صحيح أن ثمة مجالات في الثقافة العالمية يجد فيها المثقف العربي نفسه مدعوا للتواصل معها عبر لغة ثانية، أو عبر الترجمة. وعلى سبيل المثال يبدو ما يتوفر من أدوات معرفية للإحاطة بالواقع السوسيو-ديني العربي المتفجر وفهمه لا يفي بالحاجة، في ظل ندرة كتب علم الاجتماع الديني وسوسيولوجيا الأديان والأنثروبولوجيا الدينية وعلم النفس الديني وفلسفة الدين. لذلك يكثر التخبط في معالجة الظواهر التي يعيشها العرب اليوم، ولا يسعف المرء في ذلك سوى خطاب متشنّج في واقع مستنفر. لكن هذه الحاجة الماسة ينبغي أن تكون حافزا لما نطلق عليه توطين الترجمة، إذ يصعب إن لم نقل يتعذّر أن تَبْني ثقافة ما تواصلا مع الفكر العالمي من خارج لغتها، ولذلك يبقى توطين إبداعات الفكر العالمي عبر الترجمة عاملا حاسما في التواصل مع ذلك الفكر. ففي بلاد المغرب الكبير ملايين يتكلمون الفرنسية، لكن المفكر محمد أركون العائد عبر لغة الغنيمة، كما سماها كاتب ياسين، لم يقع انتقاده واحتضانه، أو لنقل مناقشته، سوى بعد ترجمته من الفرنسية إلى العربية. وبوجه عام ثمة كتب قيّمة تمور بها الساحة الثقافية العالمية، لن نكتسبها ما لم نعرّبها، ولا يكفي أن نقرأها في لغتها الأصلية إن كنا نروم صناعة تواصل حقيقي مع الإبداعات العالمية.

في خضم هذا المسعى، لا ينبغي الرهان في الترجمة على النص الإيديولوجي، بل التركيز على النص الرصين والمتين والأصيل، لأن النص الإيديولوجي مضلّل وخادع، ومحكوم استهلاكه بظرفية عابرة، وبقدْر ما يغوي الذات يضلّها. وعلى سبيل المثال، من مفارقات القراءة العربية الحديثة لنصّ التلمود أن كان اعتمادها على مؤلَّف لكاتب جرماني المسمى روهلنج، تعود أولى طبعاته إلى العام 1899، وقد عرّب الكتاب يوسف نصر الله، أحد النصارى الشوام، في منتصف القرن الماضي، وجاء بعنوان: “الكنز المرصود في قواعد التلمود“. أتى تأليف الكتاب في حّمى موجة اللاّسامية في أوروبا، التي كان انعكاسها واضحا على بنية المؤلَّف ومضامينه. وشيوع هذا الكتاب في الأوساط العربية، جاء بموجب تداعيات الصراع العربي الإسرائيلي، ما جعل جلّ الكتابات العربية المتحدثّة عن التلمود تعتمد عليه اعتمادا رئيسا. كان الكتاب المذكور مدعاة للضرر بالاستهواد العربي، أي بالدراسة العلمية لليهودية، وقلّة من الدارسين العرب من تفطّنوا إلى أن التلمود هو أرحب مما اختزله فيه صاحب الكنز المرصود. انتظرنا طويلا حتى جاءت ترجمة التلمود من أصوله الآرامية وبأسفاره العشرين (2012)، وذلك بالتعاون بين كوكبة من المترجمين أشرف عليهم الدكتور عامر الحافي، وتولى مركز دراسات الشرق الأوسط في عمّان نشره.

ولكن فعلَ الترجمة يغدو بحقّ تنويريا مرابِطا حين يعضد ذلك المسعى “نقد الترجمة”. ليس النقد المكتفي بمراجعة لغة الترجمات وأساليبها ومناهجها، بل النقد الذي يتوجه إلى مضامين تلك النصوص، وما يمكن أن تسهم به من ترشيد وتنوير وتطوير للذات. صحيح أن الترجمة في الثقافة العربية المعاصرة قد بدأت تشهد بعض التطور والنضج، منذ إنشاء جملة من المؤسسات المتخصصة في الشأن في مصر ولبنان والإمارات العربية، ولكن هذا التحول الواعد ما زالت تعوزه حركة نقد للترجمة، تتابع تلك الإنجازات القيمة، ليس في حدود عرض تلك الأعمال والتعريف بها، بل في إعادة قراءتها وتبين إلى أي حدّ تشكّل تلك الإنجازات مادة إضافية تنويرية في الثقافة العربية، لعل تلك النقطة الجوهرية هي مرحلة متطورة على درب التوطين المنشود للترجمة.

About The Author

Avatar

يعمل أستاذًا في جامعتيْ لاسابيينسا في روما والأورينتالي في نابولي، حيث أشرف على رسائل تخرّج عشرات الطلاب الإيطاليين المتخصصين في شؤون العالم العربي. يشرف على مجموعة من المترجمين لنقل منتخبات من الفكر الإيطالي إلى اللغة العربية. يكتب في المجال الثقافي في الصحافة العربية والإيطالية. أصدر مجموعة من الأبحاث العلمية والترجمات منها: مؤلفات: - الدين في الغرب، الدار العربية للعلوم، بيروت 2018. - رسالة إلى أخي المسيحي، دار نون، عمان/رأس الخيمة 2015. - الأديان الإبراهيمية: قضايا الراهن، دار توبقال، المغرب 2014. - العقل الإسلامي عوائق التحرر وتحديات الانبعاث، دار الطليعة، بيروت 2011. - نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم، دار توبقال، المغرب 2010.

Related Posts