مرحبًا عزيزي الإنسان.. أنا التمساح؛ من أضخم الزواحف على وجه الأرض، وصاحب أقوى فكٍّ بين الحيوانات. ولكن لا تخف.. ما جئتُ لإيذائك، بل لأحدثك بلطف ولين، وأقص عليك مغامراتي في هذه الحياة، ومن ثم أكشف لك عن الحقائق المخفية في ثنايا جسمي. ثم إني لستُ جائعًا الآن، لذا كن مطمئنًّا، وركّز على ما سأقوله لك فقط.
ننقسم -نحن التماسيح- إلى 23 نوعًا، ونتوزع على ثلاث عائلات (Alligatoridae, Crocodylidae, Gavialidae)، تتميز كل عائلة عن الأخرى بطريقة تماسّ أسنانها عند إطباق فكّيها العلوي والسفلي. لعل شكلي الخارجي يدفعك إلى أن تشبّهني بسحلية ضخمة، أو بديناصور صغير.. لا ضير، ولكن يكفي أن تعرف أن الهيكل التشريحي لجسمي يختلف تمامًا عن أجسام السحالي.
صحيح أن ربنا سبحانه وهبنا -نحن الزواحف- جلودًا جافة قوية وغطاها بخراشيف صنعها من الكراتين، ولكنه -أيضًا- أعطى كل نوع منّا خاصية يمتاز بها عن الآخر.
أجل، نحن التماسيح من أضخم الزواحف الحية. لا يغرنّك شكلي الضخم وأنا أستريح على شاطئ النهر، فحركاتي أكثر انسيابية ومرونة في الماء. سرعتي تصل إلى الكيلومترين في الساعة الواحدة، وبإمكاني أن أزيد على هذه السرعة، أثناء الصيد في المسافات القصيرة. يساعدني في ذلك، ذنَبي بعضلاته القوية، حيث يعمل كالمحرّك أو المروحة الدافعة. ولكن إذا ما خرجتُ من الماء أفقد هذه الانسيابية؛ حينها، أرفع ذنَبي وجسمي عن الأرض، وأبدأ أمشي على الأقدام ببطء ولكن بالقرب من الماء. أفضل المستنقعات والمياه الموحلة إذا أردتُ الانتقال من بحيرة إلى أخرى، لأن ذلك يساعدني على ادخار طاقتي ومنع هدرها.
أعرف أنه ما إن أُذكر أنا التمساح، حتى يتبادر إلى ذهنكم حيوان مخروطي الشكل، له أسنان كبيرة عديدة، فاغر فاه واقف كالتمثال. هذا صحيح؛ لأن الميزة المشتركة بيننا هي الجسم الطويل، والأرجل الأربعة القصيرة، والذنَب الطويل القوي.
أمامياتي تتحلى بخمس أصابع، وأرجلي الخلفية بأربع أصابع ذي أغشية قوية. وأما اللوائح العظميّة السميكة الكائنة تحت الخراشيف، فتقوم بدور الدرع، حيث تكسو جسمي وتحميه من نبال الصيادين ورماحهم.
لا شك أن العيش على اليابسة تارة وفي الماء تارة أخرى، يتطلب خبرة واسعة عميقة. وكذلك لا بد من بنية تشريحية قوية وسلوك فسيولوجي دقيق، للعيش في هاتين البيئتين. ولكي تستوعب هذا الكلام -عزيزي الإنسان- سأذكر لك بعض الخصائص التي تُعينني على البقاء في هذه الحياة.

إحساسي بأصغر ذبذبة

أواصل عملي في الليل أيضًا، لذا فإن جميع حواسّي خُلقتْ حسّاسة للغاية ولا سيما حاسة البصر. لقد زُوِّدت بعض الحراشيف التي تبدو ميتة في جسمي، بِلَواقط حسّاسة للغاية. فمثلاً، لدي لواقطُ لمسٍ مركّبة على جانبَي رأسي؛ قادرة على التقاط أصغر ذبذبة في الماء، وإرسالها إلى دماغي على الفور. ولدي لواقط -أيضًا- على أطراف فمي، تنقل لي المعلومات الدقيقة عن حركات الفريسة كلها. وإذا كنتُ جائعًا فحواسّي تعمل بشكل أدق من حالتها الطبيعية، إذ أستطيع في سواد الليل الكالح أن أحدد -وبكل سهولة- مكان عصفور صغير يتخبط في الماء. ولو أمعنتم النظر في كشّافات الضغط الموزَّعة على وجهي، والتي يبلغ عددها الآلاف، سترون أن كل واحدة منها بمثابة مضخات صغيرة بحجم رأس قلم الحبر. وبواسطة هذه اللواقط أحسّ -وأنا في الماء- بكل حركة تجري حولي وبكل سهولة.
إني أملك القدرة على تمييز الحيوان الجريح بين العديد من الحيوانات، أو تمييز الحيوان الذي يتخبط في المياه العَكِرة والموحلة في ظلام الليل. كما أحسّ من بعيد، بالحيوانات التي تستحمّ على ساحل المستنقع، أو التي تشرب الماء، فأتسلل نحوها مثل قُرْمَة الخشب، مبقيًا رأس أنفي وعينَيّ فقط خارج الماء حتى لا تراني، وعندما أقترب جيدًا من بقر الوحش -على سبيل المثال- أنقض على عنقها بسرعة فأمسك بها وأشدها إلى الماء لتَغرق.

عيوني آية في الإبداع

وُضعت عيوني داخل حفرتين مقاومتين للضربات على جانبَي جمجمتي. فعيوني تظل ثابتة دون حراك داخل هاتين الحفرتين. ولعل السبب هو حِفظها -هي ودماغي- من الأذى حين العضّ الشديد بفكيَّ القويين. فأحمد الله على هذه النعمة التي لا تقدّر بثمن.
حدقة عيوني تكون عمودية في النهار مثل عيون القطط، وفي الليل ترتخي لتصبح كروية تستقبل أشعة الضوء بنسبة أكبر. خلف شبكية عيني، طبقة لامعة سوداء تسمى بـ”البساط الأسود” (Tapetum Nigrum)؛ خُلقتْ هذه الطبقة لتعكس الضوء على عيني وتزيدها لمعانًا، فأتمكن -عندها- من الرؤية في الليل الكالح وبمنتهى البساطة. إن المدبّر الحقيقي والصانع الحكيم، خلق لمعظم الحيوانات جفونًا علويةً وسفليةً تحمي عيونها من المخاطر والمؤثرات الخارجية، ولكن عندما تنغلق هذه الجفون، ينقطع مرور الضوء إلى العين فتنقطع الرؤية. ومن ثم فإذا أغلقنا عيوننا تحت الماء ا نستطيع رؤية الفريسة؛ وأما إذا أبقيناها مفتوحة، فذلك يؤدي إلى انخداشها وتأذّيها حين نكون في صراع مع فريستنا. فمن أجل الحماية، خلق لنا ربنا غشاوة شفافة ثالثة تنغلق من الأمام إلى الخلف، تحمي العين وتساعدنا على الرؤية تحت الماء.

“دموع التماسيح”

تستخدمون -أنتم البشر- مصطلح “دموع التماسيح”، لوصف المخادعين الذين يسيئون من جانب ويصطنعون البكاء من جانب آخر، ولكن هذا مصطلح غير صحيح. فكل ما في الأمر أني عندما أتهيأ للانقضاض على الفريسة، أنتج طاقة هائلة؛ ولأن جلدي متكون من طبقات سميكة وخراشيف صلبة، ولأني لا أملك في جلدي غددًا تفرز العَرَق؛ فإن العرَق الذي أفرزه يخرج من منطقة واحدة وهي عيوني. أو عندما أفتح فكّي الطويل، تضغط مفاصله على الغدة الدمعية بقوة فتتساقط الدموع بكثافة من عيني ويبدو كأني أبكي. كل ذلك يعني أني أفرز الدموع فقط ولا أبكي.

جهاز التنفس وحواسّي الأخرى

لقد وُهبتُ حاسةَ سمعٍ غاية في الدقة. إن قنوات أذني الخارجية، مسدودة بغطاء جلدي يحول دون تسرّب الماء إلى الأذن. أما خياشيمي التي تقع على رأس فكي العلوي، فهي على شكل نصف دائرة مسدودة بغطاء، فعندما أغطس تحت الماء، تنسدّ هذه الخياشيم بإحكام ويُمنَع بذلك نفوذ الماء إلى الداخل. وقد تنسدّ منافذ الماء بانسداد صمام بداخل الفم حتى لا يدخل الماء إلى الرئتين. إذ حينما أكون في الماء لا أستطيع إغلاق فمي جيدًا لعدم وجود شفاه، إنما يوجد بفمي ما يشبه السدادة التي تحول دون دخول الماء إلى حنجرتي. وهذا يمكّنني من البقاء تحت الماء ما يزيد على ساعة بلا تنفس، ونحو عشرين دقيقة حين أكون في صراع عنيف مع فريستي، أحاول إغراقها تحت الماء، دون أن أغرق أنا وأموت.
أجل، إن طريقة التنفس لدي عجيبة للغاية؛ فمن أجل أن تمتلئ الرئتان بالأكسيجين جيدًا، فالعضلات التي تربط أضلاعي، قد اتصلت أيضًا بمنطقة بطني، وبذلك يقوم كبدي بالصعود والهبوط -مثل المكبس- ليساعد الرئة في عملية التنفس.

الصيد وعملية الهضم

عندما أتحفّز للصيد، أختبئ جيدًا، وعلى حين غرة أنقضّ على الفريسة، ولكن إذا أخفقتُ في المحاولة الأولى، فذلك يعني نجاة الفريسة وخلاصها مني؛ لأن نظام الأيض عندي، مبرمج على عدم الاستطاعة على المطاردة لمدة طويلة، ولأن حامض اللبنيك يتراكم بكمية كبيرة في عضلاتي.. وهذا يُجبرني على الاستراحة إلى حين تنقية حامض اللبنيك والأكسجين من دمي. واستراحتي هذه -في حقيقة الأمر- نعمة للمخلوقات كلها؛ إذ لو لم أقف لأستريح، لكنت أشرس الحيوانات على وجه الأرض لا أترك كبيرًا ولا صغيرًا يرتاح من شري. ولا شك أن الحكمة في ذلك، هي المحافظة على التوازن البيئي من جانب، وإعطاء حق العيش للمخلوقات الأخرى من جانب آخر.
أقوم في بعض الأحيان بالاقتراب من ضفة النهر أو المستنقع إذا رأيت حيوانًا هناك، وعلى حين غرة أرفع ذنَبي القوي وأضربه بشدة حتى أسقطه في الماء وأمسك به. وبالتالي أستطيع ابتلاع الفريسة الصغيرة بدفعة واحدة، أما الكبيرة فأستأصل أجزاءها بفكّيّ القويَّين وألتهمها دون مضغ؛ لأن معدتي تقوم بإفراز حمض قوي يهضم حتى الحجر، وشظايا الزجاج، والعظام، والقصدير، وكل شيء.. تمامًا مثلما تحطم الطاحون الدقيق بسهولة. ولأني آكل فرائسي تحت الماء، فلا أحتاج إلى غدد لعابية. ولأن دمي بارد، فإن النشاط الأيضي لجسمي يكون تحت السيطرة تبعًا لدرجة حرارة الهواء؛ إذا انخفضت درجة الحرارة تحت 16 درجة، فتتباطأ عملية الأيض عندي، وتتعطل كل الأعمال التي أقوم بها؛ لأن انخفاض الحرارة يعطِّل الأنزيمات ويجعلها غير قادرة على العمل. ولكن أشعة الشمس تنقذني من هذه الحالة الحرجة؛ حيث يدفأ جسمي ويزداد معدل الأيض عندي من جديد فأستجمع طاقتي التي كنت عليها سابقًا. ولكن إذا كانت معدتي ممتلئة وانخفضت الحرارة فجأة، يؤدي ذلك إلى انخفاض الأيض عندي فتتوقف أنزيماتي الهضمية، ومن ثم يبقى الغذاء في معدتي دون هضم ويتعفن، ثم يَنتج منه سمًّا قاتلاً يؤدي إلى هلاكي. لذا فأنا مضطر إلى متابعة أحوال الجو، فإن شعرتُ بأنه سيبرد، أمنع نفسي من الأكل. وما دامت حرارة جسمي مستقرة على الـ 30 درجة فأنا بخير.
يتحوّل نسبة 60% من الغذاء الذي أتناوله إلى دهون أختزنها في جميع أطراف جسمي ولا سيما في ذنَبي وأرجلي الخلفية.. الأمر الذي يساعدني على مقاومة الجوع، والبقاء على قيد الحياة شهورًا حين انخفاض درجة حرارة الجو التي تسبِّب لي انخفاض الأيض. وأحيانًا أصبر دون طعام لسنتين كاملتين.

استمرار نسلي

إن ذكورنا متعددة الزوجات.. وإننا نعرف بعضنا البعض برائحة خاصة نفرزها. تضع إناثنا 20-50 بيضة في المرة الواحدة، ويصل هذا العدد في بعض أنواعنا إلى 100 بيضة؛ حيث تحفر حفرة على الساحل وتبيض فيها، ثم تغطي البيض بالأعشاب أو الوحل. والملفت للنظر أن هذه الأعشاب تلعب دورًا مهمًّا في الحفاظ على البيض، فتمنعها من الفساد من جانب، ومن جانب آخر تنمّي الجنين داخل البيضة بالحرارة الواصلة من الشمس والدفء الناشئ من اختمار النبات واضمحلالها. تبقى الأم بالقرب من العش حتى يفقس البيض، وعندما يحين آوان الفقس، يُصدر الجنين صوتًا من داخل البيضة، وما إن تسمع الأم هذا الصوت حتى تسرع إلى رفع الأعشاب أو الوحل عنها. والغريب أن هذا الجنين وُهب سنًّا فوق فمه يكسر به قشرة البيضة ويخرج منها، بعد ذلك تقوم الأم بحمل أفراخها داخل فمها إلى الماء.. تقوم إناثنا بهذه العملية كل سنة دون كلل ولا ملل.
لدينا -نحن التماسيح- خاصية أخرى غريبة، وهي أن جنس أفراخنا تحدد وفقًا لدرجة حرارة البيض عند التفريخ إما ذكرورًا وإما إناثًا؛ فإذا تجاوزت درجة حرارة البيضة 34 درجة فهي ذكر، أما إذا كانت 32 درجة فهي 50% ذكر و50% أنثى، أما إذا كانت حرارة البيضة تحت 32 درجة فيعني ذلك أن الفرخ أنثى. لقد خُلقتْ جلود أفراخنا باللون الأصفر والأسود، مما يساعدها على التمويه من أجل البقاء على قيد الحياة. وخلال 7-8 سنوات تكبر هذه الفراخ وتخوض غمار الحياة بمفردها. إننا نحن التماسيح نقضي في هذه الحياة عمرًا يتراوح بين 40-60 سنة.
نعيش نحن التماسيح في المناطق الاستوائية.. أكبرنا حجمًا هو “تمساح النيل”، ويعيش في نطاق واسع من أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يصل طوله إلى 6-7 أمتار، ووزنه إلى 1000 كغ، كما يتمتع بـ 64-68 سنًّا في فكّيه.
يؤسفني القول بأن ألدّ أعدائي أنتم أيها البشر.. إذ يصطادنا بعضكم ليأكل لحومنا، وبعضكم الآخر ليصنع من جلودنا الحقائب والأحذية الجلدية، ليبيعها بثمن باهظ إلى الأغنياء في العالم. لن أسامح هؤلاء أبدًا على فعلتهم هذه.. ولكن موضوعنا ليس هذا الآن.. لذا أكتفي بهذا القدر من الكلام، لأبقي مساحة للصور عني وعن أشقائي الآخرين. أرجو أن أكون قد أفدتك بهذه المعلومات التي لا بد وأن تأخذ كل صاحب عقل إلى عالم التفكر والتأمل في ملكوت السماوات والأرض. أستودعك الله، وإلى اللقاء.

(*) جامعة 9 أيلول / تركيا. الترجمة عن التركية: محمد مراد.

Leave a Reply

Your email address will not be published.