من خلال الوقوف على الآيات التي وجهت الإنسان إلى النظر في الكون، نجد أن القرآن جاء بتوجيهات رشيدة وحكيمة، تحث كل إنسان على البحث والتفكر في الطبيعة، لعله يبني على أسسها فكرًا علميًّا يمكّنه من حسن استثمار ما سخره الله تعالى له، وفق تدبير متوازن مع محيطه البيئي.
فلما كان العلم في الإسلام يقتضي الإحاطة بالدوائر المعرفية الثلاث التي هي الواقع والعقل والوحي، وكان الواقع -في جزئه الأكبر- تشكله الطبيعة المحيطة بالإنسان، جاء الخطاب القرآني مشتملاً على توجيهات تهدف إلى بناء مفاهيم الإنسان على أسس فكر بيئي يشمل مجمل الإدراك العلمي للجوانب الطبيعية وغير الطبيعية المحيطة به، والتي تؤثر في حياته -بشكل مباشر أو غير مباشر- حتى يكون مسلكه حضاريًّا منطلقًا من العلم بالبيئة إلى العمل بمقتضياتها، ومن الاستغلال المصلحي لطبيعتها إلى الاستثمار الرشيد لمواردها، ومن التصرف الحيادي إزاءها إلى الالتزام بمسؤولية الدفاع عنها. من أجل ذلك نجد الخطاب القرآني يبني الوعي البيئي على هذه الأسس الثلاثة:

البيئة هي مجموع العناصر الطبيعية التي تحيط بالإنسان، وتساهم -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- بمدّه بمتطلبات حياته.

1- الطبيعة باعتبارها الواقع المحسوس الذي عليه يقوم البناء المفاهيمي لنسق الفكر البيئي.
2- العقل باعتباره أداة الفكر المؤسس للنماذج التفسيرية لهذا البناء المفاهيمي.
3- الوحي باعتباره مصدر الحقيقة المطلقة التي إليها تؤول كل نُسق هذا البناء.
فإذا بُني الوعي البيئي على هذه الأسس الثلاثة بناءً متوازنًا يضمن التفاعل والانسجام بين معطيات دوائرها المعرفية، وصل إلى تحقيق المراد، وإلا فسيختل توازنه ولا يستقيم البناء.

الإنسان وعلاقته بالبيئة

البيئة هي مجموع العناصر الطبيعية التي تحيط بالإنسان، وتساهم -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- بمدّه بمتطلبات حياته. فهي -إذن- الإطار الطبيعي الذي يعيش فيه الإنسان، والمحدد بمكوناته الجمادية وكائناته الحية، وما يسوده من مظاهر التضاريس والمناخ والموقع الجغرافي، وما إلى ذلك من علاقات متبادلة بين هذه العناصر. وقد تكون البيئة طبيعية أو مشيدة، وكلها مجالات حيوية دائمة التفاعل تؤثر وتتأثر، والإنسان واحد من مكوناتها. ومن أهم سِمات البيئة، أنها متغيرة بفعل الزمان وفق سنة التطور التي أقرَّها الخالق في خلقه، أي أنها متطورة.
أما مكونات البيئة، فمنها الجمادية كالهواء -وهو الذي يملأ الغلاف الجوي بنسبة 78% من النيتروجين و21% من الأوكسجين و0.04% من ثاني أكسيد الكربون والماء الذي يوجد إما في شكل مياه سطحية من سيولٍ ووديان وأنهار وبحيرات وبحار مالحة، أو في شكل مياه باطنية مخزنة تحت سطح الأرض، وكلها من أصل التساقطات المطرية. ثم التربة وهي فراش الأرض المكون من الحصى أو الرمل أو الطين أو غيره من أنواع الصخر الناتجة عن عمليات معقدة للتعرية والنقل والترسب استغرقت زمنًا طويلاً.. ومنها الحياتية كالنبات وهو مجموع الكائنات الحية ذاتية التغذية، المنتجة للطاقة بفعل عملية البناء الضوئي عن طريق امتصاص الماء والأملاح المعدنية بالجذور، واستقطاب الضوء وثاني أكسيد الكربون بالأوراق. والحيوان وهو مجموع الكائنات الحية غير ذاتية التغذية التي تعتمد في إنتاج طاقتها على المادة العضوية للنبات، أو على مادة حيوانات أخرى عاشبة، وأخيرًا الإنسان وهو المكوِّن السادس للبيئة.
وكلٌّ من هذه المكونات لا يمكن له أن يوجد إلا إذا وُجد الذي قبله، كما نجده مرتبًا في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ)(السجدة:27)؛ حيث ذُكرت كل المكونات إلا الهواء باعتباره أول مكون، لأنه الأصل في تكوين ذرات الهيدروجين والأكسجين، التي تشكل الماء. وكذلك لأنه بتياراته المشكّلة للرياح تساق السحب التي تمطر الماء كما جاء في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ)(الأعراف:57).
وعليه فالبيئة مجال حيوي مفتوح على مكوناته مغلوق على نفسه، تتحكم فيه مختلف المكونات المذكورة. والتوازن البيئي هو نتاج التفاعلات الحاصلة بين مختلف هذه المكونات، سواء الجمادية فيما بينها، أو الحياتية فيما بينها، أو الجمادية مع الحياتية. وهي التفاعلات التي نجدها أحكِمت في الطبيعة بدقة فائقة ووفق نظام بالغ التعقيد، إذا امتدت إليه يد الإنسان بغير علم، اختلت موازينه.

البيئة وعاء الإنسان، ومن ثم فهي مؤثرة فيه وهو مؤثر فيها. والإنسان مؤلَّف من مكونات هذه البيئة، ويستمد كل حاجاته منها.

الإنسان مرآة لبيئته

البيئة وعاء الإنسان، ومن ثم فهي مؤثرة فيه وهو مؤثر فيها. والإنسان مؤلَّف من مكونات هذه البيئة، ويستمد كل حاجاته منها. وبالتالي فكل مكونات البيئة نجد لها حضورًا في تركيب الإنسان، مما يجعل الإنسان مرآة لبيئته. ولهذا، لما أراد ابن طفيل -رحمه الله- أن يصور حقيقة البيئة وتجاوبها مع الإنسان، جسّد في قصة “حي بن يقظان” الإنسان مجردًا عن كل الأسباب ما عدا أسباب الطبيعة، ومن ثم خلص إلى تأسيس بناء مفاهيمي قوامه الطبيعة والفكر والحقيقة، وعلى صرحه وضع قوانين المحافظة على البيئة؛ بأن لا يأخذ الإنسان من الطبيعة إلا ما هو أكثر وجودًا وأقواه توليدًا، وأن لا يستأصل أصول الحيوان ولا يُفني بذور الزرع والنبات، وأن لا يستهلك إلا بقدر الحاجة، وما إلى ذلك مما استلهمه من نظرته العقلانية للواقع والحقيقة.
تلك النظرة التي نجد لها أصولاً في الخطاب القرآني الذي حث الإنسان -في أكثر من موضع- على تحاشي التبذير والإسراف، كما نجده منصوصًا عليه في قوله تعالى: (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)(الإسراء:26-27)، وفي قوله تعالى أيضًا: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)(الأعراف:31). إلا أن الإنسان اليوم -من خلال تطوره العلمي وتقدمه التكنولوجي- بَعُد كل البعد عن هذا التصور، وأصبح له تأثير مزعج على تطور البيئة.

كيف غيّر الإنسان بيئته؟

البيئة تتغير بشكل طبيعي على جميع المستويات الزمنية، من سنة لأخرى، ومن قرن لآخر، ومن ألفية لأخرى، وكذا على ملايين السنين.. لكن الإنسان بنشاطاته الصناعية والفلاحية والعمرانية المتزايدة، أصبح مؤثرًا وازنًا على هذا التغيير. فالتقدم الصناعي احتاج إلى قطع كميات هائلة من الأشجار لتوفير الخشب، مما تسبب في تغيير دورة المناخ ومعه دورة التساقطات المطرية. كما أدى اقتلاع الغابات إلى حصول ظاهرة التصحر، بتحول أراضي خصبة إلى صحارى قاحلة نتيجة زحف الرمال.
كذلك تسببت كثرة انبعاث الغازات من المعامل ووسائل النقل البري والجوي والبحري، في انتشار السحاب الضبابي الذي يحبس الأشعة تحت الحمراء المنبعثة من الأرض، ويحول دون خروجها إلى الفضاء الخارجي عن الجو، مما أدى إلى ارتفاع حرارة الأرض المعروف بـ”الاحتباس الحراري” الذي يسبب -حاليًّا- ذوبان الثلوج القطبية للأرض، ورفع المنسوب العالمي للمياه على سطحها، مما ينذر بإغراق العديد من المناطق الساحلية.
فالإنسان بنشاطاته المختلفة (الصناعة، النقل، التدفئة، التدخين) يشحن الجو كل سنة بما يقارب 7 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون، وهذه الكمية نِصفها يُمتص من طرف النبات الأخضر وصخور الكلس وبعض التفاعلات الكيميائية في الجو، والنصف الآخر يتراكم في الغلاف الجوي. ومن أخطر الأدخنة الملوثة للجو، تلك المنبعثة من حرق المواد البلاستيكية، والتي تؤدي إلى الاختناق، وأمراض الربو، وسقوط الأمطار الحمضية، وتأجيج الخرق الحاصل في طبقة الأوزون المسبب لتسرب إشعاعات خطيرة نجمت عنها أشكال مختلفة من الأمراض السرطانية.
كما أن الإنسان يلوث مياه الأرض بشكل كبير، وذلك بفعل النشاط الصناعي المفرط، والتزايد العمراني، وخاصة العشوائي الذي لا يراعي التدبير السليم لشبكات الصرف الصحي؛ حيث إن لترًا واحدًا من ماء الصرف الصحي، يلوث 25 لترًا من الماء الصالح للشرب، وميليلترًا واحدًا منه يحتوي على مليونين إلى ثلاثة ملايين من الجراثيم، التي تظهر بسببها الأمراض المختلفة كالإسهال، والتسممات، والأمراض الطفيلية وغيرها. وكذلك التربة هي أيضًا، مسرح لعمليات واسعة من التلوث البشري، بسبب الإفراط في استعمال الأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية التي تتسرب منها إلى المياه وإلى النبات، فإذا تجاوز التلوث حدًّا معينًا صار فسادًا.

البيئة تتغير بشكل طبيعي على جميع المستويات الزمنية، من سنة لأخرى، ومن قرن لآخر، ومن ألفية لأخرى، وكذا على ملايين السنين..

وكل هذا، سبق في علم الله الذي أشار إليه في قوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(الروم:41)؛ فجاء الخطاب القرآني من أجل ذلك، موجِّهًا الإنسانَ إلى العلم بقواعد بيئته عن طريق فهم نظم الكون. فقد تأكد علميًّا بالتجربة، أن المفتاح الوحيد لنجاح الإنسان في تعامله مع البيئة وتوظيفها لمصلحته، يكمن في التزامه بعدم تغييره لنظُمها؛ لأن هذه النظم جزء من قوانين الكون المتناسقة والمنسجمة التي تضمن توازنه.
فإذا غيّر الإنسان فيها بغير علم، فذلك يعني إحداث الخلل في موازينها. والقرآن ينبه على مغبّة التغيير العبثي لنواميس الطبيعة، ويحذر من عواقبه الوخيمة، حيث يقول ربنا عز وجل: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)(آل عمران:165). كما أن الإنسان لكي يستفيد من الطبيعة في مشاريعه التنموية وإنجازاته الحضارية، يجب عليه أن يعمّق البحث في أسرارها، وأن يعمل على سبر أغوارها والاجتهاد في محاكاة نماذجها، لأنها مرجع تجريبي يجب على الإنسان أن يعتمد عليه في بناء النماذج المعرفية التي تمكنه من تحقيق منجزاته التنموية، وهذا لن يتم إلا بالعلم بالمبادئ الأساسية للبيئة، مع ضرورة العمل بما علِمه الإنسان من مقتضياتها، وعدم العمل بما لا علم له به من حقائقها، ثم ضرورة تعليم الآخرين لمبادئ التعامل معها والمحافظة عليها.

القرآن وحقيقة الكون

القرآن بيّن للإنسان أن الكون ليس به خلل أو فساد، مصداقًا لقوله تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ)(الملك:3)، وإن ظهر الفساد فيه فبما كسبت يد الإنسان. وهذه المظاهر من الاختلالات البيئية والكوارث الطبيعية التي باتت تدق ناقوس الخطر اليوم، إنما هي رسائل إلهية، أو بصائر جاءت لتوقظ الإنسان من غفلته، وفي ذلك قال ربنا الكريم: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)(الأنعام:104). والبصيرة هي -كما قال المفسرون- الحجة والدلالة، وقد وصفها الله بالمجيء لتفخيم شأنها كما قال القرطبي رحمه الله، إذ أنت في مكانك لم تبحث عنها، فجاءتك معلنة لك الخبر عن الاحتباس الحراري، وثقب الأوزون، وتزايد حدة الأمراض، وتفاقم الكوارث وغير ذلك.. فمن بادر بإصلاح ما فسد فلنفسه، ومن عمي فعلى نفسه يعود عماه، وليس الله بحافظ من تغاضى عن هذه الرسائل، ولم يعمل بمضامينها كما جاء في آخر الآية.
فالتغاضي قد يوقع البشرية كلها في الهلاك؛ لأن الأرض سفينة تحملنا جميعًا، والحفاظ على سلامة بيئتها مسؤولية تلزمنا. فإن نحن لم نتدارك بعضنا بالتوعية والنصيحة، فإن أخطاء الغير ستصيب الكل، وفي ذلك جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: “مثَل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثَل قوم اسْتَهَموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استَقَوْا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوا ونَجَوا جميعًا” (رواه البخاري).
وهكذا، نجد أن القرآن الكريم من خلال دعوته الإنسان إلى السير في الأرض، والنظر في أطوار الخلق، يؤسس لمدرسة وعي بيئي قوامها الطبيعة التي هي واقع الإنسان، والعقل الذي هو وعاء فكره، والوحي الذي هو مصدر حقيقته. وذلك من أجل وضع الباحث أمام دراسات مقارنة بين ماضي أسباب البيئات وحاضرها، تمكّنه من معاينة تفاصيلها واستشراف المستقبل، وفقًا لسنة التطور التي أقرَّها الخالق في خلقه. ومن ثم يكون القرآن من خلال منهجيته العلمية هذه، مؤسسًا لمدرسة فكرية عنوانها “تحرير العقل” من حجر التبعية والخنوع، قصد النفاذ بالإنسان من أقطار التلقين الاجتماعي الموجه إلى فضاء الإلهام الفطري -الذي في فضائه يخلو الإنسان بنفسه فتتكلم مواهبه وتنشط تجاربه- لتنتشله من أوحال التقليد والاستلاب، وترقى به في مراتب أولي الألباب.

(*) كلية العلوم، جامعة ابن طفيل / المغرب.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.