هناك علاقة وثيقة بين تدين الشعب العربي وقدرته على الإبداع من خلال الأساطير والأمثال والنُكَت، بل إنها كلها تعمل على تحديد التعـريف الفني لمفهوم الثقافة الشعبية، وهي  كما ذهب أكثر العلماء: “التعبيـر المكثف عن طموحات وآلام الناس الذين أسهم وجودهم الاجتماعي في صياغتها ولا يجدون قنوات متاحة ومشروعة للتعبيـر عنها عبر أجهزة المؤسسات الثقـافـية والإعلامية، ومن ثم فهي ثقافة مهجورة أو تكاد، وقد سعى الناس للحفاظ عليها في الصدور والذاكرة”، ولا شك أننا ندين كل مـــن حاول إطلاق الأحكام الجائرة ضد الثقافة الشعبية باعتبارها أمية وجاهلة.

إذا كان الفن الشعبي (الفولكلور) هو التعبير الحقيقي عن النبض الحقيقي لأي شعب، فإن هناك علاقة بين تخلف المجتمع وتخلف الفكر، وذلك من خلال نتائج دراسات تحليلية يصعب تجاهلها قدّمت افتراضات مشروعة عن أسباب التخلف وبالذات العربي منه، ولا شك أن الأمثال الشعبية تلعب دورًا خطيرًا في تشكيل المجتمعات، فهي ثقافة شعبية تشكل عقل وفكر المجتمع أحيانا كثيرة، ليس في مجتمعنا العربي فحسب بل في كل مجتمعات العالم.

إن المثل الشعبي هو تلخيص لتجربة ما مر بها الإنسان عبر حياته، ثم تداولها الناس وعبروا بها عن مواقف مشابهة؛ فسارت بينهم على أنها بمثابة صورة يمكن تكرار حدوثها عبر الأجيال، وتعد النكت والأمثال مِحورًا من محاور التعبير عن رؤية الإنسان للوجود، بما في ذلك تفسيره لمعطيات الكون من حوله، على اعتبار أنها محاولة فكرية لتجريد الواقع إلى مطلق؛ بهدف كشف المضمون من خلال مقولة موجزة ذات صيغة لغوية مجرَّدة، تعتمد على موقف الإنسان من الوجود، وتنطلق من تصوره للحياة ورؤيته للعالم من حوله.

وتصنف النكت إلى عدة تصنيفات، وقد دل تاريخ إبداع النكتة المصرية على تميز خاص. كما أنها تتطور مع تطور الأوضاع السياسية والاجتماعية، والنكتة هي عمل درامي مستقل بذاته له تركيبة أدبية مضغوطة ومكثفة، وهي إفراز ساخر لأزمات الدول والثقافات. فيكفي أن تتعرض بنكتة لأي فئة حتى تنبري هذا الفئة بطريقة قبلية حماسية للدفاع عن نفسها حتى لو لم تكن النكتة تمسهم بشكل مباشر –النكت الهادفة: أي ذات المغزى السياسي أو الاجتماعي أو النقدي.. الخ

تعنى “النكتة” في اللغة العربية “حز الأرض” أو ضربها بعود أو عصا، وإحداث أثر فيها، وهناك طائر كبير يسمى “النكّات ” (بتشديد الكاف)، وهو طويل المنقار والساقين، يعيش في الأميركتين واستراليا وأوروبا، ويفد إلى مصر شتاء طلبًا للدفء، أطلق عليه هذا الاسم لأنه ينكت أي يضرب بمنقاره الطويل في الطين بحثا عن الديدان. والنكتة آتية من الفعل (التنكيت) وهناك كلمة تشبه كلمة “التنكيت ” في المعنى هي كلمة “التبكيت” وهي كما جاء في لسان العرب الضرب بالعصا والسيف واليد ونحوها، وهو أيضًا: التقريع والتوبيخ، فهذا التعريف اللغوي يشير في قوة إلى الطابع النقدي المعنوي “للنكتة”: فهي تكشف العيوب والمثالب، وتهزها وتضربها بالسخرية الشديدة المرة. وهي كالتبكيت تحمل معنى التقريع والتوبيخ، ونذكر في هذا المقام أن عبد الله النديم أصدر مجلة سماها “التنكيت والتبكيت” كانت تهاجم المستعمرين والفاسدين بسخرية وتهكم.

في الإبداع الشعبي المصري، وجد المثل المصري منذ القدم الذي كان تجسيدًا دقيقًا لمواقف المستضعفين من القوى المسيطرة عليهم، ولذا أبدع المصريون أمثالاً لتعميق المعنى والمفهوم فيقولون مثلاُ عند جلب جباية أو ضرائب ظالمة من الناس (إن كان دراعك عسكري اقطعه) و(حاميها حراميها) .

كما أن معظم النكات أو النكت التي أبدعها الشعب المصري في الخمسينات والستينات من القرن العشرين عبّرت عن التسلط والدكتاتورية ورفضهما. ولنضرب أمثلة من نكت الفلاحين المصريين الساخرة ضد العمدة رمز السلطة حتى يومنا هذا الذي يرفض فيه وعي الشعب – رغم أن أكثر من ثلثه أمي – أن ينخدع بمظاهر التدين، خاصة إذا كانت هذه المظاهر مصحوبة بالاستغلال، فأبدع المثل الشهير (يصلي الفرض وينقب “يخرب” الأرض) .

ولعلنا نرى أن بعض الموظفين المنحرفين من أكثر الناس تلاعبا بقيم الدين. وإذا كان الحديث النبوي يقول (لعن الله الراشي والمرتشي) فإن الموظفين ابتدعوا المثل القائل (ارشوا تشفوا) ومن الأمثال الشعبية المهمة التي توفق بين التدين الحقيقي والوعي بالواقع المادي، المثل الشائع (القرش اللي يعوزه البيت يحرم علي الجامع) كما أن ظاهرة المشاجرات بين بعض خطباء المساجد مع بعض المثقفين، بسبب الأخطاء الدينية التي يقع فيها الخطيب، جعلته يقول للمعترضين أنه يؤدي وظيفته (على قد فلوسهم) يقصد المرتب الذي يتقاضاه من وزارة الأوقاف. وهناك المثل القائل (إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع) فهذا المثل يطالب أصحاب الأمر والنهي ومن لهم ولاية على الناس أن يخفوا عليهم وأن تكون أوامرهم في حدود قدرة من يوجه لهم الأمر.

الفكاهة فاكهة

وهناك نوع آخر من النكت يسمى فارْس”farce” ، أو النكتة لذات النكتة، وهي ترمي إلى مجرد الإضحاك، بلا مضمون فلسفي أو سياسي أو اجتماعي، وقد اهتمت بها الصحافة في العصر الحديث وخصصت لها مطبوعات محددة سميت “صحافة النكت”، ويطلق عليها الأستاذ ياسر قطامش الصحف الفكاهية . ونقتبس مما كتب القطوف الآتية

معنى الفكاهة مأخوذ من “الفاكهة” التي يتفكه بها الناس؛ أي يتلذذون بطعمها الجميل، وقد برع المصريون في ذلك براعة شديدة منذ العصر الفرعوني وإلى الآن؛ لتمتعهم بالذكاء وسرعة البديهة، وقد اتخذوا من الفكاهة والسخرية والنكت اللاذعة منفذاً للتفريج عن همومهم؛ خاصة في أوقات المحن وعصور الاستبداد والظروف الحالكة، فالمصري بطبيعته ابن نكتة منذ فجر التاريخ، كما يقول عالم الآثار الكبير سليم حسن، كما أن العربي بصفة عامة يميل للضحك والفكاهة. وقديماً قال الجاحظ “إذا أردت أن تقتل خصمك فاجعله أضحوكة لك وللآخرين”.

في عام 1870، أصدر رفاعة رافع الطهطاوي مجلة “روضة المدارس”، وكانت أدبية علمية لا تخلو من الفنون واللطائف والفكاهة.

وفي عام 1892 أصدر النديم مجلة “الأستاذ”، فكانت صحيفة عملية تهذيبية فكاهية، إلا أن صفحات المجلتين كانت تخلو تماماً من فن الكاريكاتير، وإن كانت المقالات المنشورة حافلة بالسخرية والنقد الكاريكاتيري. ثم ظهرت عدة صحف اهتمت بالفكاهة، مثل: “حمارة منيتي” و”أبو نواس” و”الكرباج” و”العفريت” و”الخلاعة” و”المسامير” و”الظرائف” و”مسامرات النديم” وهاها” وغيرها.. وتطورت الصحافة الفكاهية؛ تطوراً كبيراً في العشرينيات، ثم بلغت ذروتها في الأربعينيات، وكان ذلك من خلال مجموعة من الصحف، منها: “الكشكول” و”خيال الظل” و”الفكاهة” و”ألف صنف” و”الغول” و”الخازوق” و”أبو قردان” و”البغبغان” و”اشمعنى” و”البعكوكة” و”ضحك”.

وعلينا أن نلاحظ أن النكت السياسية تكثر في عهود الظلم والاستبداد. لذا قال أحد علماء الاجتماع أن المصريين ينكتون “للتعويض “، لا ” للتعبير “، أي أنهم يستعينون بالنكت ليضحكوا تعويضًا عن الآلام والمعاناة التى يعيشونها حين يكون الحكم مستبدا، وليس للتعبير عن فرح أو سعادة، إلا أن النكتة من أصدق الأصوات تعبيرًا عن “جُوَّانية” الشعب المكبوت ولكل منها دلالة سياسية، أو اجتماعية .