منذ أن وجد الإنسان على وجه الأرض وهو مدفوع بشغفه للاستكشاف من ناحية، ومدفوع بشعوره بالخوف والبحث عن الطمأنينة، فكما أن الإنسان أقام السكن المادي ليحمى جسده، فإنه في نفس الوقت يبحث عن الملاذ لعقله وروحه وذلك من خلال البناء الروحي والقيمي لكون الإنسان كائنًا يعيش بالمعنى. ومن هنا فإن الثقافة والأديان والفنون لم تكن نتاجًا فقط لرغبة الإنسان فى الاستكشاف والمعرفة بل كانت استجابة لخوفه من الوجود في عالم لا يُعرف له معنى ثابت ومستقر. ونشأت السرديات الكبرى والقصص والحكايات التى تحاول منذ مرحلة الطفولة إلى رسم صورة للملاذات الكبرى، والطرق التى يمكن اتباعها للتعامل مع هذا العالم الواسع عبر الأجيال المختلفة.

لقد شهدت قصة الإنسان مؤخرًا منعطفًا جديداً أدى إلى تغير النظرة إلى الملاذات الكبرى التى كان الإنسان يلجأ إليها لحماية عقله وروحه، فقد صارت فضاءات التواصل مفتوحة ولا يمكن إغلاقها مع ثورة الاتصالات ونشأ الارتباك في العلاقات بين مختلف الأطراف ضمن ثنائية (نحن) و (هم).

لقد صارت الذات الحديثة مكشوفة على الآخر، وتقف أمامه باستمرار، هذا المشهد وإن كان رمز الخطر في الملاذات القديمة إلا إنه في ذات الوقت لحظة الأخلاق الأولى، إنه لقاء الضيافة والوجود من أجل العناية بالآخر

فقد شكلت منظومة الروابط المتينة مثل اللغة والهوية والعادات والتقاليد والعرف والعقائد والموروثات وغيرها ملاذات تلجأ إليها الشعوب والمجتمعات والأفراد، لتستمد منها يقينها والاستقرار والاتزان والضبط في مقابل الانحرافات والاهتزازات التى تتعرض لها مسيرتها من حين إلى آخر. لكن هذا التوصيف يصدق على مرحلة ما قبل ثورة الاتصالات، أما أجيال الاتصال الشبكي التى نشأت في فضاء لانهائي من الانفتاح والتحرر، وتلاشي القيود والحدود، فإنها تبحث اليوم عن ملاذات جديدة تناسب الواقع الراهن وتجاريه.

لقد ثارت أسئلة من قبيل كيف يمكن أن نعيش بدون ملاذاتنا السابقة؟ وهل هناك ملاذات جديدة؟ وكيف نتعامل مع الآخر؟ وكلها أسئلة مشروعة في منطقها، وتدعو الإنسان إلى أن يتعلم من جديد كيف يتعايش ويتعامل.

ورغم ضرورة الملاذ لكل إنسان، إلا إنه قد يكون قيدًا على حريته وروحه وعقله، فالسكن حين يفقد فيه المرء حريته يصير سجنًا، أما الملاذ الأصيل فيتاح فيه إمكانية تركه والعودة إليه في أي وقت. وحول ذلك المعنى يقول بول ريكور (لكى تجد نفسك فعليك أولاً أن تفقدها)  فالمغامرة أولاً والاتجاه نحو الآخر والاغتراب عن الأنا ضروري من أجل تحقيق الذات وهذا ما يجعلنا نميز بين نوعين من الملاذات: ملاذات مفتوحة مثل المنزل، وملاذات مغلقة مثل السجون. فالهوية ملاذ لكنها قد تكون سجنًا أو قد تكون منطلقًا للإبداع، فإذا كانت الهوية الثقافية لا تسمح لأبنائها أن يغادروها ولو لفترة قصيرة فإنه تتحول إلى سجن كبير، وكذلك الحال مع اللغة والوطن والتراث، فالهوية المنغلقة تجبر أبنائها على التقوقع والعزلة، في حين تسمح الهوية المنفتحة بالتواصل مع الآخر، وهكذا الحال إما أن تكون الملاذات المعنوية كالهوية والثقافة واللغة سجنًا أو منطلقًا لمعاودة السير والسعي فى ضروب الحياة.

ومن هنا حاول إدجار موران فى كتابه “تربية المستقبل” أن يطرح معانٍ مهمة على الإنسان أن يتنبه إليها ويتعامل معها. فالمهمة الأساسية للتربية اليوم تكمن فى عملية مراجعة وتصحيح واكتشاف الأوهام والأخطاء في الملاذات القديمة، وهناك ضرورة الالتفات إلى ما يسميه موران بالشرط الإنساني، وإعادة الاعتبار للمشتركات الإنسانية وعلاقتها الوثيقة بالأرض.

لقد كان اللقاء بالآخر مباشرة وبلا حدود وبلا خوف حلم قديم يبدو أقرب للتحقق فى اللحظة الحالية اليوم، فعتبة البيت اليوم قد تغيرت واتسعت لتطوف العالم بلا حدود،

فنحن اليوم نقف أمام مفترق طرق مع الملاذات القديمة القائمة على ثنائيات “نحن” و”هم”. فالهوية الأرضية حسب موران يجب أن تساعدنا على التنبه للمراحل الخطيرة التى وصلنا لها بسبب الحشود المتقابلة، فالقنابل النووية مثلاً جعلتنا أمام الخطر الكبير المحدق والكامن في الطبيعة التدميرية لطبيعة الصراع فى الملاذات القديمة، ووفقًا لموران فإننا لمواجهة اللايقينيات، وتلك المواجهة لا تعنى القضاء على اللايقينيات من خلال يقينيات جديدة، ولكن من خلال التعايش مع اللايقين، وحل الإشكال التاريخي مع الآخر، وهذا ما يطلق عليه موران “فهم الآخر”، ليس بمعنى توافر المعلومات الموضوعية عن ذلك الآخر، ولكن من خلال التواصل الذاتي والمباشر. فالآخر الذى كان يقف ضبابيًا خارج الأسوار في الملاذات القديمة صار اليوم رفيق درب لا بد من الإنصات له.

لقد صارت الذات الحديثة مكشوفة على الآخر، وتقف أمامه باستمرار، هذا المشهد وإن كان رمز الخطر في الملاذات القديمة إلا إنه في ذات الوقت لحظة الأخلاق الأولى، إنه لقاء الضيافة والوجود من أجل العناية بالآخر.

إن التعارف مع الآخر المختلف هو مشروع مفتوح على كل المبادرات والخطوات الإنسانية النبيلة، والتى تتغذى باستمرار مع وجود استعداد نفسي، وأخلاقي واجتماعي عند جميع الأطراف لبناء علاقة تواصل مستديمة تفسح المجال لبناء علاقة سوية وسليمة بين جميع الأطراف ومكونات المجتمع المختلفة.

إن التعايش الاجتماعي في مضمونه وآفاقه ينطوى على دعوة عميقة وجوهرية إلى معرفة الآخر، والتواصل معه من خلال استكشاف وولوج منظوماته، وقراءته كما هو بعيدًا عن الذاتية التى تسقط على الآخر عصبيتها الاجتماعية والفكرية والثقافية، وهذا يقتضى الحوار المتواصل والمستديم بين جميع الأطراف، حتى تتسنى للجميع المعرفة المتبادلة واكتشاف الآخر بعيدًا عن الأفكار المسبقة، والقناعات الجاهزة.

لقد كان اللقاء بالآخر مباشرة وبلا حدود وبلا خوف حلم قديم يبدو أقرب للتحقق فى اللحظة الحالية اليوم، فعتبة البيت اليوم قد تغيرت واتسعت لتطوف العالم بلا حدود، لكن المهم أن تحمل تلك العتبة باباً مفتوحًا بلا شروط مسبقة، صحيح إن ذلك الباب المفتوح يحمل معه احتمال الخطر، لكنه في نفس الوقت يحمل نسائم الأمل.

المراجع

شايع الوقيان (2019). في ماهية الملاذ، المجلة العربية، العدد (510)، ص ص 6-7.

عبد الله المطيري (2019). السكن الجديد، المجلة العربيةـ، العدد (510)، ص ص 8-9.

مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني (2017). التعايش في المجتمع السعودي، الرياض، مكتبة الملك فهد، ص 32.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.