يكون متابعة حظوظ الدنيا، فسورة التكاثر موازية في الاتجاه والهدف لسورة الكوثر. فالعقل المتكوثر يدفع صاحبه في اتجاه الصلاة والطاعة والفداء، بينما عقل التكاثر يتجه بصاحبه إلى الاستعلاء والمباهاة وخاتمته الغرور وسوء الخاتمة.

نماذج من حواراته صلى الله عليه وسلم

كانت حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم سلسلة من الحوار المتصل، مع ذاته ونفسه في غار حراء، ومع الملك جبريل عليه السلام بعد ذلك، ومع الملإ الأعلى، ومع زوجاته وبناته ومع أصحابه ومع المجتمع المعاكس وما به من أهل كتاب (يهود ونصارى) ومنافقين ومشركين ومع الحكام وقادة الجيوش.
واشتهرت مواقف حوارية بعينها من حوارات الرسول المتصلة، ومنها ما كان في بدء الدعوة، مرحلة الصدوع والجلوة بعد الخلوة والكتمان، مرحلة سعي المجتمع المعاكس في مكة لإجهاض مشروع الدعوة، عن طريق صفقة مع الداعية، لأن العقل المكي الجاهلي المتكاثر، كان أسلوبُ حياته يقوم على التجارة والصفقات والمبادلات وتقديم التنازلات في إطار العقل التكاثري. ولكن العقل التكاثري يصدم بالعقل التكوثري في حوار ما يزال يشكل العقل المسلم، ويعيد تشكيله ليتعلم أصول الحوار وما ينبغي أن يكون خاضعا للتفاوض والنقاش والتنازلات وما لا ينبغي أن يصبح عرضة للمتغيرات والمساومات والتنازلات. ولعل هذا الحوار وقع في السنة الخامسة للبعثة النبوية، حينما اكتشف المجتمع الجاهلي أنه أصبح حاملا بمشروع جديد، وأن الرحم المكي بدأ يتسع لهذا المشروع، ولذلك اجتهدوا في سبل إجهاض الحمل ووأد المشروع، بصرف صاحب المشروع عن مشروعه وجره عن طريق اللجاج والمحاجة ليصبح شريكا في إجهاض المشروع، حيث اجتمع عليه من أشراف قريش، وجلس إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك. لقد شتمت الآباء وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك. فإن كنت إنما جئت تطلب الشرف فينا سوّدناك علينا وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا (أي جانا) تراه قد غلب عليك، بذلنا أموالنا في طلب الطب، حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.
وكان هذا الكلام كافيا لأن يخرجه صلى الله عليه وسلم من طوره، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم -الذي فطر على السماحة وقبول الآخر والصبر على الآخر، حتى يكسبه ولو بعد حين- أجاب: “ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، والشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم”.
وتوالت المحاولات والوساطات، والضغوط حتى استعانوا عليه بعمه أبي طالب حاميه وناصره، فقال قولته المشهورة: “يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته”. ومع أنه لم يهجهم أو يتهجم عليهم أو يرمهم بما رموا به، وإنما لزم أدب الحوار من جانبه، ولكن مع ذلك لم يقدم أي تنازل في أمر الدعوة، واتسمت لهجته هذه المرة بالصرامة، لأنهم أرادوا الضغط لا الحوار، بإدخال عمه وجعله أداة ضغط، واستخدام الوسائل العاطفية والنفسية، فأراد أن يدفعهم عن ذلك، كما أراد أن يوجه رسالة قوية لعمه والمجتمع الجاهلي أن لا يخلطوا الأمور حتى لا يختلط الأمر وتضيع الحقيقة حينما يصبح الحوار مطية للابتزاز وممارسة الضغوط، حتى طار صواب أشراف قريش، بينما ظل هو مستجمعا لكيانه وقدراته، قادرا على إلحاق الهزيمة بهم. وأصعبُ الهزائم الهزيمة العقلية والفكرية التي أداتها الحجة. فبينما كان يخاطب العقل (أي عقولهم) كانوا هم مشغولين بنتائج عمله على الأرض قائلين: فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب.
والفارق بين منهج الرسول الكريم ومنهج خصومه من أشراف مكة أنهم ينطلقون من مصالح دنيوية وعقائد جاهلية، بينما هو ينطلق من “أدبني ربي فأحسن تأديبي” (رواه العسكري في الأمثال) أو كما ورد في أدب الخطاب في القرآن الكريم: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾(فصلت:34)، استشعار أن الآخر المخاصم هو ولي حميم، لا يكون إلا من صاحب خلق عظيم، وصاحب رسالة ارتكز في عقله ووجدانه أن الدعاء إلى الدين أعظم الطاعات وأجل الواجبات. ولا تستوي الأعمال الحسنة -ومن بينها أدب الحوار- ولا الأعمال القبيحة التي منها التعصب والجهل والغلظة. لذا المطلوب دفع الباطل بالحق، والجهل بالحلم والأساءة بالعفو. لذا من صفات المتدين كظم الغيظ واحتمال المكروه ومد حبال الصبر للآخر المحاور مهما خرج على قواعد الحوار، حيث المتدين لا ينتهي إلى تصفية الحسابات بالثأر أو الإساءة أو تحقيق انتصارات لإشفاء غريزة الغلبة، إذ المتدين ينبغي أن يكون صاحب النصيب الوافر من الرأي والعقل.

منهاج النبـي الحواري

ويمكن استنباط منهج النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في الحوار من مقارنة موقفه الصلب في بداية الدعوة وعدم تقديم تنازلات عقدية مع التزامه بأدب الحوار والصبر والعفو والحلم، بموقفه في غزوه الحديبية بعد مرور أثني عشر عاما على موقفه الحواري مع كفار مكة وأشرافها، حيث أصبح في موضع قوة وأصبح الزعيمَ على المجتمع والأميرَ والوالي، ولم يك في حاجة لتقديم تنازلات، ولكنه قدم تنازلات ليس في صميم الدعوة أو مجمل الإطار الروحي، ولكن في قضايا تتصل بالظروف والأوضاع وشؤون الحرب والسلم وإدارة المنطقة وأداء المناسك. وكان ذلك في غزوة الحديبية في السنة السابعة من الهجرة، حينما قصد أداء العمرة وأصبح هناك توازن عسكري بين دولة المدينة ودولة مكة، وتوترت المفاوضات واكفهر الجو ليصبح جو حرب. وكفار مكة يمنعون النبي من دخول الحرم، والنبي الكريم لا يريد فرض منطق القوة رغم ضغط الصحابة عليه، ويريد الوصول لأهدافه المصيرية والمرحلية بالحوار والحكمة.
وبرزت حكمة الرسول الكريم في توظيفه للأسماء والمعاني كأدعية للحوار والفأل الحسن وكسب القلوب، فحينما بلغه استئذان رجل من قبيلة كنانة كوسيط، استمال الرسول الرجل قائلا لأصحابه: “هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها”، فبعثت له واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. وهكذا يؤسس الرسول الكريم لفتة كسب قلوب الآخرين.
ولكنْ أبرز الكتابُ أو وثيقة العهد مرونة الرسول الكريم واستعداده للتنازلات المرحلية والعرضية، والتي إن بدت كتنازلات إلا أنها في الحقيقة فتحت الآفاق أمام حركة الدعوة الإسلامية المحاصَرة، حيث جلبت الوثيقةُ السلام وأطلقت يد الجماعة المسلمة في حقل الدعوة باستثناء الحقل المكي. كما أن المعاهدة اعترفت لأول مرة بالكيان الجديد ككيان له حق الحياة والعيش المشترك وحرية الدعوة. ولذلك كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مرنا، ورفض أن يكون حرفيا أو أن يلزم خصومه بما يلزم به أصحابه، فلذلك دعا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وقال له: “اكتب بسم الله الرحمن الرحيم”، فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم. وهنا قال المسلمون والله لا نكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “اكتب باسمك اللهم”. والمعنى الجوهري واحد وهو التمجيد لله سبحانه وتعالى والإشهار أن الله شاهد وحاضر في المعاهدة. ولذلك تجاوز الرسول الكريم الاعتبارات الحرفية واللفظية والدلالات الحصرية إلى ما يجمع وبقوة.
ثم جاء التنازل الثاني والذي كان قاسيا على الصف المسلم، حتى رفض تلميذ الرسول وابنه النجيب علي كرم الله وجهه الامتثال، وذلك حينما رفض سهيل جملةَ “هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله” فقال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك ولا قاتلناك، ولكن أكتب محمد بن عبد الله. والرسول المحاور المنطقي مع نفسه وأصحابه وجد أن كلام خصمه عين المنطق، لذلك كان رده سريعا وحاسما قائلا: “إني لرسول الله وإن كذبتموني”، ثم قال لعلي كرم الله وجهه: “أمح رسول الله”، فقال علي: يارسول الله إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك. وهذا غاية الولاء والأدب والحب، بمعنى أن هيبة الرسول الكريم تغلغت ذات عليٍّ وكيانه حتى ما عاد قادرا إلا على الدعاء للرسول والصلاة عليه وأن أعضاءه تتمرد عليه فيما طلب منه، مما دعا الرسول الكريم للتدخل ليأخذ الوثيقة ويمحو المطلوب.
وبذلك وبهذه الثقة والسعة دخلا (أي الرسول الكريم والوسيط سهيل) على القضايا الجوهرية وأهمها:
أولا: اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض… ثانيا: وعلى أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجا أو معتمرا أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله… ثالثا: ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو إلى الشام فهو آمن على دمه وماله وأنّ بيننا عيبة مكفولة وأنه لا إسلال ولا أغلال… رابعا: وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، وأن من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه… خامسا: وأن يعود محمد وأصحابه ليطوفوا في البيت العام المقبل لقيموا به ثلاثا… ثم ختم العهد باستدراك من سهيل أصبح الشرط الأقسى في المعاهد: سادسا: فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ومن جاءنا ممن معك لم نرده.
وكاد هذا الشرط الذي قبِله الرسول أن يوقع فتنة في الصف المسلم، فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما، فقال صلى الله عليه وسلم: “من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فلو علم الله الإسلام من قلبه جعل له مخرجا”.
وكادت أن تقع الفتنة في مراسم التوقيع حينما جاء أبوجندل يرسف في أغلاله، ورمى بنفسه بين أظهر المسلمين. وحاور الرسول أشراف مكة في شأنه وحينما رفض المشركون وكادت أن تقع الحرب وينقض العهد رده إليهم حتى يتم العهد قائلا: “اصبر أبا جندل سيجعل الله لك مخرجا”. وكان المخرج حينما فر من قيده واتجه إلى جهة الساحل وانضم إليه الناقمون والمتمردون وهددوا جبهة قريش، فطالبت قريش النبي صلى الله عليه وسلم أن يضمهم إلى صفه ويعطيهم الأمن والملاذ حتى لا تحاصر قريش وتضيع مصالحها وتجارتها.
بينما كان العقل المتكوثر للرسول الكريم بقدرته على الاستشعار واستكناه المستقبل مرتاحا للحوار وثمرة الحوار مع مشركي مكة المتمثلة في المعاهدة، وأن هذا الحوار بما فيه من ندّية وبما حقق من سلام فتح أبواب التاريخ للحركة الإسلامية، كان بقيةُ الصف المسلم يحس نتيجة للحسابات الوقتية وحسابات الربح والخسارة الآنية أنهم أعطوا الدنية في دينهم ورضوا بالثمن البخس، إلا أنه نزل الوحي منتصرا لحسابات المنطق والعقل المتكوثر على حسابات لذة الانتصار للحظة الحاضرة، وجاء الرد الإلهي حاسما: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾(الفتح:1).
ولقد كان حوار الحديبية وما أفضي إليه من نتائج فتحا بشهادة التاريخ، وفتحا بشهادة وقائع فتح مكة بعد أقل من ثلاث سنوات. وصيحة ذلك اليوم: “من دخل داره فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن”. مثّل حوار الحديبية انتصارا للمصيري والنهائي، على حسابات العقل الجزئي القائم على إشباع غرور الانتصار للحظة العابرة، بدلا من الحسابات القائمة على ترابط القيم والأخلاق والمبادئ التي تشق طريقها حتى في الصخر والصعوبات البالغة، لتحقق الأمن والسلام والحرية للدعوة، في إطار العيش الواحد المشترك بخصوصياته ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾(الكافرون:6). وذهب حوار الحديبية في التاريخ مثلا على سعة العقل المتكوثر واختراقه للحجب وسماحته وعدم ضيقه بالآخر.
ونسأل أين ذهب التكوثر وسط مسلمي اليوم؟ ولماذا بعضهم يضيق بالحوار وقد رضي العقل المتكوثر بالحوار، حتى وإن انتهى به إلى أضيق الطريق، لأن أضيق الطريق سيتسع بالحوار، ويصبح أصل الطريق وكل الطريق.
ومن بركات الحوار مع أهل مكة ومشركيها ابتداء من حوار المقدمات بصموده وقطعياتها: “والله يا عم لو وضعوا الشمس.. إلخ”، وانتهاء بحوار الخواتيم مع ذات النفر من أهل مكة، والذين قبلوا بمحمد القائد والزعيم وأمهلهم بحواره الرائع السمح في الحديبية ليقبلوا بمحمد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، انفتحت أبواب التاريخ أمام الدعوة الإسلامية، فكان عام الوفود. ومثّل عام الوفود تحولا نوعيا في حركة الدعوة الإسلامية، حيث أخذ الخُطاب يأتون طواعية لخطب العروس “الدعوة الإسلامية”، وأصبحت حركة الدعوة الإسلامية تتحرك ذاتيا. كما بدأ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في محاورة رؤساء الحكومات والملوك، حسب رسائله المختصرة التي لها وقعها، والتي مثلت مدرسة في الدبلوماسية، لأنها كانت قوية ومعبرة “أسلِم تسلَم” للطغاة والجبابرة الذين لا يصلح معهم إلا مثل هذا الخطاب الذي لم يألفوه ولم يعرفوه، خصوصا وقد صنفوا أنفسهم آلهة تسجد لهم الخليقة وأصبحوا يستحلون لأنفسهم الحرمات والدماء والأنفس، إلى أن وصلتهم صيغة: “أسلِم تسلَم”. وهي مقدمة لكتاب الإسلام الكبير وما فيه من أركان وواجبات وفرائض وآداب وتحالفات وعهود وحروب وتعايش وتواصل.

مع وفد نجران

ومن ضمن ما وصل إلى المدينة وفد نجران من النصارى الذين وفدوا ليعارضوا ويحاجوا في أمر عيسى بن مريم عليه السلام في السنة العاشرة من الهجرة، وسمح لهم الرسول الكريم بضرب الناقوس والصلاة في المسجد النبوي حسب الرواية “إن نصارى نجران لما وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا يضربون الناقوس وصلّوا، فقال أصحاب رسول الله: يا رسول الله هذا في مسجدك؟ فقال: “دعوهم”، فلما فرغوا دنوا من رسول الله، فقالو: إلى ما تدعو؟ فقال: “إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأن عيسى عبد مخلوق، يأكل ويشرب ويحدث”. قالوا: فمن أبوه؟ فنـزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “قل لهم: ما تقولون في آدم، أكان عبدا مخلوقا يأكل ويشرب ويحدث وينكح؟” فسألهم النبي فقالوا: نعم، قال: “فمن أبوه”. فبهتوا فأنزل الله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾(آل عمران:59).
ولعل وقوع هذا الحوار في السنة العاشرة من الهجرة، جعل الرسول الكريم يصارح النصارى بالرؤية الإسلامية في مسألة المسيح ونفي ألوهيته مع التزام آداب الحوار، علما أنّ فَرَضية ألوهية المسيح لم تغب أصلا عن أجندة الحوار المسيحي إلى يومنا هذا.

بين جعفر والنجاشي

واستمد صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم من فيضه ومدده القدرة على الحوار، كما برز في حوار جعفر بن أبي طالب مع عمرو بن العاص في حضرة النجاشي حيث كان مدخل جعفر لطيفا ولم يبدأ لا بسب عمرو بن العاص ولا بسب عقيدة النصارى، وإنما ركز خطابه على الدفاع عن المسلمين في حضرة النجاشي. وحتى حينما حاول عمرو بن العاص أن يوقع بينهم وبين النجاشي لأنهم لم يسجدوا له كما يفعل الآخرون قال له جعفر وبأدب: “إنك ملك من ملوك الأرض من أهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم”.
وهذه كلمة جامعة، أوفت النجاشي حقه، فاعترفت بقوامته كملك، وأنه بالإضافة إلى ذلك من أهل الكتاب وهو المشترك بينهم، لأنهم كذلك أهل كتاب، وأن مجالسه لا يصلح فيها كثرة الكلام، كناية عن جدية هذه المجالس، وأن بركة الكلام فيها في قلته حتى تتسع للطلب المتسع عليه من الناس. كما لا يصلح فيها الظلم وهي رسالة لطيفة للنجاشي ولعمرو بن العاص بأن المجالس أمانات ولا يصلح فيها إلا العدل، وبذلك نجح في خلق جو حواري أزال منه أسباب العداء وجعله صالحا للحوار الحر.
ثم أردف قائلا: أولا إنهم أحرار لم يريقوا دما، ونجح في تأمين شهادة خصمهم عمرو بن العاص في ذلك. ثانيا لم يأخذوا أموالا بغير حق، فهم ليسوا لصوصا أو قطاع طرق. ثالثا إن خلافهم مع وافد قريش أن قريشا كانت على دين الشيطان، تكفر بالله وتعبد الحجارة، (أي إنهم ليسوا أهل كتاب وأنهم في الخندق المعاكس، لخندق أهل الكتاب الذي يضم النجاشي). رابعا إنهم أصبحوا على دين الإسلام، لأن كتابه مثل كتاب ابن مريم موافق له، وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم.
وحينما حاول عمرو بن العاص محاصرته برؤية الإسلام للمسيح وإيقاع فتنة بينه وبين النجاشي. في ذلك تلا جعفر ما تيسر من سورة مريم على النجاشي، وهذا من الفطنة وحسن الاختيار، إذ فيه تأكيد للمشترك بينهم، وأن المسلمين يُجلّون المسيح ويجلون والدته ويربطون بين السلام والمسيح: ﴿وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾(مريم:33)، مما أقنع النجاشي بأن ما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم إنما يصدر من ذات ناموس موسى وعيسى عليهما السلام. وكان جعفر منتبها إلى أن هدف الحوار ليس تفضيل الإسلام على المسيحية، ولا دعوة النجاشي إلى الإسلام، وإنما إفساد أمر عمرو بن العاص وإفساد خطته للوقيعة بين النجاشي والمسلمين وحماية المسلمين وتقوية تحالفهم مع النجاشي ولكل مقام مقال، وحسب الهدف تتحدد طبيعة الحوار.

بين الطائف وعداس

توافق مع حوار الحبشة حوار آخر جرى في الطائف، وإن كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بقيادة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه عبروا البحر واتخذوا من حبشة (شرق إفريقيا) أرض ملجأ وملاذ، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان على ذات الخطة، يبحث عن الملجأ والملاذ. فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن نالته منه في حياة عمه أبي طالب. فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس عند أهلها النصرة والمنعة. فجلس إلى بعض سادتهم، فدعاهم إلى الله وكلمهم لمِا جاءهم له، من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه.
ولكن لمّا يصلْ حديثه إلى عقولهم، فقام مِن عندهم يائسا من خير فيهم، حيث رفضوا أن يلتزموا بأن يكتموا ما وقع بينه وبينهم، وأغروا به سفاءهم، وكان هنا دعاؤه المشهور والدم يسيل منه والذي ورد فيه: “إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي”، حتى تقاطعت طرفه مع غلام نصراني يقال له عداس، جاءه بقطف من العنب، فلما وضع الرسول صلى الله عليه وسلم يده فيه قال: “بسم الله”، ثم أكل، ثم نظر عداس في وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ومن أهل أي بلاد أنت يا عداس وما دينك؟” قال: نصراني وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قرية الرجل الصالح يونس بن متى”. فقال له عداس: وما يدريك بيونس بن متى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ذلك أخي،كان نبيا وأنا نبي، فأكبّ عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّل رأسه ويديه وقدميه”.
والشاهد استعداد الرسول للحوار، حتى وهو مغلوب على أمره والدم يسيل منه، لا يخرج من طوره ويتخير الألفاظ ويكسب العباد، فإن كان أصحابه في الحبشة كسبوا رئيس النصارى وملك القوم النجاشي، فإنه هنا يكسب عبدا غلاما مغلوبا على أمره بالحوار ويخرج من الطائف وقد كسب صديقا وعضوا للصف المسلم، حينما أبرز له شيئا من علمه وسعته. فالحوار يتصل مع الأشراف والسادة والملوك والعبيد والمهمشين، لأنهم أمام الله سواء، وكذلك هم إخوة في الإنسانية، وكلهم يستحق الخلاص والوصل بالكلمة الطيبة “لا إله إلا الله”.

حواره مع اليهود

وبمثل ما حاور الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم النصارى حاور اليهود، فحينما أتاه أحبار اليهود فقالوا: يا محمد بَلَغنا عنك أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾(الإسراء:85)، أفتعنينا أم قومك؟ فقال: “كُلاًّ قد عنيت”، قالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنّا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هي في علم الله سبحانه قليل، ولقد آتاكم الله تعالى ما إن عملتم به انتفعتم به”. قالوا يا محمد كيف تزعم هذا، أنت تقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾(البقرة:269)، فكيف يجتمع علم قليل وخير كثير؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾(لقمان:27).
وللأسف الشديد، فقد غابت صورة الرسول الكريم المحاور، صورة الرسول ذي الخلق العظيم… صورة الرسول الذي يحتمل الأذى ويصبر على المكروه… صورة الرسول الذي يحب العلم والإحسان وتجويد العمل… غابت عن المجتمع صورة الرسول الكريم الذي يألف ويؤلف… صورة الرسول الذي وضع شرائع قبول الآخر، صورة الرسول الذي مدحه الله سبحانه وتعالى باللطف والتهذيب ونفى عنه نقيض ذلك، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾(آل عمران:159)، أي لو كنت جافا في المعاملة والقول لا شفقة عندك لتفرقوا ونفروا. إذن من أين جاءت الصورة النمطية المصفوفة في بعض الأذهان والتي لا تتفق مع شخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
ولا أدل على غياب صورة الرسول من مجتمعنا. من أن المجتمع لا يكاد يعكس هذه الصورة، ولا يكاد يتأسى بها وإن الأداء بعيد عن الرجاء وبعيد عن القدوة في النظافة والالتزام واللطف والأدب والجدية والقوة والرحمة… ومع انتشار وسائل الاتصال والتواصل والمساجد، فإن الفرصة متاحة لبسط صورة الرسول الرحمة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾(الأنبياء:107).
ــــــــــــــــــــــ
المصادر
(1) أسباب النـزول، للسيوطي، دار الرشيد، دمشق، بيروت.
(2) البداية والنهاية، لابن كثير، ، دار الفكر العربي.
(3) مجمع البيان في تفسير القرآن، للشيخ أبي على الفضل بن الحسن الطبرسي، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران.
(4) الميزان في تفسير القرآن، للسيد محمد حسين الطباطبائي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1342 هـ.
(5) أسباب النـزول، لأبي الحسن النيسابوري، مؤسسة الريان، بيروت، 2005م.