عبر التاريخ البشري كان الصراع تجربة إنسانية ملازمة، اتخذت بين الحوار والتنازع وبين الإعمار والدمار صوَرًا مختلفة. فرغم أن الإنسان في تطور وتغير مستمر من الناحية الفكرية والمعرفية، إلا أن الجانب الثابت فيه هو قدرته على التنازع والتدمير. وهذه خاصية في الإنسان، فرغم مخاطرها الظاهرية يبدو أن ثمة حكمة إلهية جليلة تكمن فيها. إذ إن القرآن بيّن لنا أن النفس الإنسانية مفطورة على الفُجُور والتقوى، وهي السمة التي لولاها لصار الإنسان ملكًا كريمًا، ولكن جعل الله تعالى مهمة تكييف تلك النفس وتهذيبها للإنسان لتتخذ موقعها بإرادته لا بالجبر والإكراه، إذ قال تعالى: -عز وجل-: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)(البقرة:251)، وقوله تعالى -عز وجل-: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا)(الحج:40).

وهذه المجاهدة التهذيبية التنظيمية المستمرة، هي التي تعكس رسالة الإنسان في الحياة، وتبيّن طبيعة الصراع الإنساني في أصوله التي بها تتحرك عجلة التاريخ وبها تقوم الحضارة والعمران. فكيف يكون الحال إذا رغب كل إنسان عن أسباب التنازع في الحياة، معرضًا عن التنافس في متاعها والسعي لتعمير الأرض فيها كالرهبان في الأديرة؟ هذه الخلفية للتدافع والتنازع هي التي دفعت بعض الباحثين إلى الميل نحو إثبات وظائف إيجابية للتدافع في إطار المجتمع البشري. من أهمها أنه يدفع المجتمعات والدول إلى إعادة تقييم رسالتها وأهدافها، ومنها أنه يدفع إلى التغيير الاجتماعي من أجل إزالة الظلم وتحقيق العدل والسلم.

في إطار تنظيم الوجود الاجتماعي للإنسان وتحديد معالم لمجتمع الاستخلاف، بيّن القرآن الكريم بعبارات واضحة وبشكل دقيق، صورَ التفاعل الاجتماعي في المجتمع البشري في سائر أوضاعه وفي جميع مستوياته المحلي والدولي. فالقرآن يستخدم مصطلح “التنازع” للتعبير عن التفاعل الاجتماعي بين البشر في صورة صراع مادي، وهو الأمر الذي لا يجوز حدوثه بين من تربطهم عروة الإيمان، أو أبناء الوطن والإقليم الواحد نظرًا لمآلاته الخطيرة، قال تعالى -عز وجل-: (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)(الأنفال:46). فالتنازع وفق المنطوق القرآني ليس قرينًا للضعف والفشل فحسب، وإنما يؤدي إلى فقدان الهوية وضياع الكيان الذاتي للجماعة، وفي هذا يستخدم القرآن مصطلحًا جامعًا لكل صور التفاعل الاجتماعي، وهو لفظ “التدافع” الذي يعبّر عن المشيئة الإلهية وسنته العامة في المجتمع، والتي بها تتحرك عجلة التاريخ وتتحقق حركة الأمم الحضارية نهوضًا: -عز وجل-: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ). غاية التدافع إذن في نظر القرآن، هي صلاح الأرض، ليس بإظهار الحق ودحض الباطل فحسب، وإنما أيضًا بالسعي فيها بالتعمير واستخراج كنوزها وخيراتها، فهو ابتلاء الإنسان لأن يتدافع على مستوى التفاعل الثقافي والاجتماعي بكل صوره. ومن هنا نفهم المنهج الفريد للقرآن الكريم في تنظيم التدافع في المجتمع البشري؛ وذلك بتقرير المساواة والتكافؤ بين الجنس البشري في الإنسانية، وباستيفاء الحاجات الضرورية للإنسان بصورة مرضية. فهو يتدرج في هذه المسألة فيضع مبدأ الإيثار والتطوع في قاعدة التفاعل الاجتماعي، ثم يزيل الأحقاد وأسباب التباغض والحقد الطبقي بالتوزيع العادل للثروة وجعل جزء من مال الأغنياء حق واجب للفقراء لا منة فيه ولا صدقة، ثم إحاطة كل ذلك بضمان حفظ الحاجات الضرورية؛ النفس والدين والعقل والمال والنسب، ورعاية الأمور الحاجية وجعل عنصر “الرضا” هو أساس التعامل في المعاملات والتفاعل الاجتماعي. أما الأمور التحسينية فمباحة وهي مجال للتنافس المطلوب بين سائر الناس.

واليوم تشهد مجتمعاتنا بأطيافها وأحزابها ومذاهبها، تجاذب اتجاهين متناقضين في الرؤية الاستشرافية المستقبلية لآفاق الحضارة والإنسان محور الكون.

الاتجاه الأول: يقوم على أساس الصراع وحتمية الصدام والتناحر بين مكونات المجتمع الداخلي، ويتعداه إلى المجتمع الخارجي في رفض الحوار بين الحضارات وأتباع الأديان والمذاهب والطوائف والأجناس، وتغييب منهج الإيمان بمبدأ التعايش، واحترام التعددية، والاختلاف بين الشعوب والأجناس والأعراق والثقافات والعادات. وهذا الطرح يزكيه ويلتحم حول مضامينه، اتجاه يحمل الفكر الصراعي القائم على الانفعال والانفعال المضاد، التعصب والتعصب المضاد، السب والسب المضاد، فيتميز المشهد بتناقضات تنوع مجتمعي قائم على تلون النزاع بتلون الانتماءات الدينية والاتجاهات السياسية والمذهبية والطائفية، ويعم الخلاف محل الاختلاف، والتصادم محل التدافع والتنافس، والإقصاء محل الاستخلاف لعمارة المجتمعات بالتنمية المعرفية والفكرية والاقتصادية والثقافية التي تستحق في ساحة المنافسات الحضارية العالمية.

الاتجاه الثاني: يؤسس مقولته على مفهوم التكامل والتعايش والتقريب، وجعل المبادئ والقيم الدينية المشتركة بين الشعوب والأمم أساسًا للتقارب والتعارف الإنساني. وهذا الاتجاه يتبناه المصلحون والحكماء، والمؤمنون بالعدالة من كل الاتجاهات المذهبية والفكرية والسياسية، ويتفقون على ضرورة الحفاظ على النتاج الحضاري الإنساني المكتسب تاريخيًّا، مؤكدين على أن دائرة الخلاف بين أهل الدين الواحد والمجتمع الواحد ليست ثراءً وتنوعًا في ظل غياب حرية التنوع، وآليات الحوار السلمي المجتمعي، والجدل المعرفي والاستدلالي، ولن تكون ثراءً وتنوعًا وتدافعًا، إن هي تحولت للعدوان والمصادرة والإلغاء وترويع سلامة الآمنيين.

لا سيما وإن الإسلام رفض مقولة الصراع المسوقة عالميًّا، سبيلاً لحل التناقضات والخلافات التي تحدث بين فرقاء التعددية، وذلك لأن غاية الصراع ومآله إلى نفي وإلغاء الآخر، وبالتالي نفي وإلغاء التعددية واحترام الخصوصيات الثقافية للأمم ككل. وفي ذلك إلغاء لمفهوم التدافع والجدال بالتي هي أحسن، الذي ذكره المولى تعالى في كتابه الحكيم: -عز وجل-: (وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)(فصلت:34). والتدافع الذي يأمر به القرآن لا يلغي المختلف أو الآخر وإنما يسعى إلى ترشيده من موقع الخطأ إلى صوابية التوجه والسداد في تحقيق النجاح الدنيوي والأخروي.

وبالإضافة إلى التدافع، ركز الإسلام على مفهوم التنافس فقال: -عز وجل-: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)(المطففين:26)، وحث على الإقبال بالمسارعة والتسابق إلى الخيرات: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)(آل عمران:133)، (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(البقرة:148).

ومفاهيم التدافع والتنافس والتسابق والمسارعة تبني المجتمعات ولا تهدمها، تحفز على المشاركة الحضارية العالمية والإنسانية ولا تلغيها، تجمع بين أفراد الأمة ولا تفرقهم، توحدهم ولا تشتتهم، ذلك لأنها تعتمد على أسس منهجية تنبني على تنوع وتعدد المشاريع والأعمال والأفكار ضمن دائرة الدين والمجتمع والحضارة. فالتطلعات والأهداف مهما كانت مبرمجة في عقل الإنسان، فإنه لا يستطيع إنجازها بمفرده دون تكامل وتنافس وتدافع وتعاون مع الآخرين. فلِم يغيب هذا المنهج الراقي في التدافع الإنساني عن مشاريع الإنجازات أيًّا كانت وفي كل المجالات؟ ولِم يغيب التدافع في دعم الجمعيات الخيرية والإنسانية بعضها لبعض؟ لِم لا يحضر هذا المنهج التدافعي في المعارضة السياسية فيحل محل النزاع، وتبنى نهضة مجتمعاتنا برُقي الإبداع التنويري مع اختلاف أساليب الأداء السياسي وتنوع البرامج؟ لِم لا يؤخذ بمنهج التدافع في البحث العلمي والمعرفي الجماعي؟ فيستبدل النزاع الفردي الأنوي على المشاريع، إلى كتلة وحزمة معرفية من العقول، تخدم مشاريع الأوطان لهندسة مشاريع تنمية حقيقية لمجتمعاتنا… لِم تتصارع المذاهب وتتنازع الطوائف والأديان مع تغييب -في لحظة الـ”أنا”- منهج الرحمة العالمية الإنسانية، فتصل إلى منحدرات درجة أمر الأتباع بقتل وذبح وحرق المختلفين أحياءً؟

وقد ننتقل من هذا الطرح العام الذي يحتل المشهد السياسي العالمي في النزاع، إلى تبني طرح راقٍ واقعي عشناه بكل فخر في مسار تاريخنا الإسلامي المشترك، وهو يفند تطبيقات عملية وواقعية لمفاهيم التدافع والمسارعة والمنافسة في إطار المقومات الدينية والثقافية الواحدة، التي حافظت -ولا زالت- على وحدة مجتمعاتنا ضد مخاطر التجزئة والفرقة والتفتيت. فالفِرق الإسلامية منتشرة في كل مكان سُنّة وشيعة وإباضية ودرزية، بل وأحمدية في أفريقيا وبهائية في الغرب، وإمامية وإسماعيلية في آسيا وفي الغرب. والمذاهب الفقهية واحدة منتشرة في كل ربوع الأمة المالكية في المغرب العربي، والشافعية في مصر، والحنفية في العراق والشام وتركيا وأواسط آسيا، والحنبلية في شبه الجزيرة العربية في الصيغة الوهابية، وفي السودان مع المهدية. وحكماء الإسلام عرب وعجم؛ الكندي عربي، والفارابي تركي، وابن سينا والرازي من فارس؛ “لو كان العلم في الثريا لناله رجال من أهل فارس”. والتصوف والطرق الصوفية وحدت الأمة بين مصر والمغرب مثل أبي العباس المرسي والسيد البدوي، وبين مصر والشام مثل عبد الغني النابلسي، وبين تركيا وأواسط آسيا مثل النقشبندي، وبين إيران والغرب في المولوية، وبين السودان وأفريقيا في التيجانية والميرغنية والمهدية. حلقات الذكر منتشرة في كل مكان توحد روح مجتمعاتنا الإسلامية بعد تفتيت أوطانها واحتلال أراضيها وعجز شعوبها. مجتمعات لا زالت حاضرة بعلومها النقلية، ممثلة في القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه، وثقافة دينية عالمية وشعبية في كل مكتبات الأمة ومساجدها وبرامج تعليمها ونشرها وتجديدها. كما هي حاضرة بعلومها العقلية والطبيعية الخالصة، تزخر بها مكتبات العالم الإسلامي وتفخر بفلاسفتها ومفكريها وعلمائها؛ الرازي والخوارزمي وابن حيان من فارس، والحسن بن الهيثم من مصر، والغافقي من الأندلس، وأولوغ بك صاحب المراصد من سمرقند، والطب والصيدلة للرازي وابن سينا وابن رشد وابن البيطار يوحد علم الأمة. وبالتالي فمنهج التدافع ينبغي أن يأخذ مكانه الذي يليق به في تشييد مشاريع بناء نهضة مجتمعاتنا، تدافع قائم على التنافس في الخير والتعاون بالخير والعطاء بالصبر وباحترام وحدة خيمة الأوطان، رحمةً بالإنسان الذي يعمرها، وحماية لأمنه الفكري والروحي والاقتصادي والسياسي. وكلما اشتد التمزق المجتمعي في أوطاننا وعظم علينا داء التفتيت، استدعينا طبيب عقولنا وقلوبنا ليصف لنا دواء علة الفرقة التي تسري في دمائنا.. دواء تركيبته؛ وحدة جنسنا البشري ووحدة عقيدتنا، وثقافتنا وعلومنا وإبداعنا التاريخي المشترك في شتى الميادين.

(*) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل بـ”القنيطرة” / المغرب.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.